رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

الأديب الأسباني العالمي خوان جويتيسولو في حوار مستعاد قبل رحيله: الطغاة يتشابهون

خوان جويتيسولو
خوان جويتيسولو
طريق بناء الديموقراطية صعب وملئ بالأشواك .. والعالم العربي يتغير وموجة الثورات لن تتوقف
 
ذهبت الى فلسطين مرارا .. وتألمت من استمرار الإحتلال الإسرائيلي .. والسياسية الإسرائيلية «محلك سر»
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش على الحوار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل وفاة الأديب العالمي "خوان جويتيسولو " الذي وري جثمانه الثري حيث أحب بالمغرب الاحد 4 يونيو 2017 بنحو أربعة سنوات اخترت لكتابي "الشبيهان : سيرة مزدوجة لمبارك وبن على " كلمة افتتاح مختصرة وكأنها الإهداء تعكس عمق ما حفره اللقاء معه في روحي . وببساطة كان (التقديم / الإهداء) على هذا النحو :
(" الطغاة يتشابهون " الكاتب الأسباني خوان جويتيسولو في حوار أجراه المؤلف لجريدة الأهرام بعدد 14 إبريل 2014)
والحقيقة ان لقائي مع جويتسولو كان جماعيا مع أربعة زملاء اعزاء كنت أكبرهم سنا . وقد بدأوا في تعريف انفسهم لأديبنا واحدا تلو آخر . بالاسماء المشفوع بالمناصب في صحفهم .وكلها على ما اتذكر من الكبرى الخاصة الجديدة . ما بين رئيس قسم ومدير تحرير ومساعد رئيس تحرير على ما أذكر . ولما جاء دوري في النهاية قلت اسمي و اضفت اليه "صحفي هامشي معظم سنوات عمله مرت في عهد مبارك واكسب قوتي واعيل ابني من العمل في جريدة الأهرام "  .
وعلى الإثر قال جويتيسولو بسرعة بديهية مبتهجا :" وأنا أيضا كاتب وروائي هامشي " .وضحكنا معا . وأضاف :"تعرف انا أحب أن أظل هامشيا" .واكدت من جانبي :"وأنا ايضا " .
 
جرى الحوار بلغة انجليزية سلسلة بسيطة بين الصحفيين المصريين الحضور و " جويتيسولو "، لم نستعن بمترجم عن الاسبانية وفره المركز الثقافي " سيرفانتس " بالقاهرة.  وقد بدا وكأننا نسبح على راحتنا في مياه هادئة . وثمة اشارة في نص الحوار هنا لعرضه ان يخص الأهرام ـ الذي كنا نأمل أن يفتتح عهدا جديدا بعد ثورة 25 يناير ـ باعادة نشر مقال بعينه بعد ترجمته الى العربية . لكنني  كنت طموحا فتحدثت معه باستفاضة بعد الحوار الصحفي الجماعي واتفقت ان اعرض على ادارة الأهرام ترجمة ونشر مقاله الأسبوعي الذي يكتبه لصحيفة "الباييس" الأسبانية وتنقله عنها العديد من الصحف بلغات متعددة.. لكن ما كان ان تفاصيل بيروقراطية (ليست من اخلاقيات الهامشيين بأي حال)، حالت دون الاستفادة من عرضه الكريم بأن يمنح حقوق نشر مقاله الى العربية مجانا للأهرام، على ان تتكفل المؤسسة العملاقة بتدبر أمر الترجمة. وعندما عدت الآن لأبحث عن نص هذا الحوار كان من الصعب بل من الصعب جدا ان أجده على شبكة الانترنت أو حتى بأدوات البحث  من داخل موقع الأهرام  الالكتروني.
كما قادتني حمي البحث عن النص الأصلي ـ لأنه على مايبدو تعرض لاختصار وبعضه مخل عند النشر وهو امر معتاد  مع الصحفيين الهامشيين من أمثالي ـ الى ملف على الحاسوب الخاص بي باقتراح ندوة ينظمها الأهرام مستضيفا جويتيسولو، وبما في ذلك اسماء الأدباء والمثقفين المصريين الذين سيتم دعوتهم.
 كل هذا لم ير النور.. والأهم والأكثر إيلاما أن جويتيسولو لم يعد الى القاهرة بعدها على حد علمي. ومن جانبي لم أتمكن من زيارته في مراكش كما وعدت وحلمت . كما أن مصر بالأصل سارت إلى هذا الطريق البائس المظلم . وحتى التفكير في إمكانيه أن يهتم أحد ما في الجريدة التي نشرت نص هذا الحوار في اعادة النشر مع مناسبة وفاته اصبح يقينا بمثابة خيال في خيال واضغاث أحلام. 
ولا اعتقد أن أحدا بالأصل اهتم في صحافتنا الغراء هنا او هناك بنشر مجرد خبر يقول بأن : خوان جويتيسولو مات في مدينة "مراكش" التي احبها ودفن كما اشتهى بـ " العرائش" بالمغرب أيضا . وتحديدا بالريف المغربي حيث يقاوم ما اصبح متهما ومدانا ومسبوبا باسم " الربيع العربي" حتى النفس الأخير وبانتفاضة متواصلة من أجل الكرامة والعدل الاجتماعي  والديمقراطية منذ سبعة أشهر ويزيد .وزد عليها عمق انتفاضة الحراك المغربي انطلاقا من 20 فبراير 2011.
 حقا ..مات خوان جويتيسولو أو ( غويتيسولو ) عن 86 عاما .فكم أنت صغير ولم تسمح أيامك بأن أراك أكثر وأتحدث معك أكثر وأحبك أكثر وأكثر .
مات وبقيت كلماته عن الطغاة المتشابهين بعمق التاريخ وبألم سنوات مصر وغيرها من البلدان الآن وحتى غد أفضل.  
 
