رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

«موت معلن».. تقرير للمبادرة المصرية يرصد 6 سنوات استهداف لمسيحيي شمال سيناء: قتل وخطف وحرق كنائس.. وفشل أمني

أرشيفية
أرشيفية
التقرير يرصد تطور عمليات استهداف الأقباط في شمال سيناء منذ ثورة يناير وحتى مايو الجاري.. وكيف تتعام الدولة مع الملف
 
 
وثق تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية "موت معلن"، الوقائع المعلنة لاستهداف أقباط محافظة شمال سيناء، بدءا من منع ممارسة الشعائر الدينية وحرق الكنائس والاعتداء على الممتلكات والخطف مقابل فدية وصولا إلى التهجير القسري والقتل على الهوية على مدار 6 سنوات ماضية.
وأشار التقرير الذى انقسم إلى خمسة أجزاء رئيسية، إلى ما بعد اندلاع ثورة 25 من يناير، حيث يقول "إن العلاقة بين مسلمي شمال سيناء ومسيحييها شهدت عددًا من التغيرات، فقد أدى الظهور العلني لعدد من التنظيمات والجماعات الإسلامية المتطرفة على السطح، ومحاولاتها لعب أدوارًا سياسية مختلفة، إلى ممارسات طائفية بشكل معلن بما في ذلك الاستهداف على الهوية الدينية.
وأضاف التقرير، إن وتيرة تلك الممارسات، تزايدت عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 201، فقد بدأت خريطة الوجود المسيحي في شمال سيناء تتغير منذ العام 2012 ،حيث حدثت عدة موجات محدودة من الهجرة نتيجة استهداف المسلحين للأقباط تارة بالقتل أو الخطف مقابل الحصول على فدية، وتارة أخرى بالتهديد والوعيد من خلال توزيع منشورات تخيرهم بين الرحيل أو القتل. فقد كان المسيحيين هدفا سهلا ومرصودًا للجماعات المسلحة، وغير مكلف على المستوى القبلي.
وأشار التقرير إلى أن أغلب هذه العمليات لم تكن منتشرة في عموم محافظة شمال سيناء، ولكن كانت منحصرة بالأساس في نطاق مركزي رفح والشيخ زويد، وامتدت لمدينة العريش بوتيرة ملحوظة في عام 2015 ،ثم توسعت أيضا في الجنوب منها لتصل بعض العمليات إلى مركز الحسنة، وكذلك إلى جنوب بئر العبد خلال عام 2016 ، موضحا أن الاستهداف المسلح كان ضد قوات الجيش والشرطة في شمال سيناء قد بدأ في 5 أغسطس 2012 وذلك مع وقوع حادثة مجزرة رفح، والتي أدت إلى استشهاد 16 جنديا وضابطا وإصابة سبعة آخرين، وكان ذلك في الأسابيع الأولى لحكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، وقد توسعت دوائر الاستهداف المسلح، فبعد أن كانت تقتصر على استهداف أفراد ومقرات الأجهزة الأمنية من جيش ومخابرات وداخلية، طالت أيضًا القضاة والمستشارين في حادثتين في العريش.
ويقول التقرير، إن وتيرة استهداف المدنيين، زادت خلال عامي 2015 و2016 من قبل التنظيم، وعقب هجوم المسلحين على كمين كرم القواديس في 24 أكتوبر 2014 ،أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي حالة الطوارئ رقم 366 لسنة 2014 ،ومنذ هذا الحين، يتم إصدار قرار قبيل انتهاء الثلاثة أشهر المنصوص عليها بأيام، يقضي بتمديد حالة الطوارئ أو فرضها من جديد وهو ما اعتبره نواب سيناء بإنه سبب أساسي في معاناة الأهالي، بالإضافة إلى عدم فاعلية الطوارئ كأداة ناجحة في مواجهة العنف والتطرف.
