رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

أماني محمد فريد تكتب: «فاكهة غريبة».. الاحتجاج بالموسيقى.. الأغنية التي صارت نشيد ضحايا العنصرية والأقليات المضطهدة

عندما غنت بيلي هواليدي: فاكهة غريبة تدلى من أشجار الجنوب.. أجسام سوداء تتأرجح مع نسيم الجنوب
 
 
نشر مركز هردو مقالا للكاتبة أماني محمد فريد بعنوان « فاكهة غريبة … الإحتجاج عبر الموسيقى» عن الاحتجاج ضد التمييز العنصري والقتل خارج نطاق القانون في أمريكا خلال ثلاثينيات القرن الماضي، ويحكي المقال قصة المغنية بيلي هوليداي، وكيف تحولت أغنيتها لـ أول أغنية إحتجاج موثقة، وأصبحت مع مرور الوقت نشيد وأغنية تعبر عن كل ضحايا العنصرية و الأقليات المضطهدة:
وإلى نص المقال كما نشره موقع مركز هردو لدعم التعبير الرقمي:  
 
في أحد شهر مارس من عام 1939 توافد الزبائن إلى الملهى الليلي “Cafe Society” الذي يقع في ضواحي مدينة نيويورك، لم يكن هذا المكان كغيره من الحانات والملاهي الليليه المخصصة للترفيه عن أصحاب البشرة البيضاء وتطبق فيها سياسة “العزل” بين السود والبيض، بل كان يسمح “بالدمج ” فكان زبائنه من البيض والسود يجلسون في نفس المكان ويختلطون معًا، وكنت الصاله بسيطة للغاية الطاولات مغطاة بمفارش ممزقة وفي الصالة لوحات وجدريات تسخر من الطبقة البرجوازية ويافطة معلقة مكتوب عليها “المكان غير المناسب للناس المناسبة”. ويقدم هذا الملهى فقرات مسرحية وأغاني البلوز والبوب والجاز، وكان من ضمن فقرات هذا اليوم أغنية جديدة ستقدمها شابة سمراء استطاعت أن تحقق شهرة واسعة على الرغم من أن عمرها لم يتجاوز 23 عامًا، تدعى بيلي هوليداي، وفي موعد الفقرة المحددة لها وقفت الفتاة ومن أمامها الصالة غارقة في الظلام، لم يكن هناك سوى بيانو مرافق لها، ومصباحًا واحدًا يبعث بشعاع أبيض وقفت بيلي تحت الخيط الأبيض من الضوء متبلدة لا تتحرك، ووجهها يشوبه الألم، خرجت من شفتيها أول مقطع من الأغنية بهمهمه تمزق القلوب مبكية كأنها قداس جنائزي (فاكهة غريبة تدلى من أشجار الجنوب …  أجسام سوداء تتأرجح مع نسيم الجنوب)، صمت كل من في الصالة فهذه البداية لا تشبه بدايات أغاني الحب والغزل المحببة لديهم، وكانت مظاهر الدوران والمعاناة يسيطران عليها. غنت واثقة، بقناعة وإقناع، ثابتة، خرجت كلمات الأغنية منها تضرب المشاهدين  بشدة لتأثر عليهم بقوة، وعندما انهت الأغنية حل صمت مميت في الصالة، بدى وكأنه صمت أزلي، إلى أن قطعه تصفيق هستيري من أحد الزبائن، تلاه تصفيق حاد من جميع من في الصالة. عادت إلى غرفة الملابس منهكة وغير قادرة على متابعة أي شيئ وجلست وحيدة حتى تتعافى من تلك المشاعر القوية التي غرقت فيها وقتها.
      على عكس ما يعتقده العديدين أن بيلي هوليداي هي من كتبت هذه الأغنية، والذي عزز هذا الاعتقاد هو فيلم “Lady Songs the Blues” والذي صور فيه بيلي هوليداي شرعت في كتابة الأغنية بعد مشاهداتها أعدام خارج نطاق القانون، والحقيقة أن من كتب “فاكهة غريبة” مدرس يدعى أبيل ميربول متأثرًا بمشهد إعدام خارج نطاق القانون وقع في ولاية انديانا لعاملان من السود علقت جثثهم على الأشجار، ونشرها أول مرة كقصيدة عام  1937 في مجلة “Union Magazine” بعنوان “Bitter Fruit” أو “فاكهة مرة”.ثم بدأ بتأديتها هو وزوجته والمغنية لارا دانكن في ساحات التظاهر في نيويورك، وخصوصًا حديقة ميدان ماديسون، ولكي تحقق أغنيته إنتشارًا أكبر أعطاها لبيلي هوليداي، قبل أن تصل إلى بيلي هوليداي والتي قامت بدورها بعمل تعديل على اللحن قبل أن تغنيها، ثم قامت بتسجيلها عام 1939 لتكون أول أغنية إحتجاج موثقة، وأصبحت مع مرور الوقت نشيد وأغنية تعبر عن كل ضحايا العنصرية و الأقليات المضطهدة. وعلى عكس العديد من أغاني الإحتجاج نجت فاكهة غريبة من السقوط في هوة النسيان أو أصبحت خارج الزمن، بفضل امكانياتها المجازية، ففي عام 1999 اطلقت عليها مجلة تايم “أغنية القرن”، وفي عام 2002 أضافتها مكتبة الكونجرس ضمن ضمن سجل التسجيل الوطني، واعتبرها الموسيقي ديجان كوكيتش من بين أهم 45 غيرت تاريخ الاغنية الشعبية.