 
 
 
وإلى نص الحوار الذي جرى قبل 6 سنوات:
 
 
 على مدى أربع ساعات استمعت الى الأديب الأسباني العالمي " خوان جويتيسولو " ( 80 عاما ) . ساعتان خلال حوار مع الروائي المصري والعالمي أيضا " علاء الأسواني " بحديقة المركز الثقافي الأسباني بالدقي على  مقربة من ضفاف النيل مساء الثلاثاء 12 ابريل .
ومثلهما صباح الأربعاء 13 ابريل 2011 بفندق " شبرد " المطل على النيل مباشرة ، وذلك في جلسة ضمت خمسة صحفيين ، كنت أحدهم . وفي الطريق بين اللقائين تذكرت ما حفره الأدباء الأسبان على مدي القرن العشرين في وجدان المثقفين المصريين والعرب . وهل بينهم من ينسي " دون كيخوته " لـ" ثربانتس" التي ترجمها الراحل الدكتور " عبد الرحمن بدوي " في الستينيات و قصائد "جارسيا لوركا " ، و مسرحيات " أنطونيو باييخو " بما في ذلك رائعته " القصة المزدوجة للدكتور بالمي " والتي قدمها المسرح المصري في الثمانينيات بعنوان " دماء على ملابس السهرة " . وفي كل هذا وغيره ما يتصل بقضايا الإنسان و الحرية والدكتاتورية والقمع البوليسي والتعذيب .
 وبالنسبة للكاتب و الأديب الأسباني الكبير فهذه هي أول زيارة لمصر منذ عام 2008 . أما بالنسبة لمصر ثورة 25 يناير فهي أول زيارة لشخصية ثقافية دولية رفيعة منذ إندلاع الثورة . الأمر الذي يكسب حدث الزيارة و ماقاله " جويتيسولو " أبعادا سياسية وثقافية معا . ويضاف الى هذه الأهمية أن الرجل كان شاهدا على عصر الثورات العربية في الخمسينيات والستينيات و متضامنا  فاعلا ، وبخاصة مع الثورة الجزائرية.
هذا الأديب عاشق للثقافة العربية والإسلامية من موقع " النقد " . وكما يقول :" أنا لا أنتقد أعدائي لأنهم  قد يتعلمون ". وبعدما رحل الرئيس السابق " زين العابدين بن على " عن حكم تونس بيوم واحد تنبأ خلال حفل توقيع لأحد كتبه الجديدة في " برشلونة " إندلاع الثورة في مصر قريبا. ولذا بادرت بسؤاله عن دوافعه في هذا الحدس السياسي فيما كانت آلة دعاية عملاقة تمتد من القاهرة الى واشنطن تنفي أن مصر هي تونس ، فقال :" في آخر زياراتي لمصر ـ وكنت قد انقطعت عنها لإحدي عشر سنة سابقة ـ لمست دوافع اقتصادية اجتماعية قوية للثورة . أنا بطبعي رجل فضولي و أحب التحدث للبسطاء . و لذا تحاورت مع شرطي مرور وسألته عن راتبه الشهري . وعندما علمت انه أقل من ستين "يورو " ، تساءلت مع نفسي :"كيف لإنسان ان يعيش بهذا المبلغ حياة كريمة ". ويضيف :" كانت الأزمة الاقتصادية الإجتماعية تتفاقم كما لا حظت بنفسي بين زيارتين . وفي الوقت نفسه جلبت تكنولوجيا المعلومات الحديثة العالم الى المصريين، بمن فيهم البسطاء . وهنا أود الإشارة الآن انه لو كانت هذه التكنولوجيا من الفيس بوك وتويتر متوافرة أيام مجازر الصرب ضد مسلمي البوسنة في مطلع عقد التسعينيات لما حدثت أصلا ".
ولقد جاء  حدس " جويتسولو " بالثورة المصرية عندما واجهه الجمهور في حفل توقيع كتابه في برشلونه باستفهام ينطوى على توقع بأن الجزائر هي التالية لتونس . لكنه أجابهم قائلا:" لا .. الناس في الجزائر خائفون نتيجة تجربة الحرب الأهلية في التسعينيات .وقد لا يجرأون على مواجهة جديدة مع السلطة ". ويضيف  :"عندما ثارت مصر سألوني : هل كان لديك معلوماتك الخاصة ؟ .. فأجبتهم : مطلقا .. فقط كنت حينها أتذكر صور الدكتاتور "(بن على") في شوارع تونس  تماما كصور الدكتاتور مبارك في شوراع القاهرة ".
