رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

سوزان عبد الغني تكتب: وداعا.. دكتور عبد الرازق

سوزان عبد الغني
سوزان عبد الغني

أقدام تمر أمامي لا أستطيع معرفة أصحابها، منهم من قرر المغادرة، والآخر يدخل ليحتل مكانه لدقائق معدودة، ليكتمل البهو المستطيلي الشكل، ولتتراص الرؤوس السوداء.
لحظات مرت عليّ قررت بعدها رفع عيني في وجوه كل الحاضرين وسألت «من أنا؟ ولماذا هنا؟». وجوه شاحبة، وقلوب زاحت كل همومها في جانب واختصت بجانب أكبر لوجع الفراق، أرواحهم المذبوحة تتوارى خلف السواد وبعض الابتسامات العابرة لمداواة بعضهم البعض.
عالم، باحث دولي، دكتور فاضل، كلمات تخرج لي مع كل مرة أقرر فيها تصفح «فيس بوك» في محاولة لتسكين الألم الذي لن يهدأ، فوجدت في قامتك خسارة فادحة لنا وللعلم، فكتبوا عنك أصدقائك وطلابك إنك وهبت حياتك للعلم والبحث العلمي ونشر لك أكثر من ٣٠ بحث عالميًا.
كنت دومًا حالمًا متطلعًا لمستقبل أفضل، أردت استبدال ترتيبنا في البحث العلمي المتدني للمركز الأول، ولاعتزازك بلغتك تمنيت أن تنشر بالعربية، ففي مقال لك بإحدى المواقع، كتبت «هكذا اعتقدت أن العربية قد ماتت فيما يتعلق بأبحاث المجالات العلمية حتى وجدتني أطالع خبرًا أحياني بعد موتي وأفاقني من ثباتى!! -دار النشر العالمية (العلوم الطبيعية) بنيويورك تضع معاملًا للتأثير العلمي للأبحاث العربية». لم تكن تتشبه بغيرك، وصفك أحد أصدقائك بقوله «ده أحسن مننا».
لطالما كنت مختلفًا، قررت التخصص في زراعة الكبد حتى حصلت على درجة الدكتوراه من اليابان متتلمذًا على يد عالم الكبد المشهور «تناكا» أشهر طبيب زراعة كبد في العالم.
لم نكن نراك دومًا، ولكن أخبارك الباعثة على الفخر لم تنقطع، «كُرم في كثير من المحافل العلمية، وحصل على جائزة أفضل طبيب وجائزة الدولة التقديرية، إلى جانب التدريس في جامعتي الأزهر وأسوان، كما كان باحثًا موهوبًا في جامعة زويل، ووهب حياته ووقته للعلم ولم يفتح عياده» هكذا دارت الأحاديث بين المدح والرثاء من معارفك، ولكني علمت مؤخرًا أنك أحد أعضاء لجنة تحكيم دولي في إحدى المواقع العلمية بألمانيا، لنشر الأبحاث العلمية، كما قمت باختراع علاج لفيرس الكبد قبل تطوره، ربما هذا العلاج لم ير النور بعد، وواجبنا جميعًا أن نعمل على إمكانية نشره لنفع البشرية.
نشر لك أصدقائك صورًا أثناء تكريمك من نقابة الأطباء، التي اختصتها بأحد أصدقائك الذي وقع عليه خبر وفاتك كالماء المثلج، لحصولك على جائزة الدولة، وبجوارك نقيب الأطباء حسين خيري والدكتورة منى مينا الذين ألتقيتهما مرات عديدة ولهما في قلبي محبة ازدادت بعد تكريمهما لك.
يا دكتور عبد الرازق، ذهبت وتركت لنا إرثًا من الفخر، فمن جاء لعزائنا ظل يتحاكى بإنك لم تتأخر عن خدمته رغم انشغالك، ومنهم من تمنى لو أن روحه كانت تذهب بدلًا منك.
«وليد»، هكذا عرفته وهكذا ظللت أناديه، حتى تلك اللحظة الأخيرة التي تقابلنا بها في عرس شقيقته، ورغم حضوري المتأخر إلا إني كان لي نصيبا لرؤيته، الذي جاء وبميسرة عاجلة أثار تفكيري ولكن اليوم علمت السبب فهو كان تدبيرا للقاء الأخير، قابلته، وعهدته بالابتسامة البشوشة التي تشع بالطمأنينة والراحة و«الطبطبة» الروحية، رغم السنوات التي تحرمنا من التجمع رغمًا عنا جميعًا، إلا أن حاله لا يتبدل.
لم أتوقع إني سأكتب عنك يومًا، وربما لو أدركت تلك اللحظة وقمت بإستئذانك كنت سترفض، مثلما فعل صديقي المخرج الراحل محمد رمضان الذي توفى في حادث سانت كاترين، ولكن رغمًا عنكما وعني وجدتني أكتب عنكما وأنا كارهة.
أشعر بروحك موجودة تراقبنا من بعيد، لا تغضب من والدتك فهي أم قلبها حُرق على زوجها سابقًا، والآن ولدها البكر، فلك أن تتخيل كيف لتلك الأم أن تحمل أوجاع متعاقبة لا تلبث أن تلتئم، فلا تغضب.
لا تتذمر من شقيقك الأصغر، الذي لا يستطيع وقف سيل دموعه، فهو الآخر فُتح جرحه القديم، ولكن على اتساع هذه المرة، وكذلك الحال لأشقاقك البنات، فالجروح مهما طال الزمن تتوارى ولكن لا تختفي.
واعذرني إن تساقطت دموعي رغما عني، فأنا مازلت أحاول أن يتبدل الحال، وأنتظر الكلمة الفاصلة التي ستعود بي إلى الواقع «فركش الفيلم خلص»، وفجأة تخرج لنا من إحدى الغرف بابتسامة وتسأل «إنتوا بتعملوا إيه؟» ولا تنس أن تصر على مناداتك بـ «الدكتور عبد الرازق» وأنا أجيبك « لأ.. أنت وليد».

التعليقات
press-day.png