رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

«هُنا جامع عمرو».. الإمام يتجنب الدعاء لأولي الأمر والفراغ والتقليد يحكمان التراويح بعد جبريل

هنا جامع عمرو - ليلة 27 رمضان
هنا جامع عمرو - ليلة 27 رمضان

 

انتصف ليل القاهرة، وشد المسعف الشاب وثاقه على ذراعي، ليثقب برفق المحترفين وريدي ثم استرخى بجواري على مقعد طبي خالٍ يشكو قلة المتبرعين بالدم في ليلة 27 من رمضان عند جامع عمرو بن العاص في ضاحية "مصر القديمة" جنوب القاهرة.

يقارن الرجل الذي يعمل في الأطقم الميدانية لـ"بنك الدم القومي" بين صلاة التراويح هذا العام التي شهدت انخفاضًا حادًا في أعداد المصلين، وبالتالي المتبرعين، وبين العمل "أيام الشيخ محمد جبريل".

يشرح وهو ينظر لكيس الدم الذي يتدلى من ذراعي: نحن الجهة الوحيدة تقريبًا التي أرسلت أطقم هذا العام، حيث أحضرنا 6 سيارات.

"لا يا حبيبتي.. إنتي لسه صغيرة" يرد المسعف على صبية وأختها سألتاه إن كان باستطاعتهما التبرع بالدم بعد موافقة أمهما، لكنه لم يتأفف وهو يتلقى دعابات أطفال أخر يتحلقون حوله وهم يشاهدون الدماء تخرج من الأذرع لتستقر في الأكياس، في مشهد بدا لبعضهم غرائبيًا.

يكمل وهو ينهي تحديد إقامتي في مقاعد المتبرعين: كانت عدة جهات تابعة لوزارة الصحة ترسل نحو 20 طاقمًا طبيًا ميدانيًا للعمل في جامع عمرو في ليلة 27 رمضان بين من يعملون داخل سيارات الإسعاف، أو من يعملون في فِرق داخل المسجد بمنطقتي الرجال والنساء باستخدام الأسِرَّة الطبية المحمولة.

بنبرة لا تخلو من أسى يقر: كانت الحصيلة ضخمة؛ حيث كنا نجمع أكثر من 400 كيس في مركزنا فقط، لكننا لم نجمع حتى الآن سوى 80 كيسًا تقريبًا.

في الطريق شبه الخالي إلى جامع عمرو تستطيع أن تلحظ عشرات من "الحُصر" التي تستخدم للصلاة في الشارع وهي متكوِّمة لا تجد من يستخدمها، كما أن الصفوف التي كانت تتلاصق إلى حد الزحام والاحتكاك أصبحت قفرًا غير مأهول، لا يحرص فيها أحد على البنيان المرصوص.

عبر صفحته الشخصية على موقع "فيسبوك" دعا "جبريل" قبل عام كامل المصلين إلى الذهاب إلى جامع عمرو بكلمات مؤثرة، قائلًا: "من كان يذهب لله فليذهب" لكن يبدو أن كثيرين كانوا يذهبون فقط لسماع جبريل، فمئات الآلاف من المصلين تناقصوا إلى عدة آلاف فقط.

عندما بدأت صلاة العشاء قرأ الإمام سورة النبأ التي تقع على رأس الجزء الثلاثين من المصحف الشريف، وهو آخر ما قرأ به جبريل قبل عامين، عندما أم الصلاة في جامع عمرو بن العاص، برغم أن الختام يكون بعد ليلة 27 رمضان.

وفي صلاة التراويح قرأ الإمام في الركعة الأولى سورة النازعات وبدا الصوت محايدًا في الآيات الأخيرة التي تتناول "الطامة الكبرى" والجحيم لمن يطغى، وتعجل الإمام وهو يقرأ "يسألونك عن الساعة أيان مرساها".

وبصوت بدا فرحًا ومتهدجًا -دون سبب- قرأ في الركعة الثانية سورة "عبس".

في الركعة الثانية قرأ سورة التكوير، لكنه عندما وصل إلى الآية قبل الأخيرة "لمن شاء منكم أن يستقيم"، قرأ القاف كاف، فبدا نطقها غريبًا على الأسماع، وخُيل إلينا أنه أخطأ في مخرج الكلمة، لكن معاذ عبدالجواد المتخصص في القراءات قال عندما استوضحته بعد أن قضيت الصلاة، إن نطق القاف كاف في بعض المواضع معروف وصحيح؛ لأنه مأخوذ من رواية "ورش عن نافع" أحد القراءات المعروفة للقرآن الكريم.
 

