رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد أحمد فؤاد يكتب: فنجان قهوة مع الرسول! .. (قصة قصيرة)

ما إن قمت بوداع السيد المسيح على أطراف صحراء كوكبنا التعس، وكان قد أتى لتقديم واجب العزاء في ملايين القتلى من مختلف الأعراق، والذين لم تفلح معجزاته في إنقاذهم أو إعادة أي منهم للحياة، حتى تلقيت رسالة على هاتفي الجوال العتيق نوعاً بمعايير الحداثة.. تلك الأخيرة التي تصر على إغتيالنا وقتل القيم الإنسانية داخلنا آلاف المرات يومياً.. نص الرسالة كان يدل على أن شخصية عظيمة الشأن ستقوم بزيارة قصيرة لكوكبنا الحزين، وهي الأن على وشك الوصول..

عدت مسرعاً مستقلاً دراجتي ذات المقود المعوَج والإطارت المتهالكة محاولاً اللحاق بمحطة الوصول لأكون الأول في شرف إستقبال الشخصية التي طالما تمنيت لقاءها والاغتراف من منهل إنسانيتها لعلي أتعافى مما أصابني مؤخراً من جدب فكري وإنساني أفقدني الاتزان، وأحسبه أضاع مني بوصلة المستقبل التي طالما كانت من الدقة في الماضي السحيق بحيث تحقق التوازن بين العقل البشري والأمور والأشياء كافة..!

في الطريق إعترضني رتل من سيارات الدفع الرباعي الفارهة ترفع الرايات السوداء وتفوح منها رائحة النفط الكريهة التي تزكم الأنوف، نظر لي قائد إحداها بإستخفاف، وهو فتى ملثم تظهر لحيته الحمراء الكثة من تحت لثامه الأسود وصاح: إلى أين أنت ذاهب بتلك الدراجة المتهالكة.. إركب معنا وسوف يصيبك من المتعة والمال الكثير..! قلت له أن طريقي مختلف تماماً، وربما أكون عبئاً ثقيلاً عليهم لأني إنسان لا يتوقف من التفكير والسؤال والاعتراض..!  قال لي: حسناً، سأتركك اليوم.. فمن يفكر ويعترض مصيره محتوم..  إما أن يعود إلينا صاغراً، أو أن تداعب رأسه رصاصات كفيلة بمعالجته من داء التفكير أو الاعتراض..  أطلق هذا الشخص دفعة من رصاص سلاحه الآلي طراز م 5  الأمريكي الصنع فوق رأسي.. لا أدري إن كان مغزاها تحية أم تهديد..؟ ولم ينس أن يبلغني أنه يعلم أنني كنت في وداع شخص غير مرغوب في بحساباته الشخصية، لكنه لم يشأ أن يعاقبني الأن لأن الأوامر لم تصدر له بعد بهذا الشأن..!

لم أندهش، واستكملت رحلتي المضنية في طريقي لمحطة الوصول.. وصلت بعد جهد وعناء شديدين.. لم أجد هناك أي شخص في ساحة الانتظار..  وسألت نفسي: هل وصلت تلك الرسالة لي وحدي..؟ هل تخصني أنا فقط، أم أنها أُرسلت للجميع..  كانت الساحة موحشة وكئيبة وقذرة.. وكأن الخراب حل بها للتو، لا يوجد هناك أي شخص سوى كهل عجوز يقوم بكنس الأرصفة، وطفل صغير يلهو على قارعة الطريق الخالية من أي ملامح للحياة..  لوحت للطفل بيدي فأتى مسرعاً.. قلت له: أين الناس؟ هل رأيت أحداً هنا في الساعة الأخيرة..؟  فأجاب في براءة:  لقد كان هناك أناس كثيرون كما إعتدت أن أرى المكان، سوق وتجارة وحركة وسيارات ورجال ونساء وأطفال..  وفجأة جاءت سيارات رسمية سوداء بها أشخاص تبدو ملامحهم غريبة.. قبضوا على كل الشباب، وهدموا أكشاك البيع وصادروا بضائع الباعة الجائلين وحملوها، وأعلنوا أن من يريد أن يبيع أو يبتاع أي شئ، فعليه بالذهاب إلى المنافذ التي حددوها مسبقاً، فهناك فقط يوجد كل شئ بالسعر المناسب لهم، ومن ثم لنا ايضاً.. ما إن حدث هذا، إلا وهرول الجميع وراء تلك السيارات طمعاً في الوصول لأي شئ يستطيعون الحصول عليه، طبعاً لأنه لم يبق هنا شئ كما ترى سوى الركام والمهملات..  سألت الطفل: وهل رأيت أحد من أعيان المدينة..؟ قال: كلهم ذهبوا.. لقد أغلقوا جميعاً متاجرهم، واستقلوا سياراتهم الفارهة وذهبوا للإقامة في قصورهم المنيفة التي على أطراف المدينة لأنهم سمعوا أن القصور التي لا يسكنها أحد سوف تصادرها الدولة لصالحها فوراً...