بحسب التقرير، اتسم الوضع قبل يناير 2011 بالوجود الأمني الطبيعي آنذاك، بقسم شرطة لكل مركز من المراكز الستة لمحافظة شمال سيناء، عدا مدينة العريش التي يتواجد بها أربعة أقسام شرطة يعمل منها حاليّا ثلاثة فقط، ولم تسلم أي من تلك المقرات الأمنية تقريبًا من الهجمات من قبل المسلحين خلال الثلاثة أعوام الماضية.
وعن التواجد المسيحي بشمال سيناء، لفت التقرير إلى أن عدد الأسر القبطية بلغ نحو 450 أسرة بمدينة العريش، بخلاف نحو 20 أسرة بمدينة رفح، بينما بلغ عدد الأسر التي تعيش في الشيخ زويد 4 أسر، ونحو 40 أسرة بمركز بئر العبد، وأعداد محدودة من الموظفين بمركزي الحسنة ونخل، وفي ظل هذا النمط الحاكم، كان أغلبية المواطنين الأقباط راضين بتحقيق أنفسهم اقتصاديا والترقي الوظيفي المحدود مع الاستبعاد السياسي، لكن هذا النمط أيضا سمح بمساحة للتمييز الديني واضحة غلبت المعاملات اليومية للمواطنين، من بينها إلزام بعض السيدات بارتداء غطاء للرأس أو عدم قبول عمال مسيحيين أو وسم المسيحيين بأنهم كفار من قبل البعض أثناء سيرهم في الشوارع.
أما أنماط استهداف الأقباط عقب ثورة 25 يناير ، فقد وقع في عهد المجلس العسكري الاعتداء على عدد من الكناس من بينها كنيسة "مار جرجس والعائلة المقدسة" بمدينة رفح، والاعتداء على مبنى ضيافة تابع لـ الكنيسة بحي المساعيد بالعريش، أما في حكم جماعة الإخوان المسلمين وقع عمليات خطف وتهجير من رفح وتهديد الأقباط وترهيبهم من خلال توزيع منشورات تطالبهم بالرحيل وإطلاق الأعيرة النارية باتجاه محال إقامتهم أوعملهم ،وعلى إثر ذلك، قام مواطنون برفح وقادة دينيون مسيحيون بمحافظة شمال سيناء بإبلاغ القيادات الأمنية العسكرية والشرطية وتم تسليمها المنشورات، ورفضت الأجهزة الأمنية تحرير محضر بذلك ، ومن جانبه نصح سكرتير عام محافظة شمال سيناء مسيحيي رفح بمغادرة المدينة قائلا: إن كل ما يستطيع عمله هو إصدار قرارات ندب للموظفين الأقباط للعمل بأماكن أخرى".
ورصدت المبادرة المصرية ست حالات خطف أقباط، خلال النصف الأول من عام 2013 ،جميعها انتهت بعد دفع مبالغ مالية، فيما عدا حالة واحدة، حيث تمكن سامح عوض الله من الهروب من خاطفيه، واللجوء إلى أحد مشايخ القبائل الذي وفر له الحماية حتى عودته إلى منزله، وذلك قبل أن يقوم مجهولون بإطلاق النار على محله التجاري _فيما بعد_ وإصابة أحد العاملين به، فقرر عوض الله بيع ممتلكاته ومغادرة العريش بشكل نهائي.
ورصد التقرير إنه عقب عزل الرئيس محمد مرسي من الحكم في يوليو 2013 ، انتشر التحريض ضد المسيحيين على نطاق واسع، وجرى تحميلهم جزئيا مسئولية هذا التطور السياسي، وذلك عبر عدد من المساجد وتجمعات أنصار مرسي ،من خلال توزيع منشورات تحمل توقيع "أنصار الشريعة في أرض الكنانة"، تتضمن اتهامات واضحة للمسيحيين ،واستهداف مباشر لمسيحيين بالقتل، حيث جرى قتل ثلاثة أقباط في ثلاث حوادث متفرقة، كان من أبرزها اغتيال القس مينا عبود شاروبيم كاهن كنيسة ”مار مينا والبابا كيرلس“ بمنطقة المساعيد بالعريش، وحرق كنيسة مار جرجس بالعريش خلال أحداث 14 أغسطس 2013 ،وخطف أقباط مقابل طلب فدية.