" جويتيسولو " يرى شبها بين الدكتاتوريين من " فرانكو "أسبانيا ( 1939 ـ 1975 ) الى مبارك مصر ( 1981 ـ 2011 ) مرورا ببن على و ستالين .  ليس على مستوى السياسة فقط بل في العداء للثقافة واهمال التعليم على نحو خاص .وينتقد بشدة بقاء الأمية في مصر والعالم العربي وانهيار النظم التعليمية و جمودها . ولذا فقد صدر واحدة من مقالاته عن الثورات العربية التي نشرها في صحيفة " الباييس" الأسبانيه بعبارة لـقيصرة روسيا " ايكترينا الثانية " تقول :" لا يجب للعامة تلقي أي تعليم .. فإذا اصبحوا يعرفون كثيرا مثلي فسوف يقومون بعصياني بالدرجة نفسها التي يطيعونني بها الآن".
الأديب الأسباني العالمي المقيم في مراكش منذ عام 1997  كان يتابع أخبار الثورة المصرية لحظة بلحظة من الصحف العالمية ، وبشكل خاص من الفضائيات وبخاصة قناتي الجزيرة باللغتين العربية والإنجليزية . ويتذكر أنه فور الإعلان عن تخلى " مبارك " عن السلطة مساء 11 فبراير الماضي استقبله الناس في حي " القنارية " الشعبي حيث يسكن بعلامات النصر ، فيما اعتادوا على مناداته باسمه الأول مجردا من أي لقب " خوان ". ويحكي كيف كان قبلها يتابع مشاهد الثورة في ميدان التحرير بالقاهرة ، ويقول :" هذه المشاهد استدعت عندي ملامح الميدان التي اعرفها من قبل، حتى انني كنت اتبين زوايا التصوير و من أين يجرى التقاطها ". ويضيف :" حقيقة.. كنت اشعر بأنني بينكم هنا".
" جويتيسولو " ينبه الى سهولة اقامة الدكتاتوريات قائلا :" يستولى عسكريون على السلطة .. ثم يعلنون انهم سيحكمون .. هكذا ببساطة " . لكنه يؤكد في الوقت ذاته على صعوبة بناء دولة ديموقراطية .ويقول :" طريق الديموقراطية أصعب وأطول وتكتنفه العقبات و المصاعب .. وهذه هي خبرة أسبانيا التي عاشت لنحو 36 سنة من عهد الدكتاتور فرانكو ".  ولذكرى دكتاتورية " فرانكو " معان أليمة عند أديبنا . فقد  ماتت أمه في غارة مع بدايات هذا العهد تحت القصف الجوي لطائرات الدكتاتور .  . ويضيف :" يوم وفاة فرانكو في عام 1975 كتبت حينها مقالا يعكس ما كان يفكر فيه الأسبان .وأظن انه يصلح تماما لاكتشاف لحظة رحيل مبارك عند المصريين " . و قد عرض الأديب الأسباني الكبير ان يمنح " الأهرام " حق نشر ترجمة لهذا المقال .
 وعندما سألت" جويتيسولو ": هل يخشى على الثورة المصرية من العسكريين ؟ ، أجاب باقتضاب :" يجب أن يحدث اتفاق حول الانتقال الديموقراطي . الطريق صعب وطويل وملئ بالأشواك والمشكلات. ولذا يتعين ان يستمر الضغط الشعبي " .
  أما عن " الإخوان" فقد استبعد طموحهم في السلطة الآن . وقال موضحا :" أظن انهم باتوا يدركون تنوع الشعب المصري الديني والفكري . ولا أتخيل ان يسعوا لفرض نموذج معين عليه . بل أنني أعتقد بأن النموذج الذي يتعين على الإخوان في مصر اتباعه هو النموذج التركي المنفتح على الديموقراطية ". و سألته : هل التقي بشخصيات من الإخوان ؟. فأجاب بالنفي ، قائلا :" لست مغرما بالسياسيين .. أنا مهتم أكثر بالناس العاديين في الشارع ". ولكن ماذا عن " طارق رمضان " المفكر الإسلامي المقيم في أوروبا وحفيد المرشد الأول للجماعة "حسن البنا " .هنا قال :" قابلته منذ نحو أربع سنوات .. ولديه أفكارا معقوله ".