شكرت الطفل الصغير ولثمت يده بقبلة، ودعوت له بالسلامة.. عبرت الطريق إلى الكهل العجوز الذي يقوم بكنس الرصيف.. بادرته بالتحية، فلم يرد، واكتفى بنظرة خجولة أحسست منها بأنه يحبس دموعه ولا يريد الحديث.. قلت له برقف: ماذا حدث يا جد..؟ أين الناس، وأين الحياة والحركة والبهجة والصخب..؟  قال لي: كانت هنا.. لكن لم يبق شئ كما ترى..! وأضاف، لماذا أنت هنا..؟ ولماذا لم تذهب لتلحق بنصيبك مما يوزعون هناك..؟  إبتسمت وصرحت له بسبب وجودي، وأضفت أنني بطبيعتي لست كهؤلاء.. فإبتسم غير مكترث ولم يرد..!

دخلت لمحطة الوصول فوجدتها أيضاً خالية على عروشها.. نظرت لقضبان القطار فإذا هي بلا بداية ولا نهاية..!  تطلعت في الأفق المقفهر.. فرأيته عن بعد نشيطاً يسير في تؤدة وثقة، وتظلله إحدى الغيوم القليلة المتناثرة في السماء..  إنه الرسول..!

وصل إلي حيث أنا مشرقاً ومبتسماً وقال في تواضع جم:  أرجو أن تقبل إعتذاري..!  إندهشت وقلت: كيف يكون هذا، وعلى ماذا الإعتذار..؟  قال: لأني تأخرت عليكم كثيراً، حتى أن الفوضى عمت حياتكم وصارت الأمور إلى عكس ما أتمناه وأحبه لكم..  فأجبته في خجل: الاعتذار هو واجب علينا نحن جميعاً، فما تركت لنا أضعناه وفقدناه عمداً، أو ربما شوهنا ملامحه دون أن نعقله.. بل وتركنا الأمر في يد سفهاء تلاعبوا بمصائرنا حتى صار بنا الحال كما ترى..

لم يندهش لوجودي بمفردي لم يهتم بالسؤال، دعوته لفنجان من القهوة.. فقال: لا أريد أن أثقل عليك، وأنا أعلم أنك مُثقل بالهموم وعائد للتو من وداع أخي الذي زاركم منذ ساعات..  فقلت أنني أتوق لهذا الشرف العظيم، حتى تكتمل لي نعمة المعرفة بكل أوجه الحقيقة.. وألمحت له بأني سئمت ما هو متداول من كذب وعناد وكبر وكراهية.. أريد السكون والهدوء.. وراحتي فقط في معرفة الحقيقة بلا زيف أو رياء..!

قال لي: حسناً، لنحتسي القهوة ولنتحاور قليلاً.. فإن في الحوار لمعرفة وحياة وعلم وإدراك..!

كان لدي أسئلة ثلاثة تحيرني، طالما أردت أن أجد لها إجابات منطقية بعيداً عن كل ما هو متداول من غث أو سمين..  فتجارة الأديان وصناعة الفتن فاقت الحدود وتعدت في شرورها وعواقبها الكبائر والمحرمات..  وصلنا إلى المقهى وجلسنا، تباسط معي الرسول في جلسته لدرجة أدهشتني، وهو حتى الأن لم يهتم بسؤالي من أكون..؟ قلت هل يجلس الرسل في المقاهي..؟ إبتسم وأجاب في تواضع: هم يجلسون في أي مكان أو زمان فهم أولاً وأخيراً بشر.. الشرط لديهم هو توصيل الرسالة، لذلك هم مرسلون..!