وأضاف التقرير إن هذه الاعتداءات دفعت 29 أسرة للهجرة من رفح والشيخ زويد إلى مدينة العريش. وصارت المدينتان خاليتين من المسيحيين.
وفي نفس السياق، اعتبر التقرير عام 2014 عام بلا استهداف، حيث مع تحسن الوضع الأمني نسبيا خلال الشهور الثلاثة الأخيرة من 2013 ،عادت نحو 13 أسرة قبطية من سكان مدينة العريش، إلى منازلهم التي هجروها عقب عزل محمد مرسي، ولكن في 2015 و 2016 عادت حوادث القتل على فترات متباعدة خصوصًا خلال شهري يناير وفبراير، والتي أسفرت عن مقتل كل من نبيل محروس ووليم ميشيل، بينما نجا عبد الشهيد توفيق من محاولة قتله. ويلاحظ أن الملثمين غيروا من طريقة الوصول إلى ضحاياهم، حيث اتجهوا إلى الهجوم على المنازل بعدما كان الاستهداف يتم فقط في الشوارع والأماكن العامة والمحال التجارية ن وهو ماجعل الأقباط يعودون مرة أخرى إلى المغادرة وقدم بعض الموظفين طلبات إلى محافظ شمال سيناء لنقلهم إلى محافظات أخرى خصوصًا مع تلقي البعض رسائل تهديد.
أما فى 2017 ، رصد التقرير تزايد استهداف الأقباط مع نهاية يناير 2017 ،وبلغت ست حوادث نتج عنها قتل سبعة أقباط، بدأت بقتل وائل يوسف قلدس، في 30 يناير، داخل متجره بشارع 23 يوليو الرئيسي وسط مدينة العريش في منتصف اليوم، وانتهت بقتل كامل رؤوف كامل الشهير بكامل أبو روماني في 23 فبراير ،واتسمت هذه الاعتداءات بالعنف الشديد واستهداف الأقباط في منازلهم وحرق جثث البعض ونهب المنازل قبل حرقها، كما تنوعت الأحياء التي ينتمي إليها الضحايا ،وعمل القائمون بهذه الاعتداءات على الحصول على التليفونات المحمولة للضحايا، وهو ما وفر لهم قاعدة بيانات جاهزة بأسماء وأرقام تليفونات باقي المسيحيين في المدينة.
وأشار التقرير إلى إنه مع تزايد حالات القتل، توجه عدد من الأقباط إلى مؤسسات الدولة، وقدموا شكاوى إلى الجهات الأمنية تتضمن فحواها التهديدات التي تلقوها عبر التليفونات المحمولة والمنشورات التي تركت تحت أبواب المنازل، ولم يجدوا أية استجابة تذكر منها، توقفت الأسر عن إرسال التلاميذ إلى المدارس خوف ًا عليهم، كما امتنع عدد كبير من الرجال عن الخروج إلى أماكن العمل، واقتصر الأمر على خروج السيدات، حتى قرار الهجرة وترك العريش، وبالفعل تحركت بعض العائلات التي لها امتدادات في محافظات ومدن أخرى حيث انتقلت بعض الأسر إلى محافظات القاهرة وأسيوط والإسماعيلية.
