رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. حازم حسني يكتب عن كتاب صادر عام 1993 عن تيران وصنافير: مالم ينطق به البهاليل

يعتقد البهاليل الذين أسكرتهم نشوة الانتصار الزائف على جبهة مجلس النواب أن ملف الجزيرتين قد أُغلِق، وأن كل من يتمسك بعد هذه الموقعة المخزية بأن تيران وصناقير مصريتان هو من "أهل الشر" كما تكرم علينا السيد رئيس تحرير الأهرام صباح اليوم ! ... الحقيقة التى لا يدركها البهاليل هى أن هذا التصويت الفاضح لم يغلق ملف الجزيرتين، لكنه فقط فتح ملفاً آخر هو ملف تعرية النظام وبدء العد التنازلى لرحيله غير مأسوف عليه !
حديثى القادم ليس موجهاً للبهاليل، فهم بالنسبة لى مرضى لا شفاء لهم، وموقفهم من مصرية الجزيرتين هو والعدم سواء بسواء ... حديثى القادم موجه فقط للتائهين الذين أربكتهم أساليب النظام، ولأولئك السذج الذين يعتقدون أن من أرتدى يوماً البدلة العسكرية لا يمكنه أبداً أن يخون .. فالخيانة إثم يرتكبه الإنسان فى اللحظة التى يتعرى فيها من مرجعياته الأخلاقية فلا تعود تستره ملابس عسكرية ولا مدنية !
أخذت أبحث فى مكتبتى عن كتاب تاه فى أحشائها كان قد صدر عن مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة منذ نحو ربع قرن - وتحديداً سنة 1993 - عنوانه "حدود مصر الدولية" ... الكتاب يضم مجموعة أبحاث بأقلام خبراء من ألوان طيف متعددة .. أساتذة فى القانون الدولى، والعلاقات الدولية، وترسيم الحدود، واللواء متقاعد أحمد عبد الحليم نائب مدير مركز الدراسات الاستراتيجية بالقوات المسلحة سابقاً، واللواء متقاعد محمد عبد الفتاح محسن مدير هيئة المساحة العسكرية سابقاً، ثم صاحبا الفصل السابع من الكتاب - وهو ما يعنينا الآن - وهما الدكتور صلاح الدين عامر (أستاذ القانون الدولى العام بكلية الحقوق جامعة القاهرة)، والدكتور إبراهيم سلامة الذى كان يعمل وقتها مستشاراً بوزارة الخارجية المصرية
أرجو التنبه لتاريخ تحرير الكتاب وإصداره وهو 1993، فهو لاحق لتاريخ إصدار القرار الجمهورى رقم 27 لسنة 1990، الصادر فى يناير 1990 بشأن تحديد نقاط الأساس، الذى قال السيد وزير خارجيتنا الهمام أمام مجلس النواب أنه حسم قضية ملكية المملكة العربية السعودية لتيران وصنافير اللتين لم يتضمن القرار المذكور - على حد زعم الوزير - أى نقاط أساس لهما !!
يقول الدكتور صلاح الدين عامر عن خطوط الأساس إنها الخطوط التى يبدأ منها قياس البحر الإقليمى للدولة .. هى إذن خطوط يبدأ منها القياس لا خطوط ينتهى عندها هذا القياس ! ... ثم يقول الدكتور صلاح الدين عامر إن البحار الإقليمية للدول ، التى تبدأ قياساتها من خطوط الأساس، تعتبر أجزاءً من إقليم الدولة، وتخضع لسيادتها ! .. ويقول إن المادة 15 من اتفاقية الأمم المتجدة لقانون البحار لعام 1982، التى تقابل المادة 12 من اتفاقية جنيف لعام 1958 التى لم توقع عليها مصر وقتها اعتراضاً على بند فيها كان يسمح لإسرائيل بالمرور بالمضايق مروراً "بريئاً"، قد وضعت الحكم لمواجهة الحالة التى تكون فيها سواحل دولتين متقابلة أو متلاصقة على نحو لا يمكن معه لإحداهما أو لكلتيهما استيفاء امتداد البحر الإقليمى، طبقاً للحد الذى قررته الاتفاقية ، وهو اثنا عشر ميلاً بحرياً، فجعلت الأمر متروكاً لاتفاق الطرفين ، وفى حالة عدم وجود الاتفاق جعل خط الوسط أساساً للتحديد، ما لم يحل دون تطبيق ذلك المعيار سند تاريخى للادعاء بحقوق على المياه فيما يجاوز خط الوسط
هذا تحديداً هو ما لجأ إليه جمال عبد الناصر خلال أزمة إغلاق المضايق سنة 1967 إذ اعتبر تيران ضمن المياه الإقليمية المصرية لأنها تبعد عن الشاطئ المصرى بأقل من 12 ميلاً بحرياً، وأن سيادة مصر عليها مستقرة بشواهد تاريخية أهدرها النظام القائم فى مصر الذى يعمد للتفريط فى الجزيرتين بدم بارد فى بادرة لا سابقة تاريخية لها !!
