رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

السفير معصوم مرزوق يكتب: حديث الإخوة الأعداء!

معصم مرزوق
معصم مرزوق
عندما طرحت مبادرة قبل عشرة أيام من أجل توحيد الصفوف وخلق جبهة تعيد اللحمة إلى صفوف ثورة 25 يناير، كنت أتوقع أن يهاجمها صبيان النظام المنتشرين في أغلب وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، وكذلك المرتزقة بأجر في اللجان الإليكترونية علي شبكات التواصل الإجتماعي.. ولكنني لم أتوقع أن يأتي الهجوم من بعض أبناء جبهة 25 يناير المخاطبين بالمبادرة ، وهو ما يؤكد عمق الإختراق الذي أحدثته الدولة العميقة في بنيان المجتمع المصري حتي جعلته في حالة كراهية منتشرة تشبه الإندفاع إلي إنتحار جماعي.
لقد طرحت باختصار لغة للمصالحة كبديل للغة الإحتقان، ثقافة للحب كبديل لثقافة الكراهية في محاولة جادة لفرملة هوة الفتنة التي أخذت المجتمع المصري في جماعها.
لقد أدركت منذ فترة ، وخاصة في أعقاب الاعتداء علي جزيرتي تيران وصنافير، أننا نمر بمرحلة النكسة، وأنه أمامنا حرب إستنزاف شرسة قبل الوصول إلى مرحلة العبور والنصر .. ولذلك بادرت بنشر مبادرة تهدف إلى بناء جبهة مدنية ديمقراطية لإنقاذ الوطن، وقد تضمنت هذه المبادرة دعوة للتوقيع والمشاركة من أفراد وقادة الرأي ونشطاء التيار والمجتمع المدني والحركات الثورية والقوي الديمقراطية والليبرالية والأحزاب المدنية المصرية كي تتوحد في دعوة لإنقاذ مصر مما تتعرض له من مخاطر تنال من وحدة وسلامة أراضيها وحقوق وكرامة مواطنيها .
وقد أوضحت بجلاء أن الموقعين على هذه المبادرة يجب أن يعرفوا ويعترفوا بأن الجميع قد أرتكب أخطاءً أثارت حفيظة ومخاوف شركاء الوطن والثورة، مما أسهم في فتح ثغرات تسللت منها رياح الإستبداد والفرقة التي استغلتها الثورة المضادة في الإنقضاض على الثورة واختطاف الوطن باتجاه نفق مظلم.
ومن ناحية أخرى أكدت على إيمان الموقعين على المبادرة بأن لحظة الخطر الحالية تمثل تهديداً وجودياً بعد أن بان للجميع أن الصراع الحقيقي ليس بين مكونات الجماعة الوطنية ، بل أن الصراع بات موضوعه " الوطن " ذاته " بحدوده وأرضه وثرواته وكرامة مواطنية.
وعلى هذا الأساس وجهت الدعوة بالإصطفاف خلف مبادئ ثورة يناير ، نقبل ما تقبله، ونرفض ما ترفضه .. يجمعنا فيه كل ما توافقنا عليه في ساحات الثورة من أجل بناء دولة ديمقراطية مدنية حديثة ، بغير إحتكار من أحد، ولا إقصاء لأحد، وفي ظل شراكة وطنية واسعة، تنبذ العنف والكراهية، وتؤمن بالتسامح والقبول بالآخر ، وتسعى لعدالة إنتقالية وإطلاق حرية المعتقلين من كافة الإتجاهات ، وتحفظ حقوق الشهداء والدماء التي سالت منذ 25 يناير وحتى الآن.
وحرصت على أن تكون الدعوة موجهة إلي كل شركاء الوطن في الداخل والخارج ، بلا تمييز ولا تفرقة ، لأن الجالية المصرية في الخارج يناهز عددها الآن حوالي عشرة ملايين نسمة ، وأغلبهم يعيشون هموم الوطن بكل مشاعرهم ..
لم تكن الدعوة أو المبادرة موجهة لفصيل بعينه أو ضد فصيل بعينه ، وإنما هي نداء عام إلي كل المصريين أينما كانوا كي يهبوا لإنقاذ الوطن ، ولم أشترط سوي الإيمان بمبادئ ثورة 25 يناير التي حاول البعض أن يهيل عليها التراب، رغم أنها وردت في الدستور الذي أقسم الجميع علي إحترامه ، كما أنها لا تزال حتي اليوم هي أساس الشرعية الوحيد الذي يمكن الإستناد عليه ..