وف السياق ذاته، أوضح التقرير أحداث العريش من منظور حقوقي، حيث إنه وقع عدد من الانتهاكات ضد حقوق المواطنين المسيحيين الواردة في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والدستور المصري تمثلت في انتهاك الحق في الحياة. جرائم القتل العمد والخطف، حيث بلغ عدد حالات الضحايا نتيجة انتهاك الحق في الحياة 14 شخصًا خلال الفترة من يوليو 2013 وحتى فبراير 2017 ،تم استهدافهم جميعًا بشكل مباشر على الهوية الدينية، سواء داخل منازلهم أو في الأماكن العامة ووسائل المواصلات ، الإضافة إلى انتهاك الحق في حماية الملكية واختيار المسكن المالئم وعدم التهجير القسري فخلال أحداث التهجير الأخيرة، وقعت عمليات اعتداءات واسعة تضمنت عقابًا جماعيّا على الهوية الدينية، كان من أبرزها الاعتداء على الممتلكات الخاصة سواء قبل فرار الأقباط أو بعده، ففي 12 مارس 2017 ،تعرضت أربعة منازل لمسيحيين بالعريش تركها أصحابها خوفا على حياتهم لعمليات سرقة ونهب، بينما يعد التهجير القسري انتهاكًا جسيمًا لحقوق الإنسان.
وفيما يتعلق بخطاب الكراهية ، قال التقرير ،إنه بالرغم من وجود النص الدستوري بضرورة قيام مجلس النواب بإقرار مفوضية لمنع التمييز وتحديد العقوبات على المسئولين والأفراد الذين يتورطون في القيام بأية أعمال من شأنها التمييز بين المواطنين، فلم يصدِر البرلمان التشريع الخاص بتأسيس هذه المفوضية ولم يفتح النقاش حول تشكيلها حتى الآن.
وعن دور أجهزة الأمن قال التقرير إنه اتسم بالفشل في حماية المواطنين المهددة حياتهم، ووقايتهم من التعرض للإيذاء وحماية ممتلكاتهم، واستمر الفشل في قراءة تطور الأحداث، ومن ثم التدخل لمنع تدهورها.
وتابع التقرير، في كل أحداث استهداف الأقباط سواء كانت خطفا أو قتلا على الهوية الدينية لم يتم القبض على مرتكبيها، ولم تعلن الجهات الحكومية أية معلومات عن نتائج البحث الجنائي عنهم، وما إذا كان هناك متهمون معروفون لدى الجهات الأمنية وجهات التحقيق أم لا يوجد متهمون، إلى جانب الاجهزة المحلية التى ظلت صامته عن المساعدة خاصة بعد إعلان عدد من الأقباط مغادرة المدينة.
وخلص التقرير ، إلى أن استهداف المسيحيين في شمال سيناء هو استهداف على الهوية الدينية ،وما حدث في العريش ينطبق عليه وصف التهجير القسري وفقًا للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولا يمكن قراءة هذه الأحداث بمعزل عما يطبق في جلسات الصلح العرفية التي تعقد لتسوية النزاعات ذات الطابع الطائفي في بقاع أخرى.
كما خلص إلى إنه قد تكون الحكومة المصرية قد نجحت في دعم قطاع من الأسر المهجرة بتوفير سكن مؤقت، وسبل إعاشة للقطاع الكبير منهم، لكنها فشلت في وضع خطة متكاملة للتعامل مع الأزمة الأخيرة تتضمن إطارًا زمنيّا أو إجراءات لضمان عودة الأهالي المهجرين في فترة وجيزة، بل تعاملت، وكأن الأهالي لن يعودوا مرة ثانية إلى منازلهم وممتلكاتهم.
أوصى التقرير، بضرورة وضع خطة محكمة ومحددة زمنية لفرض الأمن، وضمان حماية من يريد من المهجرين العودة إلى مدينة العريش أو مساعدة من يريد البقاء في المناطق الجديدة التي انتقل إليها مع توفير سبل الحياة الكريمة من توفير فرص عمل قريبة من سكنه، وتقديم الإعانات اللازمة إليه ،وحماية ممتلكات الأسر القبطية التي تركوها وراءهم، وكذلك تقديم تعويضات متناسبة مع حجم الممتلكات إلى من يريد التصرف في ممتلكاته وعدم العودة إلى العريش مرة أخرى ـ بالإضافة إلى التعامل بشفافية مع هذه الأحداث، وإعلان جهات البحث والتحقيق عما توصلت إليه وتحديد مسئولية المتورطين في هذه الاعتداءات وتقديمهم إلى العدالة.
 
التعليقات
press-day.png