رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محسن البلاسى يكتب: الخيال الحر

صباح كل يوم وفى كل عائلة برجالها ونسائها وأطفالها يروى الجميع أحلامهم فيما بينهم إن لم يكن لديهم شئ أفضل يفعلونه ،جميعنا نرزح تحت رحمة الحلم وندين لأنفسنا بتسليم قواه إلى حالة اليقظة
 
(من بيان الثورة السريالية . ديسمبر 1924 )
 
إن الخيال الحر هو الخاصية الفكرية الوحيدة التى تمتلك القوة النقدية الحقيقية والفاعلة فهو يعبر الهوة التى تفصل بين الإمكانية والواقع بين الفن والسياسة بين الإسقاط والفعل
إنه حركة جدلية دائمة التجدد نحو هدف واحد هو الوحدة مع العالم .إنه إستعادة الإنسان العاجز لقدراته الضائعة والمسلوبة منه بفضل المفروض عليه مجتمعيا ... فالخيال الحر هو القادر على أن يقف فى وجه العالم ويقول (لا) لكل العلاقات والأوضاع القائمة .بينما بالنسبة لمن لا يملك خيالا حرا أى الشخص الآلى الوديع المندمج فإن كافة الطرق للحرية مسدودة .إن الخيال شرط ضرورى لحرية الإنسان وسط المجتمعات المشلولة .ففى الخيال الحر يحدث نفى للعالم القائم .وبالتالى يكتشف صاحب الخيال الحر أن العالم الحقيقى غير حر .وفى ربوع الخيال الحر يولد العالم الجديد حيث يحاول الإنسان تحقيق حريته .ففى المجتمعات القمعية الطبقية يكون الهدف الأسمى للمجتمع هو التضليل الشامل والجماعى لعقول الناس وخيالهم .ويصبح المجتمع آلة قمعية لقمع الخيال الحر واعادته لمنظومة القمع ووضعه فى خدمة النظام الطبقى اللاعقلانى لصالح حفنة من لصوص الخيال .وبالتالى يصبح الخيال الحر الخاصية الوحيدة الغير مندمجة .فيتحول فى ماكينة مسميات المجتمع القمعى إما لجنون أو جريمة .وحين يكتشف النظام القمعى ومجتمعه خيال حر فى مكان ما فإنه يرتجف خوفا من هذا الذى يمكنه أن يجد مخرجا لطرح أخلاقيات وعلاقات ومؤسسات إجتماعية جديدة .حرة وإنسانية .يرتجف من الوحيد الذى فى مقدوره أن يقول لا للمجتمع والنظام القائم باعتباره قمعى ومستبد وغير معقول .
إن الخيال الحر هو أنضج صورة للوعى الثورى .فهو انطلاق وهدم فعلى خارج حدود العلاقات القائمة بالفعل .وإعادة بناء متجددة للأبنية والأخلاقيات والحريات الإجتماعية المنشودة .لكن كأداة وجسر بين المنشود والواقع ..فإن الخيال الثورى الحر ليست وظيفته هى صرف الإنتباه عن الواقع او النفى الشامل لكل شئ حتى حركة التاريخ او تأكيد الهوة بين عالم الخيال المتألق وبين الواقع المظلم بالعكس تماما وإذا حدث ذلك فلن يكون خيالا حرا بل أداة لتكريس العبودية للعدم ..... لكن يرى الخيال الحر فى الحياة ضرورة واعية ودورا فعالا للإنسان فى العملية التاريخية .منفتحا على حركة التغيير الإجتماعى
إن الحرية بما فيها حرية الخيال هى دوما نتاج للتفاعل الجدلى بين الضرورة التى تخلق فى الإنسان ما هو عليه وبين الضرورة التى يخلقها الإنسان .....فإن الخيال الحر الذى يستمر فى النفى لا بد أن يكون فى نفس الوقت نفيه إثباتا لشئ محدد ومن هذا التناقض يؤسس جسر الإنتقال (الخيالى المنعكس على الواقع ) من العالم القديم القائم إلى العالم الذى يشكله.
فعلى الرغم من البناء اللاواقعى لكل ما هو خيالى إلى ان معظم عناصره هى صور وحالات تأتى من الواقع فالخيال لا يمكن أن ينفصل عن ذات الخيال وذات وصاحب الخيال جزئا لا يتجزأ من الواقع القائم وتشكله خيوط هذا الواقع .فالخيال الحر لزاما عليه ألا يخضع لأهداف تحكمية لكنه فى النهاية يجب ان يخضع لأهداف تنبع من المنطق الموضوعى والتاريخى للتطور .فحرية الخيال هى حرية الفعل لا يمكن فصلها عن هدف هذا الفعل وإلا اصبحت عملا رجعيا.وبذلك يغدو الخيال الحر قوة ثورية لها استراتيجيتها فى التغيير
فالخيال حين يكون حرا يصنع قطيعة مع الأشياء القائمة و يخلق اشيائا وقوانين جديدة سريعة التطور والنمو فى وقت خلقها من الواقع الذى تم مقاطعته من خلال الخيال ... إنه نضال وكفاح من اجل خلق وعى جديد بمتطلبات جديدة تتمثل فى حساسية وعقل ولغة وصور مغايرة عن ذى قبل
فالمجانين والاطفال والفنانين والأدباء يمتلكون خيالا حرا مصدره الواقع لكنه قاطعه وخلق واقعا جديدا ساعيا إلى تحطيم كل الحواجز والعوائق الإجتماعية التى تحد الفرد وتغربه عن ذاته وعن الواقع الذاتى والجمعى ...ويمكننا ان نطلق لفظ انتصار الرغبة على مفهوم الخيال الحر ..سواء كانت تلك الرغبات اجتماعية او جنسية او حسية او سياسية او اى كانت
إنه النهر الخالد نحو المدهش الدائم
النهر المتمرد حتى على السبل والطرق البحثية القائمة خالقا طرق ومسارات بحثية خاصة به
إنه اللذة السائلة دائما
هو الذى يخلق ما يمكن ان يكون
الخيال هو هادم السدود
هو الإفلات من الإكراهات وإلغاء الوسائط
هو القوة المستقلة التى لا حق لاحد عليها سواء كان وعى جمعى أو نظام اقتصادى اجتماعى او قبعة عسكرية او معتقد دينى
هو الملاذ الذى يمكن للإنسان أن يمارس فيه جميع حقوقه فى الحرية الكاملة
الفن فى خدمة الثورة
الخيال الحر فى خدمة الثورة
 
التعليقات
press-day.png