رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

أحمد النجار يكتب: ما بعد «داعش».. عراق موحد أم انبعاث «دواعش جديدة»؟

 
في يناير الماضي تلقيت دعوة لحضور ندوة في بغداد بعنوان "العراق ما بعد داعش"، ولأن الاستدمار الأمريكي أسس منذ غزوه الإجرامي للعراق واحتلاله لبنية سياسية مقسمة على أساس عرقي وطائفي ومذهبي مقيت، فإنني ترددت في البداية، لكن المكانة الاستثنائية للعراق وشعبه العظيم عندي جعلتني أشارك لأقول كلمتي حتى ولو كانت في سياق مختلف عما توقعت أن أسمعه في الندوة التي كان عنوانها يُشي بحالة احتفالية باندحار "داعش" في حين أن الحاجة كانت وما زالت أكثر للتحليل والتخطيط للمستقبل بجدية وصرامة وبمنطق وطني وليس طائفي أو مذهبي أو عرقي. ورغم أن ما قلته كان صادما للبعض، فإن الهزيمة الوشيكة لداعش في الموصل عروس الشمال العراقي ومهد الحضارة الآشورية التي دان لها العالم القديم بأسره في أوج قوتها، تستدعي إعادة طرح الرأي حول عراق ما بعد داعش.
 
والبداية بسؤال عكسي هو: لماذا ظهرت "داعش" وتمددت بسرعة مذهلة في المنطقة السنية بدون أي مقاومة شعبية؟
 
وباختصار يمكن القول أن داعش ظهرت وتمددت كرد فعل على عدد من الكوارث التي ابتلي بها العراق بعد الغزو والاحتلال الاستدماري الإجرامي الأمريكي للعراق. ويمكن تركيزها على النحو التالي:-
 
1- تدمير سلطة الاحتلال الأمريكية المجرمة لأجهزة الدولة العراقية وعلى رأسها الجيش الوطني واستباحة حياة وممتلكات قياداتها وحتى أعضائها ومعهم النخبة العلمية العاملة في البحث والتطوير العلميين من قبل المخابرات الإسرائيلية والإيرانية والميليشيات الكردية والميليشيات الشيعية وبخاصة المرتبطة بإيران وفي مقدمتها تلك الخاصة بحزب الدعوة. وفي ظل ذلك المناخ لم يعد أمام قيادات تلك الأجهزة والنخبة العلمية من المستهدفين بالقتل سوى الهرب والعمل بشكل سري ضد الاحتلال والسلطة العميلة التي جاء بها. وإذا كان الخطاب الأيديولوجي القومي قد سقط شعبيا في العراق مع سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، فإن خطاب التعبئة الممكن صار الخطاب الديني وهو ما بشر به صدام حسين نفسه في آخر ظهور له لدى احتلال بغداد حيث كان البعد الديني غالبا على خطابه الأخير. وبالتالي توفرت القوة البشرية عالية الكفاءة علميا وعسكريا لأي تيار ديني متشدد.
 
2- أما لماذا ظهر ذلك التيار الديني المتشدد والإرهابي وتمدد في المنطقة السنية فإن ذلك مرتبط بالقهر والاضطهاد والتمييز العنصري ضد السنة بعد الاحتلال الإجرامي الأمريكي للعراق، حيث سُمح للأحزاب الدينية الشيعية وللأكراد بتكوين ميليشيات مسلحة حتى الأسنان، وغالبيتها عاثت فسادا في العراق وقامت باعتداءات جسيمة على حياة وممتلكات أعضاء حزب البعث والأجهزة السيادية للدولة زمن صدام حسين سواء كانوا من السنة أو الشيعة، واستهدفت المنطقة السنية بشكل جمعي، حيث اعتبرتها الأحزاب والميليشيات الشيعية والكردية مسئولة عن الاعتداءات الجسيمة على الحريات في ظل النظام الديكتاتوري في عهد الرئيس العراقي صدام حسين وعما اعتبروه اضطهادا لهم، رغم أن قمع الحريات لم يكن من منطقة أو أبناء مذهب ضد منطقة أخرى أو أبناء مذهب آخر، بل كان موجها لمن هم ضد نظام الرئيس العراقي صدام حسين سواء كانوا من السنة أو الأكراد أو الشيعة.
 
