رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمود الدسوقي يكتب: واحة الغروب أو البكاء مع الحالم محمد دياب صاحب القطار علي الإمبراطورية المصرية

واحة الغروب
واحة الغروب
 
اعترف أنني لم أقرأ رواية واحة الغروب للروائي بهاء طاهر  أكثر من مرة مثلما فعلت في أعماله الروائية الآخري مثل الحب في المنفي كما أنني اعترف بأنه لم تشغلني إطلاقا المقارنات التي تحدث بين الحين والآخر بأن انجذاب المشاهدين للمسلسل الذي يعرض حاليا علي القنوات الفضائية هي  للمقارنة بين ثورتين فشلتا في تاريخ مصر
 
ثورة يناير التي ليس لها قائد  وثورة عرابي  التي كان لها قائد يرجم حتي الآن بأنه أهوج متمرد رغم اعتراف الضباط الأجانب الذين شاهدوا قدراته الخارقة في حرب الحبشة قوندث 1875م  بإنه كان  أجدر ضابط  مصري لو أتيح له أن يأخذ القيادة لتحولت دفة الحرب التي منيت بها مصر بهزيمة ثقيلة  –أقصد مني بها الأمريكان والجركس والقائد الدنماركي في أدغال أفريقيا
 
ماشغلني كان أكثر من حديث الثورة وكان أكثر من الرومانسية وأحاديث الحب المجهضة ماشغلني هل سيعي المشاهد جزءا من تاريخه من جغرافيته المجهضة تلك الجغرافيا التي جعل لها الخديو إسماعيل قسما خاصا في جيشه لقيادة المكتشفات في نهر النيل وتدوين حياة القبائل الأفريقية علي الساحل والتي تم تمصيرها وإدخال التمدن والحضارة لها علي يد المصريين
 
 هل يعي  المشاهد مما حدث لنا  في إمبراطورية ممتدة في مصوع باريتريا وسواكن بالسودان وهرر باثوبيا وأوغندا  جزها الانجليز جزا من خرائطنا   للتبشير بعوالمهم الجديدة التي كانوا يبشرون بها في صفحات صحف القرن التاسع عشر الذي وصفوه بقرن المعجزات
 
حين أشاهد المسلسل تثور الأسئلة كثيرا مامصير المئات من الضباط وجنود الشرطة الذين تم نفيهم مكبلين بأغلال الحديد في السجن مدي الحياة في محافظات مصرية أفريقية؟  ولم يعودوا أطلاقا وبقي مئات آخرين تم تكوين جيش منهم بقيادة انجليزية أيضا لمحاربة الثورة المهدية وكان من أقدار بعضهم أن يموتوا ويتحولوا طعاما للوحوش الأفريقية
 
ومن الأسئلة أيضا هل كل الذين عاصروا أحداث الثورة العرابية والمذابح التي حدثت من الانجليز  في عام 1882م كانوا مثاليين وحالمين مثلما تصفهم الروايات الأدبية فهم كانوا حالمين حتي في الوثائق المجهولة في تاريخنا المصري  مثل محمد دياب الاسكندراني الشهم الذي عقدت له محاكمة لرفته من مصلحة السكك الحديدية لأسباب غريبة  بعد مذبحة الإسكندرية ب4 سنوات في عام 1886م
 
محمد دياب لم يأت ذكره في تاريخ الثورة العرابية التي بدأت بمذبحة عنيفة بشعة فعلها الإنجليز  وأحلامه لايدرسها التاريخ المصري في مدارس محرومة من التاريخ كل ماهنالك أنه فوجىء بأحداث الفوضي التي ضربت مدينته الإسكندرية بالاتفاق بين حكومة الخديو والإنجليز
 
وفوجىء  دياب  أنه تم رفته من خدمته رغم أنه عمل فيها لمدة 30 سنة منذ إنشاء أول خط يربط بين القاهرة ومدينة الإسكندرية  في عهد سعيد باشا وكانت الحجة أنه انقطع عن عمله وأنه رفض أن يقود القطار في أحداث الفوضي التي عمت المدينة  وأنه فعل جريمة كبري بأنه حمل علي قطار يقوده 4 أشخاص مجانا بدون تذاكر وهم من جملة المهاجرين الذين تم تشريدهم في السودان
 
حاول دياب أن يتحدث للسادة القضاة وهم مصريين وأجانب ليخبرهم أنه رفض أن يقود القطار خوفا علي الركاب فالأوقات لاتسمح  بقيادة قطار ومدينته الإسكندرية تشتعل فيها الحرائق الغريبة التي تم توجيه الاتهام للعراببين بأنهم نفذوها كي لايسلموا المدينة للإنجليز وأجاب دياب أنه كان  يخاف علي أرواح المواطنين  لذا رفض التحرك بالقطار
 
حاول دياب أيضا  أن يثبت لهم أنه انقطع عن العمل لأنه كان مريضا  وكان جسده لايحتمل أن يشاهد مايشاهده من أحداث الفوضي وضياع المدينة  دون أن يهتز أو يمرض وحاول أن يثبت كثيرا أن الأشخاص الأربعة ليسوا مسؤوليته وإنما هي مسؤولية الكمساري أولا كما أنها مسؤولية إنسانية ثانية لمهجرين تقطعت بهم سبل العيش في أفريقيا جراء الثورة المهدية  ولا يملكون أموالا لركوب القطار
 
كان علي محمد دياب الذي رفض القضاة الإصغاء لحديثه أن يدفع بأوراقه للمحامي نقولا افندي جورجي الذي كان عليه أن يقنع القضاه بترتيب معاش له بمبلغ 390 قرشا شهريا قيمة ثلثي خدمته التي قاربت علي الثلاثين سنة وهو يعمل سائقا للقطار وكان من حظه أن توافق الحكومة علي ذلك لترتاح من مثاليته وأحلامه  الثورية بأن ينقذ أبناء وطنه علي قطار يحملهم بدون أموال  ليعي دياب الدرس الحقيقي في الحياة أن ينعزل عنها دون أن يطمح أن يتحدث أحد  عن ثوريته أو يتحدث عن أحلامه وينتظر الموت بعدها دون أن يشعر بمرارة أنه نجا بأعجوبة من أن يكون مصيره كمصير أخوانه  العرابيين الذين صاروا  مشردين وتائهين.
 
التعليقات
press-day.png