رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. حازم حسني يكتب: عن لحظة الاختيار عند مفترق الطريق

طالعت آخر ما كتبت على صفحتى فوجدته يعود لأكثر من شهر مضى رغم كل ما مر بحياتنا من أحداث يثقل على الضمير أن يتجاهلها، ويصعب على العقل أن يتغافل عنها ... لذا أتفهم قلق بعض الأصدقاء، كما أتفهم عتاب بعضهم الآخر، بل وأتفهم استشعار البعض منهم بأننى ربما قد ابتعدت عن الكتابة يأساً من إصلاح الأحوال ! ... أحمد الله أننى لست ممن يرتادون مدرسة اليأس، وأعتقدنى من المؤمنين بقالة مصطفى كامل الشهيرة أن "لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة"، فما زلت يملؤنى الإيمان بأن دورة البؤس فى مصر تقترب من نهايتها، وبأننا سنحتفل عما قريب بإشراقة عهد جديد.

فقط تجاوزت السادسة والستين من عمرى، وهى قد لا تكون السن التى تدفع المرء إلى اليأس، لكنها حتماً السن التى تدعو المرء للتأمل ومراجعة النفس؛ فلدى كتابات متناثرة لا يجمعها عنوان، ولدى أفكار لم أجد منذ أربعين عاماً لا الوقت ولا السياق الذى يسمح لى بنشرها ولا حتى بكتابة أكثرها ! ... وفى مثل سنى هذه لابد وأن يتساءل المرء عما يفيد الحياة أكثر : هل هو الاشتباك المباشر مع الواقع السياسى المصرى بكل تعقيداته، أم هو الاشتباك مع أزمات العقل المصرى التى أوصلت المصريين لما يعايشونه من أزمات السياسة ومن غيرها من الأزمات؟!! قد أفاجئ البعض حين أقول إن السياسة لم تكن فى أى يوم من الأيام غايتى التى أسعى إليها، ولا هى كانت فى ظنى الغاية التى خلقنى الله سبحانه وتعالى من أجلها، فكلنا ميسر لما خُلِق من أجله، وغابتى فيما أظن هى المعرفة والبحث عن الحقيقة ... لذا أعتقدنى قد دلفت إلى دنيا السياسة من باب الرأى، واقتحمت باب الرأى من باب السياق الضاغط الذى كثيراً ما يجعل من عدم الانشغال بالسياسة نوعاً من أنواع الجريمة ... جريمة اغتصاب الحق ووأد الحقيقة والتستر على من اغتصب وعلى من وأد!!
أتذكر دائماً فى هذا الشأن كلمات طه حسين فى الفقرات الأخيرة من كتابه الأشهر "الأيام"، فقد لخص فيها أزمته كما لخص أزمتى، لذا أكاد أحفظ كلماته فى هذه الفقرات عن ظهر قلب من كثرة ما قرأتها وتأملت فى معانيها ... يقول العميد فى نهاية "الأيام"، وأعتقدنى لا أخطئ فى سرد ما قال نصاً وكتابه ليس أمامى الآن : ـ
"وهكذا غرق صاحبنا فى السياسة إلى أذنيه، وكان جديراً أن يفرغ للعلم والتعليم، وألا يفكر إلا فى طلابه وكتبه؛ لكن بعض الظروف تحيط بالشعوب فتجعل من الحيدة بالقياس إلى بعض أبنائها إثماً لا يغتفر ولا تمحى آثاره [ ... ] لا سيما حين يبلغ الشر أقصاه، وتنتهى الفتنة إلى غايتها" !
لا أعرف - لو كان يعيش بيننا فى حاضرنا التعيس هذا - ماذا كان سيكتب طه حسين عن الشر الذى ظن أنه كان قد بلغ فى "أيامه" أقصاه، ولا عن الفتنة التى ظن فى "أيامه" أنها قد انتهت إلى غايتها !! ... لذا أرانى حائراً هذه الأيام بين أن أتصدى للكتابة عن أزمة العقل والضمير المصريين وبين أن أتصدى لشر تجاوز فيما أظن أقصاه، ولفتنة انتهت فيما أعتقد إلى ما بعد غابتها، وإن كنت لا أعتقد أننى أمتلك حكمة تفوق حكمة طه حسين الذى غرق رغماً عنه فى السياسة، واصطلى رغم كل المحاذير بنارها، حتى وجد نفسه بين ذراعى وجبة الأسد (على حد تعبيره)، دون أن يندم على اختياره هذا كما أكد فى نهاية "الأيام" !
أعتقدكم تعرفون الآن ما أنا فيه من صراع عند مفترق الطريق، فى سن وفى سياق عام لا يسمح أيهما للمرء بأن يرجئ عمل اليوم إلى الغد، خاصة وأننى لن أجد الأمان - حتى وإن بحثت عنه - فى أى من الاختيارين: فلا التفرغ للكتابة فيما أريد الكتابة فيه سيحمينى من حجارة يرجمنى بها الراجمون، ولا الانخراط فى السياسة سيبعدنى عن ذراعى وجبة الأسد ... فياله من مفترق طريق لا أعتقدنى أذنبت إن أنا التمست عنده أياماً ألتقط خلالها أنفاسى، قبل أن أصلى صلاة المودع، وقبل أن أختار ما أعتزم السير فيه اختياراً غير نادم على اختيارى، فلا أحد يختار غير قدره المخطوط على جبينه منذ كان نطفة فى رحم أمه !

التعليقات
press-day.png