رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. حازم حسني يكتب: عن مركزية السلطان وترويض الرعية

حازم حسني
حازم حسني

جلس السلطان على كرسيه يضحك ملء شدقيه وهو يرسل برسائله إلى المصريين الذين أرهقهم السلطان بحكمته التى يختال بها عليهم ... قال، وكرر، وأكد أن مصر لن تتقدم إلا بما قال عنه إنه "المركزية"! ... كى أكون موضوعياً فإن المركزية مطلوبة فى كثير من الأحيان، خاصة فى ظروف بلادنا التى أربكتها عقود من تفكيك المجتمع، بل ومن تفكيك العقل والضمير العام فى مصر ... لكن تبقى لنا رغم هذا ثلاث ملاحظات على ما أكده السلطان فى حديثه عن ضرورات المركزية الذى أراد به ترويض رعيته من المصريين :ـ

أولاً: يبدو أن السلطان لا يدرك بحكمته الفرق الكبير بين "المركزية" وبين "السلطوية"، فهما هيكلان مختلفان للتنظيم ... فالمركزية ليست بالضرورة سلطوية يكتفى فيها السلطان بحكمته الشخصية، وبخبرته العسكرية التى لم يعرف مع طول خبرته فيها إلا التنظيم الهيراركى السلطوى، وإلا أوامر المستويات العليا من القيادة التى تنفذها المستويات الأدنى دون مناقشة حتى ولو كانت الأوامر خاطئة، بل حتى وإن كان ثمنها هو أرواح المئات والآلاف من الجنود والضباط كما نشهد فى حياتنا كل يوم تقريباً ! ... المركزية هيكل تنظيمى له قواعده التى تختلف تماماً عن القواعد التى تحكم السلطوية التى صار الكل مدركاً لكون السلطان المعتد بما يعتقد أنها حكمته لا يعرف غيرها !

ثانياً: أن التنظيم "المركزى" لشؤون المجتمع - حتى وإن كان ضرورياً فى سياقات بعينها - لا يعنى إعفاء "المركز" من المسؤولية، ولا عدم خضوعه للدستور والقانون، ولا هو يحصن المركز ضد المساءلة، إلى آخر قائمة الأمور التى تنصل منها السلطان باستدعائه آية "المُلك" من سورة "آل عمران" ... فهو باستدعائه هذه الآية إنما يفترض ضمناً، بل وسبق أن قالها صراحةً أكثر من مرة، أنه "طيّع" فى نزع المُلك عنه، وأن الله وحده سبحانه وتعالى من ينزع عنه المُلك إن أراد، وما هو بمُلك، وما صاحبنا بسلطان !!

ثالثاً: أجدها من المفارقات الطريفة، بل أظنها من المفارقات العبثية، أن يستحضر السلطان أساتذة فى الاقتصاد يحاضرون الشباب وعموم المصريين عن معالم العصر الحديث، وعن التطورات الهائلة التى تقود الاقتصاد العالمى، وعن كيفية تحقيق دول العالم المتقدم لثروات وقدرات تكنولوجية هائلة، بل وأن يستغرق السلطان فى كتابة ملاحظات بما ارتسم على وجهه وكأنه مهتم بما يقال، بل ومدركاً لأبعاده وأعماقه، رغم أن كل ما ذكره هذا المحاضر من ملامح المستقبل الذى يتشكل إنما يعتمد تنظيماً "شبكياً" للعلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية هو نقيض التنظيم "المركزى" الذى لا يرى السلطان غير صورته المتطرفة لبناء مستقبل مصر !!

التعليقات
press-day.png