وأدهشني إتهام البعض لهذه الدعوة بأنها دعوة " للمصالحة " ، وكأن " المصالحة " قد أصبحت كلمة قبيحة مستهجنة ، أو كأن " الإحتقان والكراهية " هي سمة يجب أن يتحلي بها شعب مصر في هذا الزمن العجيب.. وقال بعضهم إنها تمثل دعوة مستترة لجماعة الإخوان المسلمين كي تعود إلى حكم مصر ، ورغم أن البيان واضح من عدم إشتماله على أي جماعة أو فصيل ، فقد وجدت بعض الصحف الصفراء أنها فرصتهم لتوجيه إتهام ليس فقط بدعوة الإخوان وإنما " بتشجيع " الإرهاب !! .. وذلك عبث وهراء لا يستحق مجرد الإلتفات إليه ..
وأدهشني كذلك من حاول الطعن على البيان من جهة أنه يدعو للقصاص لدماء الشهداء في إطار العدالة الإنتقالية ، وكأنه يتناسي عامداً متعمداً أن ذلك نصاً دستورياً آخر أقسم الجميع علي إحترامه ، أي اننا لم نبتدع نصوصاً أو مبادئ ، وإنما طالبنا بتنفيذ ذلك من خلال القوانين المكلمة للدستور ، تلك التي لم يهتم بها أحد حتي الآن ...
ومن الطريف أن الهجوم لم يأت من زاوية أعداء الأخوان وحدهم ، بل جاء أيضاً من زاوية الإخوان ، حيث هاجم بعضهم بقوة عدم إشتمال المبادرة على مبدأ إعادة الرئيس الأسبق مرسي إلى موقعه ، وكيف لم يتضمن الهجوم على " العسكر " والمطالبة بمحاكمتهم ..
وأتصور أن هؤلاء أيضاً لم يفهموا جوهر البيان والمبادرة ، فلا يمكن لعاقل أن يتصور عودة عجلة التاريخ مرة أخرى إلى أوضاع ما قبل 30 يونيو ، كما أنني لا أرضي – من حيث المبدأ – بأي هجوم علي جيش بلادي ، ذلك الجيش الذي حاربت ضمن صفوفه عندما عبرنا معاً قناة السويس كي نحرر أرضنا .. لقد قلت في عدة مناسبات ، وأكرر ، أن الجيش الذي انهزم في نكسة 67 ، هو نفسه الجيش الذي انتصر في عبور 73 ، بعد أن تخلص من قياداته الفاسدة ...
لذلك أؤكد مرة أخرى للأخوة الأعداء علي الجانبين ممن قرأوا في مشروع البيان التأسيسي لجبهة 25 يناير دعوة للمصالحة مع الأخوان أن ذلك البيان لا توجد به إشارة واحدة للمصالحة مع تيار بعينه ، وأنه يجب أن نتوقف عن نصب محاكم التفتيش في نوايا الناس ، وأن ما ترفضه علي نفسك لا يجوز أن تقبله علي غيرك ، فكل المواطنين سواء أمام القانون ، والدعوة هي لبناء أكبر توافق سياسي ممكن لمواجهة خطر داهم يتهدد وجود الوطن ، ولا ننحاز فيه إلا إلي مصالح مصر العليا ، وأؤكد أن كل مصري عندي هو قيمة عظيمة في ذاته ، أحترمه ، بل وأموت دفاعاً عنه ، ولكن إذا ارتكب أي مواطن جرماً فلا ينبغي أن يفلت من العقاب مهما كانت ذريعته ..
وأقول للجانبين معاً أن نظام دولة الفساد والمحاسيب قد عقد كل أنواع الصفقات مع كل أنواع الشياطين ، وهو الذي يمارس معنا لعبة التخويف من التوافق والمصالحة الشاملة ، لأن من مصلحته أن نظل منقسمين يحارب كل منا الآخر ، ويجب أن نكون أكثر ذكاءً وتسامحاً ، وأشد تصميماً علي تحقيق التوافق الوطني الشامل من أجل بناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي تتيح حياة أفضل لكل مصري بلا تفرقة أو تمييز أو عزل أو إقصاء ..
اللهم بلغت .. اللهم فاشهد ...
التعليقات
press-day.png