رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

زياد العليمي يكتب: عن الثانوية العامة وتكافؤ الفرص وحلم لم يتحول لواقع بعد.. لا تشارك في الجريمة!

كتير لما بشوف ناس ف سني وموهوبين وأذكياء وحظهم ماكانش كويس قوي، وظروفهم المادية حكمت عليهم ما يتميزوش، بتكسف، وبحس بالذنب، وبحس إن الناس دي لو إتوفر لهم أهل يقدروا يصرفوا عليهم ويهتموا بيهم كويس زي ما أهلي عملوا، أكيد كانوا هيبقوا أحسن مني بكتير، وبحس أحيانًا إني ما أستاهلش النعمة اللي أنا فيها دي، لإن سببها الأساسي إن أهلي كانوا ميسورين الحال نسبيٌا، فتعبوا علشان يقدروا يعلموني كويس، ويدفعوا فلوس غذاء يساعد طفل على النمو، ونادي يلعب فيه رياضة علشان صحته، ومدارس يتعلم فيها كويس، ولما أتخرج يساعدوني أفتح مكتب محاماة لغاية ما أقف على رجلي.
 ورغم إني معنديش حاجة ف الدنيا أغلى من نديم، لما بشوف أطفال شوارع ف سنه، بحس بالذنب م اللي بنعمله معاه، وبحس إن أكيد الأطفال دول فيهم اللي أذكى وموهوب أكتر من نديم، وإنهم لو إتصرف عليهم ربع اللي بيتصرف عليه هيفيدوا الناس أكتر.
 مواقف كتير بنفتكرها عدت وتضرب ف وشنا أول ما نشوف حاجة تفكرنا بيها، وتفكرنا إن النظام اللي جعل لنا وضع إجتماعي متميز، يخلينا نقدر نعمل حاجات كتير تبسطنا، هو نفسه اللي بيظلم ناس أكتر، وإستمرائنا الوضع دة بيخلينا شوية بشوية شركاء في الظلم.
 
*الولد اللي بيبيع المناديل عند نادي الصيد، اللي وقفني - من أكتر من عشر سنين فاتوا - وقال لي أنا مش عاوز فلوس، أنا عاوزك تشتري لي هدوم المدرسة علشان قالوا لي لو ماجتش بيها بكرة مش هندخلك، وأنا بحب المدرسة، ولما رحنا نشتري الهدوم، لقينا أحسن قميص وبنطلون ف المحل اللي قال لي عليه ب ١٨٠ جنيه، وبعد ما إشترينا الحاجة وروحت إنفجرت ف البكا لإني حسّيت انه يستاهل يعيش حياة أحسن من اللي عيشتها، وإني أكيد ما أستاهلش حياتي دي.
 *زميلنا ف حملة البرادعي اللي كان بيشتغل علشان يصرف على دراسته، وكان بيقبض ٣٥٠ جنيه، وبيصر يدفع ٣٥ جنيه شهريًا منهم (١٠٪‏ من دخله) علشان يصرف مع زمايله على أنشطة الحملة، واللي لما إتصاب في مجلس الوزراء، وكان بين الحياة والموت أهله ماقدروش يعالجوه ف مستشفى كويسة، واللي كنت مش بقدر أقول له إني عارف ظروفه، ومش عاوزه يتبرع للحملة تاني، علشان ما يبقاش جرحه جرح الفقر، وجرح حرمانه من الطريقة اللي هو شايف انه ممكن يساعد بيها.
 * البنت اللي كانت بتساعد ف تربية إبني في فترة من الفترات، واللي بتعمل دكتوراه ف القانون، وبتعرف إنجليزي وفرنساوي كويس، ومضطرة تشتغل مربية أطفال علشان تلاقي مكان مجاني تبات فيه ف القاهرة، ووقت تذاكر، وفلوس تصرف على دراستها، واللي فعلًا كنت مش بعرف أبص ف عينيها، وحاسس إني صغير وواخد حق مش حقي.
 * الشاب اللي قابلته من سنة تقريبًا، في مطعم وجبات جاهزة شهير ورا بيت أهلي ف الدقي، وأنا بضرب كلاكس علشان ييجي يجيب لي الطلبات، ولما شافني عرفني، وقعد يتكلم عن الثورة واللي بيحصل ورايحين فين، وف الآخر وهو بيجيب الساندويتشات قال لي: ما تفتكرنيش مش عارف وفاهم اللي بيحصل علشان شغال هنا، أنا خريج هندسة!! ومابقيتش عارف المفروض أدي له تبس ولا عيب لإنه مجتهد عني وأحسن مني، وضعفي وأنا مش قادر أعمل له حاجة غير إني قلت له :أنا آسف، ومشيت بسرعة كأني بهرب من مواجهته.
 * قصة الأستاذ سامح فايز اللي كاتبها النهاردة عن أبو البنت الأولى ع الجمهورية اللي رفض يدخلها جامعة أمريكية، وتفسيره لدة بإن الموضوع محتاج مصاريف كتيرة، حتى لو فيه إعفاء من مصاريف الدراسة، وقصته عن نفسه، وعن والده اللي كان شايف إن "كلية الحقوق مش لينا" علشان إبنه هيدخل إنتساب ب ٥٠٠ جنيه ف السنة.
 * بعد بوست الأستاذ سامح على طول ألاقي ع التايم لاين خبر عنوانه "الحاصل على ٩٩.٧٦ في الثانوية بأسيوط: نفسي أدخل طب وخايف من مصاريفها"!
 