الدكتور إبراهيم سلامة يتناول بدوره حالة مضيق تيران وخليج العقبة على وجه التحديد، إذ يقول إن المادة السابعة من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار قد تناولت حالات وضوابط استخدام خطوط الأساس المستقيمة فى تحديد البحر الإقليمى، ومنها وجوب ألا ينحرف رسم خطوط الأساس المستقيمة أى انحراف ذى شأن عن الاتجاه العام للساحل، ويتعين أن تكون المساحات البحرية التى تقع داخل نطاق الخطوط "مرتبطة بالإقليم البرى" ارتباطاً وثيقاً كافياً لكى تخضع لنظام المياه الداخلية
من الشروط الهامة التى وضعتها المادة السابعة من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار سنة 1982 أنه لا يجوز لدولة أن تطبق نظام خطوط الأساس المستقيمة على نحو يفصل البحر الإقليمى لدولة أخرى عن أعالى البحار ... هذا تحديداً ما كان يمنع تعرج خطوط الأساس لتضم جزيرتى تيران وصنافير، فمثل هذا الإجراء لا تسمح به الاتفاقية وإلا لفصلت مصر المياه الإقليمية لإسرائيل والأردن والمملكة العربية السعودية فى خليج العقبة عن أعالى البحار، فهل يعنى عدم تضمين الجزيرتين داخل خطوط الأساس بموجب هذا تفريطاً فيهما أو إقراراً بسيادة الغير عليهما؟
هنا يتعرض الدكتور إبراهيم سلامة - مستشار وزارة الخارحية المصرية وقت صدور الكتاب - للقرار الجمهورى الخاص بتعيين خطوط الأساس، ولإيداعه هيئة الأمم، دون أن يرى فى هذا الإجراء أى تنازل عن السيادة المصرية على الجزيرتين، بل ويؤكد بموجب نص المادة 34 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أن نظام المرور خلال المضائق المقرر بالاتفاقية لا يمس النظام القانونى للمياه التى تتشكل منها هذه المضائق، ولا ممارسة الدول المشاطئة للمضائق لسيادتها أو ولايتها على هذه المياه وحيزها الجوى وقاعها وباطن الأرض ... كما يقول إن الاتفاقية الدولية لا تهدر الاتفاقيات الدولية الخاصة، إذ تسرى هذه الاتفاقيات ما دامت "قائمة ونافذة منذ زمن طويل ومتصلة على وجه التحديد بمثل هذه المضائق"
أهم ما ذكره الدكتور إبراهيم سلامة فى هذا الجزء من الكتاب هو نص الإعلان الذى أرفقته الحكومة المصرية بتصديقها على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهذا نصه:ـ
"إن جمهورية مصر العربية إذ تصدق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والمعبر عنها فيما بعد بالاتفاقية، وإعمالاً لحكم المادة 310 منها
تعلن
أن ما ورد فى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية المبرمة عام 1979 من نص خاص بالمرور فى مضيق تيران وخليج العقبة يسير فى إطار التنظيم العام للمضائق كما ورد بالجزء الثالث من الاتفاقية بما يتضمنه هذا التنظيم من عدم المساس بالنظام القانونى لمياه المضيق، ومن واجبات تكفل سلامة وحسن نظام دولة المضيق".ـ
الإعلان - كما نرى - يتحدث باسم "دولة المضيق" لا باسم دولتىّ أو دول المضيق، ولا بأنه مضيق لا صاحب له ! ... وأرجو أن يكون فى هذا البوست - الذى ربما طال بما قد يرهق قارئه - ما يستفيق به الغافل، وأن يعرف الجميع حجم التدليس على العقل المصرى بأكذوبة قرار 1990 الذى لم يعمل السيسى إلا على الالتزام به ! ... الحقيقة هى أن شغل الحواة لن يجعل من أصحابه حكماءً ولا وطنيين، وإنما هو يعريهم ويعرى أغراضهم الدنيئة، فهم فى أسوأ الأحوال قد خانوا الوطن وحنثوا بالقسم، وفى أفضل الأحوال مجرد هواة يديرون دولة أكبر بكثير من قدراتهم العقلية، وهى فى النهاية ستنتصر على خيانتهم إن كانوا قد خانوا، وعلى ضمورهم العقلى إن كانوا بلا عقل يصلح لإدارة أقدم دولة عرفها التاريخ الإنسانى ولن تكون برحمة الله أول دولة تغادره .. فى كل الأحوال، وبإذن الله، ستبقى #تيران_وصنافير_مصرية
 
التعليقات
press-day.png