أكمل الإمام بسورة الانفطار التي قرأها بوتيرة واحدة دون تنويع اعتاده المصلون في هذه السورة.

علا صوت الباعة خارج المسجد وهم يتجادلون مع الزبائن في محيط المسجد الكبير، ولم يلحظوا أن الإمام بدأ الركعة الثالثة بسورة المطففين التي تتوعد الباعة الغشاشين والذين يبخسون الناس أشياءهم بـ"ويل" وهو واد في جهنم وفقًا لتفسير الإمام القرطبي.

أكمل الإمام بسورة الانشقاق التي تضم سجدة تلاوة، قبل نهايتها كان قد نبه إليها خلال مكبرات الصوت قبل الركعة الثالثة.

في الركعة الرابعة قرأ الإمام سورتي البروج، ثم الطارق التي اعتاد جبريل أن يطيل المد عند قوله تعالى: "إن بطش ربك لشديد"، لكن الآية الكريمة بدا أنها غادرت سريعًا مع رفيقاتها عن "فرعون وثمود" في عجلة من أمرها ربما لتلحق موعد السحور.

بدأت استراحة بعد الركعات الأربع والملاحظ على القارئ أنه كان متعجلًا وربما مضطربًا - ربما بفعل عدم السيطرة والتنظيم الجيد داخل المسجد - حيث صدر تحذير بصورة لافتة في الإذاعة الداخلية موجه للأطفال الذين يثيرون الضوضاء داخل المسجد.

تحدث أحد المشايخ خلال الاستراحة، لكن الملاحظ أنها بدت فقرة إعلانية لدرجة أن المتحدث نوه عن أحدهم باعتباره مقدم برنامج كذا على أحد القنوات الفضائية، وقال عن آخر إنه "شيخ أئمة التراويح في جامع عمرو"، ثم أضاف إن هؤلاء مشايخنا نتعلم منهم قيمة العلم وقيمة رمضان، مما أوحى أن هناك محاولة للاستعراض وملء الفراغ الذي خلا برحيل جبريل من المسجد العتيق.

في الركعات التالية بدا بوضوح أن القارئ يحاول جاهدًا أن يتلمس خطى الشيخ محمد جبريل في طريقة القراءة والصعود والتنقل بين طبقات الصوت، ولو قارنا بين تسجيلات جبريل وقراءة الأمس في جامع عمرو لوجدنا تقليدًا واضحًا في تتبع مسارات القراءة.

في الركعة الخامسة قرأ سورة الأعلى، وعندما أكمل بسورة الغاشية بدأت رياح خفيفة تهب خارج المسجد تتجاوز نسمات الصيف التي تتفلت من الطقس الحار في هذا الوقت من السنة، وعندما وصل القارئ لقوله تعالى: "إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر"، أزاح الهواء عددًا من سجاجيد الصلاة مثيرًا ترابًا بسيطًا، قبل أن يهدأ مخلفًا هواء لطيفًا، عبث كيف شاء بأوراق الشجر الممتد على جانبي الطريق إلى جامع عمرو.

اعتاد الشيخ محمد جبريل في سور جزء "عم" أن يمد في بعض الآيات دون أن توجد في الرسم العثماني للمصحف، لإشباع المعنى، وهو ما يضفي شخصية مميزة على صوت جبريل.

في الركعة السادسة قرأ الإمام سورة البلد بعد سورة الفجر التي تضم قوله تعالى: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (*)  الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (*) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (*) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (*) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ[ وهي نموذج للآيات التي لا تضم علامات المد لكن جبريل كان يطيل فيها بصورة لافتة.

سور الشمس والليل والضحى والشرح والتين عانقت جميعها الركعة السابعة، وفي الثامنة بدأ بسورة العلق المعروفة بسورة "اقرأ"؛ لأنها أول سورة نزلت في القرآن الكريم على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ثم عرج على سورة القدر التي تتحدث عن ليلة القدر، ثم سورة البينة.