بادرته بمخاوفي مما قد أتعرض له بسبب هذا اللقاء، فقال بثبات لم أعتاده من البشر: لا عليك.. فلقد رجموني بالحجارة في بدايات الدعوة، ولن أندهش أن يفعلوا هذا مرة أخرى.. فالبشر هم البشر.. ومنهم كثيرون يغلب على طبائعهم الكبر والعناد..  حتى لو فندت لهم الأحكام كافة وأتيت أمامهم بالحجج والبراهين فلن يعدمهم هذا التعنت والتشكيك والرفض..

سألت الرسول: ما رأيك في مسألة الأحاديث النبوية وتأويلها..؟ قال: إن رجال الحديث بلغوا الغاية في الاجتهاد في جمعها وتبويبها وتقسيم رواتها وأسانيدها، وضمها في أقسام بين ثابت وراجح وحسن ومقبول، وأيضاً ضعيف ومشكوك فيه ومرفوض..! أفلا يعني هذا التصنيف والانتقائية أنهم إختلفوا..؟ والثابت أن الاختلاف في أمر لا يعني وجوبه، ولكن يجعله موضع بحث وجدل ودراسة.. أي أنه يصلح للعظة، لكنه في الواقع أضعف من أن يرتقي ليكون مصدر تشريعي متفرد، ولابد إذاً من التعامل معه بعناية وحذر..  وأنا قد أوصيت الكتبة يوماً بعدم تدوين أحاديثي.. لكنهم فعلوا..!

قلت للرسول: وماذا ترى في مسألة الروايات القرآنية ونتائج الاختلاف عليها حتى وصل إلينا أكثر من ثلاثين نسخة معتمدة من التفاسير..؟ قال: إن الروايات تظل من أعمال البشر لإدراك معاني النص المقدس من منظورهم الخاص.. وتلك التي لم يختلف عليها القراء لا تغير شيئاً من أحكام القرآن، ويمكن الأخذ بها جميعاً بعد إخضاعها للفطرة البشرية.. فما اتفق منها مع صالح الإنسان والإنسانية فهو الأوجب بالإتباع.. ولو إن هذا لم يحدث في العصور السحيقة قبل ظهور عصر التسجيل، لذا فالعقل فقط هنا هو المنوط بالاختيار، وكفة الإنسانية تميل دائماً نحو الخير وتسمو بفطرتها على الشر والأحقاد..!

إستفسرت من الرسول الكريم عن مسألة الخلافة والمُلك قائلاً: كيف ترى تلك المعضلة التي سالت فيها بحور من الدماء وأنهار من المداد، وبقيت هي وحدها وراء حالة الانقسام والتشرذم التي نعيشها حالياً..؟ قال بنبرة أسى: ليس هذا ما أوصيت به..  أنا لم أتحدث قط عن سنة أو شيعة أو إماميين أو أزيديين أو نزاريين أو إسماعيلية.. حتى حين نذكر الهاشميين والأمويين والعباسيين والفاطميين وغيرهم ممن انقسموا وتناحروا من أجل العروش..  أنا برئ من هؤلاء تماماً، وأجزم أن نواصيهم بأيديهم..

قلت له: بم أوصيت أيها الرسول الكريم في أمر الخلافة..؟ وهل هي دينية أم دنيوية..؟ هل تريدها اليوم على هذه أو على تلك من الصفات والأحكام..؟  نظر لي وقال بحزم: لم أوص بكذا أو بكذا..  بل إنني قد حذرت غير ذي مرة ممن يسعى لها..!

وانتهى حديثنا مع أخر رشفة من القهوة.. وكأن الرسول بكلماته الأخيرة قد مسح بيده الشريفة على صفحات ومجلدات من موروثات مغلوطة حفظها التاريخ فإذا هي بيضاء من غير سوء.. وإذا هي بقية من بقايا الماضي ربما يجدر أن تحال إلى دار المحفوظات فقط للعبرة والحذر.. أو أن يلقى بها غير مأسوف عليها حيث يتلاشى الحس والخبر والأثر..!

قمنا من مجلسنا وسرنا في الطرقات الخالية حتى ودعته على أطراف الكوكب وهو مازال يوصيني بحفظ العقل الذي هو مناط التكليف.. شيعته بنظراتي وقد استقر بي الحال إلى شئ من الهدوء بعد هذا اللقاء الذي وددت ألا ينتهي..!

التعليقات
press-day.png