وكان من الطبيعي والحال هكذا أن يتحول المجتمع في المنطقة السنية إلى مجتمع متسامح مع أي قوة معادية للنظام العنصري الذي أسسته سلطة الاحتلال الإجرامي الأمريكي للعراق. ومن سخريات القدر أن ذلك الغزو والاحتلال الإجرامي للعراق قد كلف الولايات المتحدة نفقات هائلة، وفي النهاية وقع العراق كليا كثمرة هائلة في حجر إيران والميليشيات المرتبطة بها نتيجة "الذكاء" الخارق للإدارة الأمريكية الغبية!
 
3- انتشار الفساد بصورة مروعة برعاية سلطات الاحتلال الأمريكية وهي نفسها شريكة رئيسية في الفساد. وقد انتشرت ظاهرة إجرامية هي قيام الميليشيات الشيعية بسرقة النفط العراقي المملوك للشعب وتحقيق ثراء غير عادي عبر السرقة والفساد. كما قامت الميليشيات الكردية باعتبارها سلطة مستقلة عمليا بالإقليم الكردي بالاستيلاء على النفط في المنطقة الكردية وحتى خارجها في حقول النفط في الموصل وكركوك التي تسيطر قوات كردية على غالبيتها وتبيع إنتاجها لمصلحتها رغم أنف السلطة "المركزية" في بغداد.
 
وبالتالي تدهورت الأحوال المعيشية للمنطقة السنية بشكل مروع مقارنة بباقي مناطق العراق وتصاعد الاحتقان الطبقي الذي تم تشويهه كليا ليتطابق مع المجموعات المذهبية والعرقية بحيث صار التركيز الأساسي لفقراء العراق والمضطهدين في المنطقة السنيةن ووفقا للبيانات الرسمية بلغت نسبة السكان تحت خط الفقر نحو 18,9% من إجمالي عدد السكان، والكتلة الأكبر منهم في المنطقة السنية المهدمة والتي تم تبديد ثرواتها في أتون الدمار الرهيب الذي ضربها خلال الحرب بين الدولة وتنظيم "داعش" الإرهابي. وترتيبا على ذلك لم تعد تلك المنطقة على الصعيد الاجتماعي معنية بمواجهة أي طرف معادي للدولة حتى ولو كان المتطرفين دينيا والإرهابيين.
 
4- حاول النظام السياسي العراقي إعادة إنتاج نموذج الحرس الثوري الإيراني عبر ما يسمى بـ"الحشد الشعبي" في بيئة مغايرة تماما لإيران حيث توجد كتلة سنية ضخمة وكتلة عرقية كردية كبيرة أيضا، وكلتاهما لن تسمح بتحوله إلى القوة العسكرية الرئيسية كما حدث في إيران مما خلق أزمة حقيقية ما زالت فصولها متواصلة حتى الآن. والحشد الشعبي هو قوة مذهبية شيعية بالأساس وترتبط بالتمويل والتدريب بإيران وبالحرس الثوري. كما أن دخولها برفقة الجيش في المناطق السنية في الفلوجة والرمادي وتكريت وديالى قد خلف انتهاكات مروعة جعلت المنطقة السنية محتقنة ضدها وضد النظام وغير معنية بمواجهة المتطرفين والإرهابيين عندما اجتاحوا مناطقها. ورغم أن الإرهابيين قد سودوا حياة الكتلة السنية الكبيرة بـ"نظام" يجسد الفاشية الدينية في أحط صورها، إلا أنهم كانوا يعيشون قبله في سواد الاضطهاد وتحت وطأة تحميل النظام والكتل المذهبية والعرقية لهم بكل ميراث القمع التاريخي في العراق!!
 
وفي معركة استعادة الموصل من "داعش" تم الإعلان عن إدماج "الحشد" في الجيش وهي كارثة أخرى لأنه لم يُدمج كأفراد يتم تذويبهم في الجيش الوطني، بل ككتلة طائفية ومذهبية، بما يعني تحميل المال العام بتكلفة هذه القوة الطائفية-المذهبية التي تدمر قواعد المواطنة والمساواة.
 
5- ساهمت الدول الراعية الرئيسية للإرهاب في العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة في دعم المجموعات المتطرفة والإرهابية في العراق وبالأساس "داعش" لعقاب النظام العراقي الذي أوصله الغزو الاستدماري الأمريكي للعراق إلى السلطة، لكنه ارتمى كليا في أحضان إيران. كما ساهمت القوى الإقليمية الراعية للإرهاب في دعم وتمويل وتعملق "داعش" وتحديدا مملكة عائلة سعود الوهابية وقطر ودول الخليج عموما باستثناء عمان والذين اتهمهم العراق في بداية تمدد داعش بأنهم وراء تمويل وتسليح تلك الجماعة الإرهابية. وكان النظام العراقي ما بعد احتلال العراق والذي ارتبط بعلاقات بالغة العمق والقوة مع إيران قد أثار حفيظة دول الخليج وبالذات مملكة عائلة سعود، وجسد النتائج المرة لغبائهم المطلق عندما دعموا الغزو والاحتلال الاستدماري الأمريكي الجاهل للعراق ليسقطه كثمرة هائلة في حجر إيران!.
 