  الأديب الأسباني العالمي يبدي تفاؤلا بمستقبل الديموقراطية والتقدم في العالم العربي . ويقول : " موجة الثورات لن تتوفف . لكن كل بلد له أوضاعه المختلفة ". وضرب مثلا باليمن حيث القبائل والسلاح على نطاق واسع .
 أما عن تأثير ما يجرى في العالم العربي  على إسرائيل فيقول :" العالم العربي يتغير اما السياسة الإسرائيلية فهي جامدة ومحلك سر ". ويضيف :" كان يقال على سبيل الخطأ ان اسرائيل هي البلد الديموقراطي الوحيد في هذه المنطقة. فأين هي ديموقراطيتها من الفلسطينيين؟ .. أما الآن فيصعب ترديد  هذه المزاعم مرة أخرى". و لما كان " جويتيسولو " نصير معروف للقضية الفلسطينية و مدافعا عن حقوق الفلسطينين بما في ذلك الكفاح المسلح المشروع ، لذا فإنه يقول :" ذهبت الى فلسطين مرارا .. وتألمت من استمرار الإحتلال الإسرائيلي . و لا حظت في زيارتي لقطاع غزة بعد اتفاقات أوسلو حجم الفساد في السلطة الفلسطينية . العشوائيات الفقيرة هناك في مواجهة قصور أصدقاء عرفات ". وعن توقعاته للسياسة المصرية تجاه فلسطين بعد الثورة قال :" المطلوب فتح الحدود مع غزة . ولطالما رأيت نظام مبارك متواطئا مع إسرائيل في هذا الحصار الجريمة " . وأضاف :" الدور المصري مطلوب أيضا في ادانة الإحتلال والقمع  الاسرائيليين وفي دعم الشرعية الدولية ".
و تحدث " " جويتيسولو " عن أنه لم يكن ليقبل جائزة عربية سوى تلك التي تسلمها الشهر الماضي في رام الله ( جائزة الشاعر محمود درويش) . وأكد:" افتخر بهذه الجائزة "، فيما تحدث عن اعتذاره عن قبول جائزة " القذافي " في عام 2009 و عن زيارة السعودية .قال عن الأخيرة إنها البلد الذي يحظر اعمال " إبن رشد" و" إبن عربي " وتراثا انسانيا بأهمية " ألف ليلة وليلة " . وأضاف :" كيف أذهب لأتحدث عن ثقافة هناك بعد كل ذلك". وهنا تطرق الى ما لمسه من حداثة مبكرة في معبد "أبو سنبل " جنوبي أسوان. وقال انه  وجد فيها مايشبه حداثة أعمال "بيكاسو " الفنان التشكيلي العالمي ( أسباني الأصل ) بعد أكثر من ثلاثة آلاف سنة.
وعندما سئل عن مكان لـ " اليوتوبيا " في هذا العالم ، أجاب بثقة مبتسما :" اليوتوبيا الخاصة بي وجدتها فيما حدث في ميدان التحرير عندكم . تعلمنا انه يجب ان نطلب المستحيل كي يصبح ممكنا، ويجب ان يكون سقف مطالبنا أعلى وأعلى ". وأضاف :" في الميدان تجاور المسلمون والمسيحيون .. المحجبات وغير المحجبات ..وهكذا رأيت مصر كلها في حالة إخاء وإتحاد وتفاهم ".
و حين سئل عن رسالة يوجهها  الى المصريين،  قال بتواضع :" ليس لدي رسالة .. فقط اود لو اضع خبرتي في خدمة الناس .. والكاتب الحقيقي مجرد وجهة نظر . وعليه ان يطرح الأسئلة ويدفع الناس للتفكير .. لا ان يقدم لهم اجابات جاهزة".
الأهرام 14 إبريل 2011
 
التعليقات
press-day.png