كل واحد فينا شاف ف حياته ناس كتير كدة، وعرف وصاحب ناس كدة، وبنبقى حاسين اننا متضايقين علشان فيه نظام مش عادل بالشكل دة، بيدي ناس حقوق مايستاهلوهاش علشان وضعهم الاجتماعي، ويحرم ناس تانية، علشان وضعهم الاجتماعي برضو.
 بنشوف ونزعل ونمصص شفايفنا، أو ندور وشنا علشان ما نتضايقش، ونحاول ننسى، ونعتبر إننا مش إحنا اللي ظلمناهم، ودي طبيعة الدنيا.
 والحقيقة إن إستمتاعنا بميزات مش من حقنا، وقبولنا حرمان ناس تانيين منها علشان وضعهم كدة والدنيا كدة، هو في حقيقته إستمتاع بالوضع الغير عادل دة، وعدم مواجهته، هو مشاركة فيه.
إحنا مسئولين مادام بنستمتع بميزات محروم منها آخرين علشان غير مقتدرين.
 المساواة والعدالة مش إننا مش حتى نتعلم احنا وأولادنا وأولاد بواب العمارة والسواق وعمال التراحيل في نفس المؤسسات.
 المساواة والعدالة هي إن تتوافر لكل طفل ظروف عامة تخليه يقدر يتميز - ودة دور الدولة - ساعتها هنعرف مين المتميز بجد، ومين اللي بقى كدة علشان ظروفه ساعدته.
ولغاية ما دة يحصل، كلنا مسئولين، مادمنا بنستمتع بدة، ومش بنحاول نغيره.
دي مش دعوة لتعذيب الذات، لإني مقتنع بأبيات محمود درويش:
ونحن نحب الحياة
إذا ما إستطعنا إليها سَبِيلًا
 ورأيي إننا بنعمل كل اللي بنعمله في حياتنا دي علشان نضمن ان شعبنا يعيش حياة آدمية يستحقها، وإننا واحنا بنخوض معركتنا دي هنحاول برضو نعيش الحياة اللي بنتمناها لكل الناس دي.
 بس لازم تبقى فاكر، وإنت خارج ف مكان كويس.. وإنت بتدفع مصاريف مدرسة إبنك اللي تكفي أسرة متوسطة سنة كاملة.. وإنت بتوديه التدريب في نادي إشتراكه يجوز ٢ ف بداية حياتهم.. وإنت واخده ومسافر علشان تتبسطوا، إنك لو بتعمل دة، ومش بتحاول تغير النظام اللي عامل الفروق الرهيبة دي، إنت شريك في الجريمة، وقابل تاخد حق مش حقك، ومستمتع بدة، ومش عاوزه يتغير علشان ماتفقدش ميزتك النسبية، اللي ماتستحقهاش لغاية ما يثبت العكس، ودة إشتراك مع النظام في جريمته.
ودة اللي ملايين بتحاول تقول له من ٢٠١١١ وقبلها، لخصها الفنان أيمن حلمي ببساطة في كلماته:
كان يا ما كان
ناس في ميدان
ومعتصمين
مطلب واحد
وأمل واحد
 عاوزين نبقى بني آدمين
 
هو دة اللي إحنا حلمنا بيه، وهو دة اللي إحنا بنتعاقب عليه دلوقتي، وهو دة اللي هنكمله لغاية ما يتحول من حلم لواقع نشوفه قدامنا، حتى لو ضيعنا فيه عمرنا كله، يستاهل، وزي ما أمل دنقل بيقول:
آه.. ما أقسى الجدار
عندما ينهض في وجه الشروق
ربما.. 
ننفق العمر كي ننقب ثغرة
ليمر النور للأجيال..
مرة
ربما.. لو لم يكن هذا الجدار
 ما عرفنا قيمة الضوء الطليق
 
التعليقات
press-day.png