وتتجه الولايات المتحدة تدريجيا إلى فقدان السيطرة على النظام في العراق. لكن ذلك النظام وبالذات في عهد رئيس الوزراء العراقي الحالي حيدر العبادي استخدم أوراقه جيدا، وبعد النجاحات الكبرى التي حققتها المساندة الروسية للدولة السورية في مواجهة داعش والنصرة وباقي المجموعات الإرهابية، لوح بأن بلاده تبحث الاستعانة بالخبرة الروسية في مواجهة داعش، وكان ذلك كفيلا بأن تتخلى الولايات المتحدة عن دعم "داعش" رغم أنها أسقطت لإرهابييها الأسلحة والإمدادات مرات عديدة تحت دعوى أن ذلك تم بالخطأ!! وبدأت الولايات المتحدة تساند حملة الدولة العراقية ضد داعش بجدية من جهة، وتتجه للعربدة المباشرة بمحاولة فرض سطوتها وإرادتها بنفسها على العراق وباحتلال جزء من الأراضي السورية بالتعاون مع بعض المجموعات الكردية من جهة أخرى.
 
وإذا كانت تلك هي عوامل صعود "داعش" وتمددها الكبير في المنطقة السنية، فإن العراق ما بعد داعش إذا لم يعالج هذه العوامل فإن ألف داعش جديدة ستولد من رحم الظلم والتمييز والقهر الذي تتعرض له الكتلة السنية الكبيرة في العراق.
 
ولدى الحكومة العراقية الراهنة فرصة استثنائية لإعادة لحمة الشعب والدولة في العراق وصناعة تاريخ جديد للعراق العظيم بما يتطلبه ذلك من كفاءة ومرونة وانفتاح عقلي وقدرة على إدارة التغيير. والطريق إلى ذلك يمر عبر الخطوات التالية:-
 
1- إقامة دولة المواطنة ومرجعيتها الدستور والقانون وليس رجال الدين الشيعة أو السنة حتى يشعر كل المواطنين بقيمة المساواة في الوطن بما يعزز انتمائهم الوطني ويصهرهم في كيان اجتماعي واحد يمنع وجود أي حاضنة اجتماعية لتجار الدين والعنف والإرهاب.
 
2- وحدة سلاح الدولة بمعنى أن يكون هناك جيش واحد وسلاح واحد لها وكل ما عداه يكون خارج على القانون، وهو ما يقتضي حل كل الميليشيات الطائفية والمذهبية والعرقية التي تنشر الرعب وتدمر وحدة البنية الاجتماعية العراقية، وتشكل تمييزا فظا ضد السنة الذين لا يملكون مثل تلك الميليشيات.
 
3- إعادة بناء وإعمار وتعويض سكان المنطقة السنية التي دُمرت بصورة مروعة خلال الحرب ضد "داعش"، فتلك كانت حربا بين الدولة وقوة معادية لها ولا ذنب لأبناء الإقليم الذي دارت الحرب فيه. وهذا البناء وإعادة الإعمار يشمل المباني والمرافق العامة من جهة، والتعويض المنصف والكامل عن الملكيات الخاصة المدمرة من بيوت وأجهزة كهربائية وثروات وسيارات ومصانع وشركات من جهة أخرى.
 
4- وضع نظام صارم لمكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين واسترداد أموال وثروات الشعب التي نهبوها وتقصي مصادر ثروات كل الميليشيات وقياداتها واسترداد المال العام المنهوب منهم ومحاكمتهم على ما نهبوه، فالنزاهة والعدل تؤسسان للاستقرار القائم على التراضي وليس القمع.
 