        لم تكن حياة بيلي هوليداي أقل سودوية من أغنية “فاكهة غريبة”. تركزت في بيلي هوليداي جميع المقومات التي تجعل منها إنسان مضطهد من قبل المجتمع الأمريكي في تحديدًا في النصف الأول من القرن العشرين فهي أفرو-أمريكية، أمراءة من طبقة معدومة.
ولدت بيلي هوليداي عام 1915 في مدينة بولتيمور في ولاية ميريلاند، رفض أباها الإعتراف بها وتركها مع أمها التي لم تتجاوز التاسعة عشر، عاشت طفولة مأساوية، وكانت فترة مراهقتها فوضى مليئة بجراح في الجسد والنفس، تعرضت للإغتصاب في سن العاشرة وعقوبت بنفيها في أحد المدارس الكاثوليكية، وفي سن الثانية عشر سافرت مع والدتها إلى لتعمل في الدعارة، وفي عام 1930 قبض عليها بتهمة الدعارة وهي لا تزال في سن الخامسة عشر، وارسلت إلى سجن النساء لمدة اربعة أشهر، وعند خروجها ذهبت إلى هارلم، قلب الموسيقى الأفرو–أمريكية في ذلك الوقت وكان عملت كمغنية تتقاضى أجرتها من البقشيش، وبعد ذلك بفترة عملت بانتظام وبأجر ثابت واصبحت هذه الفتاة بعد بضع سنوات صاحبة أكثر الأصوات إثارة للمشاعر في تاريخ موسيقى الجاز، إلى أن تم اكتشافها من قبل المنتج جون هاموند وسجلت أول اسطوانة لها مع بيني جودمان، وعملت بعد ذلك في عدة ملاهي ليلية. في عام 1935 سجلت أهم اسطوانه لها مع اوركسترا البيانست بيدي ولسون تحت اسم بيلي هوليداي والارسكسترا. في عام 1937 عملت بيلي هوليداي في اوركستراCount Basie  وقابلت وقتها Laster Yonger، وبدأت سلسة من الرحلات من 17 من الموسيقين البيض وعازفي الكلارنبت (ارتي شو) تعرضت خلالها لمضايقات وإهانات لا حصر لها وخاصة في الولايات الجنوبية. عملت بيلي هوليداي في “Café Society” عام 1937، والذي غنت فيه أهم أغانيها  “فاكه غريبة”.
       على الرغم مما حققته بيلي هوليداي من نجاحات إلى أنها أنها دمرت ذاتها وأنهت حياتها بخيبة أمل، حيث أنها أدمنت على المخدرات وغرقت أيضا في إدمان الكحول، في عام 1947 تحطمت حياتها الخاصة، فقد سجنت عدة مرات بسبب تعاطيها المخدرات وقضت عدة أشهر في السجن،  وعند خروجها شاركت في برامج تلفزيونية وغنت في قاعة كارنيجي بنييورك، وسجلتVerve  للمنتج نورمان جرناز عدة أغاني نالت نجاح، وخاصة وأن فرقة موسيقية بها أسماء كبيرة مثل هاري اديسون وبن ويستر عازف الساكسفون وعازف البيانو جيمي رواليس، وعلى الرغم من تغير صوت بيلي وسيطرة الاهتزاز عليه باستمرار ليعبر عن إصابة في داخلها وكسر في روحها هوليداي إلا أن عاطفتها لا زالت بكر ومليئة بالحياة.
      وبالرغم من ذلك نشرت في عام 1956 “Lady Sings the Blue” وهو سيرة ذاتية نشرت قبل وفاتها بثلاثة سنوات سرت فيها بشفافية ودون خجل الجحيم اليومي الذي عاشته بسبب الحاجز الذي بناه المجتمع أمام من هم من عرقها ومن طبقتها والفنانيين مثلها (كانا أبوايا طفلين حين تزوجا كان هو في الثامنة عشر وهي في السادسة عشر وأنا في الثالثة من عمري… ) هكذا بدات مذكرتها. في باريس كانت آخر حفلة قامت بتأديتها عام 1958، وظهرت كأنها خيال ولكن كان أدائها عظيم وراقي يمزق القلوب، كأن صوتها جاء من عالم آخر ويشهد على ذلك تسجيلات هذه الحفلة الأخيرة مع أوركسترا راي اليس بلغت في عام 1959 غاية في الضعف ونقلت إلى المستشفى يوم 31 مايو وكانت وقتها متهمة بتعاطي المخدرات فتم تقيدها وهي على فراش الموت إلى أن توفيت يوم 17 يوليو.
نقلا عن موقع مركز هردو
 
لينك الخبر: أضغط هنا
 
التعليقات
press-day.png