أخطأ الإمام في ترتيب السور إذ تجاوز خمس سور مرة واحدة، وبدأ يقرأ "ويل لكل همزة لمزة" من أول سورة الهمزة، قبل أن يتنبه بسرعة ويقف عند أول آية، ويعود ليقرأ سورة الزلزلة حتى سورة الماعون. ومن الكوثر حتى نهاية المصحف بسورة الناس كان نصيب ركعات الشفع والوتر.

الدعاء الختامي الذي اعتاد جبريل أن يجعله نشرة لأحوال الناس، كان هذا العام نشرة لأهوال الآخرة فقط، ونسي الإمام نصيبنا من الدنيا، والدعاء الذي كان يتسم بالتنوع اتسم هذا العام بالتكرار لبعض الأدعية.

شعرت مثل آخرين أن الإمام يتجنب أدعية معينة، وبدا أنه وعى الدرس الذي أطاح بالشيخ محمد جبريل الذي أثار أحد المذيعين المعروفين بصلاته الأمنية لغطًا حادًا حوله، بعد دعاء ليلة القدر؛ في رمضان قبل الماضي بزعم أنه استهدف بدعائه أشخاصًا في النظام؛ عندما ناجى ربه أن يُهلك الظالمين، وكان أن وجد من يسمع له ويمنع جبريل من الصلاة في جامع عمرو أول مسجد للإسلام في بر مصر المحروسة.

لم يجد الإمام سوى تمجيد الذات الإلهية والحمد والثناء وطلب المغفرة ليظل يلف ويدور حولها خلال ساعة والجملة الوحيدة التي تثير الشكوك كانت عندما قال "اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء وسوء القضاء" وبالطبع لا يقصد بالقضاء صاحب الرونق، وإنما ما قضى الله به على عباده.

كان تركيز الإمام في الآخرة فقط غير مألوف لرواد جامع عمرو الذين اعتادوا منذ عقود أن يطوفوا بتفاصيل حياتهم في دعاء ليلة 27 رمضان، لا أن يجدوا دعاءً منزوع الدسم.

لم يدع الإمام لأولي الأمر، وتجنب أي ذكر لهم فيما سمعته وكأنه يغلق "الباب إللي يجيلك منه الريح " بالتعبير الشعبي، وذكر مصر مرتين؛ حيث قال في الأولى "اللهم أتم على مصر نعمة الأمن والأمان" ثم يبدو أنه تذكر أن إتمام النعمة يستلزم وجودها أصلاً فكرر "اللهم ارزق مصر الأمن والأمان".

وعندما فتح الله على الإمام بالتلامس مع واقع الناس قال "اللهم جنبنا المخدرات والسحر والشعوذة"، ثم تجرأ وسأل الله أن يصلح "مناهج التعليم ووسائل الإعلام في بلاد الإسلام"، على اعتبار أننا مهمومون بمناهج التعليم في إندونيسيا، وبأداء وسائل الإعلام في جزر القمر.

انقطع صوت مكبرات الصوت خلال الدعاء وظل المصلون خارج المسجد معلقين لا يعرفون ماذا يفعلون، فمنهم من جلس فيما أنهى آخرون صلاتهم، بينما ظل البعض متشبثًا بأمل "عودة الإمام"، وبعد دقائق عاد الصوت، ثم انقطع، ثم عاد، وبعد ختام الدعاء والصلاة ذكر المتحدث أسماء القائمين على الصوت والضوء فردًا فردًا، ووجه لهم ولآخرين جبالًا من الشكر لكل العاملين على طريقة المعلق الرياضي الأشهر الكابتن محمد لطيف.

لم يشأ المسعف الثلاثيني أن يتناقش علنا في سبب منع القارئ الأشهر في بر مصر من إمامة الصلاة في المسجد، كما اعتاد منذ أكثر من ربع قرن، لكنه قال "عايزين دم يا بيه.. ده أكل عيشنا" ثم نظر بترقب نحو الطبيب المشرف الذي كان مشغولًا بالحديث مع سيدة تريد التبرع، لكن ارتفاع ضغطها يمنع ذلك طبيًا.

منحني الرجل "علبة عصير"، لكن عندما سـألته: "تفتكر الشيخ جبريل ما جاش السنة دي ليه".. رد بسرعة "مابتكلمش في السياسة يا بيه" وانصرف بكيس من دمي ليضعه في الثلاجة.

 

التعليقات
press-day.png