5- إعداد خطة تنمية شاملة من خلال الخبراء الوطنيين المعنيين بتنمية اقتصاد العراق العظيم وحل مشكلاته. ومن المتصور أن تعني تلك الخطة بالأساس بإعادة تأهيل البنية الأساسية الضرورية وضخ استثمارات كبيرة في مجالي الصحة والتعليم وبناء استثمارات حديثة في قطاعات الإنتاج في الصناعة التحويلية والبترولية وفي قطاع الزراعة والصناعات الزراعية، وتتجه إلى تلبية الاحتياجات الاجتماعية لتحسين ميزان المدفوعات ورفع معدلات الاكتفاء الذاتي، على أن تكون المنتجات ذات مواصفات عالمية تمكنها من دخول أسواق البلدان الأخرى في حالة وجود فائض للتصدير. ومن المتصور أيضا أن تعنى الخطة بخلق أكبر عدد ممكن من فرص العمل لمعالجة ظاهرة البطالة الكبيرة التي يعاني منها العراق والتي تشكل عاملا مساعدا على الاحتقان والتطرف والعنف. كما أن خلق فرص العمل يعني توظيف طاقة شباب العراق في العمل والإنتاج والبناء وتمكينهم من كسب عيشهم بكرامة والتحقق إنسانيا واجتماعيا بما يساعد على بناء الاستقرار القائم على التراضي وليس على القمع.
 
6- أن السياسات الاقتصادية "الكينزية" القائمة على إطلاق حرية القطاع الخاص للعمل في كل المجالات إلى جانب دور فاعل ورئيسي للدولة في الاقتصاد في مجالي الإنتاج والخدمات هي السياسات المناسبة للعراق في الوقت الراهن. فتلك السياسات هي الأكثر ملائمة لاقتصاد الحرب ولاقتصاد إعادة البناء والإعمار. والاقتصاد العراقي يعاني من حالة دمار مروع بالذات في المنطقة السنية ويشابه حالة اقتصادات أوروبا المهدمة بعد الحرب العالمية الثانية والتي تمكنت من إعادة البناء والإعمار بسياسات "كينزية". كما أن الاقتصاد العراقي يرتكز على ثروة طبيعية عامة هي احتياطيات النفط والغاز التي تشكل بالضرورة ملكية عامة وتصنع دورا كبيرا للدولة في الاقتصاد العراقي أيا كانت السياسات الاقتصادية التي يتبناها.
 
ويحتل العراق المرتبة الثالثة عالميا في احتياطيات النفط بعد المملكة السعودية وإيران. وتبلغ احتياطيات العراق من النفط نحو 143,1 مليار برميل تعادل 11,1% من إجمالي الاحتياطي العالمي من النفط. ويبلغ الإنتاج العراقي من النفط نحو 3,5 مليون برميل يوميا. كما تبلغ الاحتياطيات العراقية من الغاز الطبيعي نحو 3,7 تريليون متر مكعب. ويبلغ الإنتاج السنوي من الغاز نحو 9 مليارات متر مكعب وهو قابل للزيادة بشكل سريع لسد الاحتياجات المحلية من الغاز والكهرباء المولدة باستخدامه والصناعات المعتمدة عليه مثل الأسمدة.
 
ويستند الناتج المحلي الإجمالي للعراق إلى الثروة العراقية من النفط والغاز. وقد بلغت قيمة ذلك الناتج بالدولار وفقا لسعر الصرف السائد نحو 168 مليار دولار عام 2015 مما وضع العراق في المرتبة 54 بين دول العالم. وبلغت قيمة ذلك الناتج وفقا لتعادل القوى الشرائية بين الدولار والدينار العراقي نحو 542,5 مليار دولار في العام نفسه مما وضع العراق في المرتبة 34 بين دول العالم. ومع القضاء على "داعش"، ولو تم اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع ظهور دواعش جديدة فإنه في ظل أي استقرار حقيقي سيكون بمقدور العراق مضاعفة إنتاجه من النفط استنادا لاحتياطياته الضخمة والاحتياجات الكبيرة لشعبه من أجل التنمية الاقتصادية-الاجتماعية حتى ولو على حساب منتجين آخرين أقل سكانا واستمتعوا لعقود بعائدات تصدير حصة أكبر من النفط. وسيكون لدى الدولة العراقية قدرة حقيقية على تمويل ودفع التنمية الاقتصادية-الاجتماعية شرط اختيار السياسات الاقتصادية الأكثر ملائمة وعدلا وإدارتها بكفاءة ونزاهة.
 
وكل هذه المعالجات لابد أن تتم في مناخ من الحرية واحترام الكرامة الإنسانية وإحداث قطيعة نهائية مع الميراث التاريخي المقيت للاستبداد والاعتقال والتعذيب والإذلال الذي بلغ مداه وأحط مستوياته على يد سلطات الاحتلال الاستدماري الإجرامي الأمريكي للعراق في مأساة "أبو غريب" التي ستظل عارا يلطخ الامبراطورية الأمريكية مدى الدهر.
 
 
 
التعليقات
press-day.png