رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

في يوم رحيله.. كارم يحيى يكتب عن عالم الاقتصاد "عمرو محي الدين".. ويعيد نشر "بورتريه" تحدث فيه عن حياته وتحوله السياسي

الدكتور عمرو محي الدين
الدكتور عمرو محي الدين

رحل عن عالمنا، عالم الاقتصاد الكبير الدكتور عمرو محيي الدين، الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة سابقا، وعضو مجلس أمناء حزب التحالف الشعبي الاشتراكي.

فيما أعاد الكاتب الصحفي كارم يحيى، نشر "بورتريه" سبق وأن كتبه عن الضابط السابق وشقيق الدكتور عمرو، خالد محيي الدين، تحدث فيه مع الراحل الدكتور عمرو عن حياته حياة شقيقه وتحوله السياسي.

وكتب كارم: "كنت واحدا من تلاميذه في السنة الأولى لكلية الإعلام جامعة القاهرة ( 76 /1977) وأحببناه واحببته فقد حببنا رحمه الله في علم الاقتصاد باخلاصه وتفانيه وانسانيته وبساطته ومواقفه المحترمة".

وأضاف: "في عام 2012 زرته في منزله بالمهندسين بعد طول فراق لاقامته الطويلة بالكويت .وكانت المناسبة اعداد بورتريه حاولت ان يكون موضوعيا عن شقيقه الاستاذ خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة والضباط الاحرار ، فوجدته روحا وخلقا لم يتغير عما عرفته وانا في الجامعة .. بل وزاد اقترابي منه وزرته اكثر من مرة فتمتعت بوافر ثقافته و علمه وانسانيته.. رحمه الله رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته والهم اسرته الصبر والسلوان".

وإلى نص البورتريه:

قبل سنوات معدودة فقط انسحب " خالد محيى الدين " أصغر أعضاء مجلس قيادة ثورة يوليو 1952 وآخر من تبقى منهم على قيد الحياة من الساحة السياسية . مخلفا تاريخا حافلا ومثيرا للجدل. "خالد " الذي يبلغ بعد أيام عامه التسعين ـ متعه الله بالصحة والعافية ـ لم يتول منصبا وزرايا أو يحصل على "قلادة النيل" كالعديد من أقرانه في قيادة الثورة ،مع انه كان من بين ستة هم من شكلوا في نهاية عام 1949 الخلية الأولى لتنظيم الضباط الأحرار ( جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر و عبد المنعم عبد الرؤوف وكمال الدين حسين وحسن إبراهيم وهو ). كما أن الإجتماع الحاسم في 22 يوليو 1952 لوضع خطة التحرك التنفيذية للحركة انعقد في منزله هو . وفضلا عن ذلك فقد كان له دوره الميداني المقدر فجر 23يوليو حين قاد الصاغ ( الرائد ) "خالد محيى الدين " وحدات من سلاح الفرسان ( المدرعات لاحقا) ليقطع الحركة عن شارع "الخليفة المأمون"، ويعزل المنطقة العسكرية عن حي مصر الجديدة. وليساهم في حصار مقر قيادة الجيش ، فيما كان رفيقه البكباشي (المقدم) واليساري التوجه هو الآخر" يوسف صديق " قد سبق بسويعات الى الاستيلاء على هذا المقر.

مفارقات حول الديموقراطية

و يصدق قول الراحل"أحمد حمروش" مؤرخ ثورة يوليو من داخل الضباط الأحرار في الجزء الأول من كتابه " قصة ثورة يوليو " : " لم تكن 23 يوليو انقلاب جنرالات وإنما كانت حركة ضباط صغار " ،وعلى عكس ما كان ملموسا في الوطن العربي قبل عام 1952 . ولا يختلف كثيرا " خالد" صاحب الثلاثين عاما عند قيام الثورعن رفاقه من اعضاء مجلس قيادة الثورة في العديد من الأمور . نعم كان أصغرهم سنا .لكن باسثناء " اللواء محمد نجيب " المولود عام 1900 فان أكبر أعضاء المجلس كان يسبقه بـ 12 عاما ليس إلا . وهو إبن لأسرة من أعيان الريف. لكنه تماما كباقي أعضاء المجلس والضباط الأحرار لم تخضع اسرته لقانون الإصلاح الزراعي وحد الملكية الذي لايتجاوز المائتي فدان . وكان " خالد " من بين رفاقه الذين إحتكوا بطيف من القوى السياسية الجديدة في مصر الأربعينيات قبل أن يجدوا طريقهم الى التغيير من خلال قوة الجيش وبالتمرد على الملك و الطبقة السياسية التقليدية ، فاقترب من "مصر الفتاة " و جماعة "الإخوان المسلمين" نهاية بحركتي " إسكرا " فـ " حدتو " الشيوعيتين . لكنه يقينا تميز عن رفاقه هو وجمال عبد الناصر بهذا الولع بالقراءة وبالاطلاع على الثقافة السياسية خارج مصر .لكن ميزه عن رفاقه من قيادة الضباط الأحرار الشابة ـ بما فيهم عبد الناصر نفسه ـ أنه عاش الحياة الجامعية المدنية عندما درس في كلية تجارة القاهرة إعتبارا من عام 1947 وتخرج فيها عام 1951.

المفارقة عند تأمل سيرة حياة "خالد "إن الرجل استمر في العمل السياسي والعام خلال عقود الرؤساء الثلاثة "عبد الناصر" و"السادات" و"مبارك" ، مع انخفاض اسقفها الديموقراطية ، فيما كان قد إتخذ موقفا مبدئيا قاطعا الى جانب خيار عودة الحياة النيابية و الجيش الى ثكناته مبكرا وفي عام 1954. وهو الموقف الذي دفعه الى الاستقالة نهائيا من مجلس قيادة الثورة في 2 إبريل من هذا العام ، ثم الى المنفي. إستمر " خالد " حاضرا مع فقر السياسة في مصر وجفاف بحارها عضوا عن "كفر شكر " في مجلسي الأمة فالشعب حتى عام 2005 وفي رئاسة حزب "التجمع" حتى عام 2003 . والطريف انني في فبراير عام 1985 التقيته في سياق تحقيق صحفي عن مرحلة ما بعد الزعيم وأزمة الجيل الثاني في قيادة أحزاب المعارضة ( نشرته مجلة اليوم السابع الباريسية في 25 فبراير من هذا العام ) وقال حينهاـ وهو يقترب من عامه الثاني والستين ـ انه كان يتمنى الا يجدد فترة رئاسته للحزب إلا ان زملاءة اقنعوه بالاستمرار مدة اخرى هي خمس سنوات . لكنه بالفعل استمر الى ما بعد الثمانين من عمره.

العودة الى أزمة

مارس 1954

يرتبط اسم "خالد محيي الدين" عند التأريخ لثورة يوليو بأزمة مارس 1954 وبالانحياز الى عودة الديموقراطية والحياة النيابية والجيش الى ثكناته . وبصرف النظر عن تفاصيل ماجرى من أحداث وقرارات وتراجعات سريعةو متلاحقة ، فقد وجد الرجل نفسه في ليلة 26 فبراير مرشحا من رفاقه في مجلس الثورة لرئاسة الوزراء و ومكلفا بإعادة الحياة الديموقراطية . وفي الصباح التالي مباشرة ملعونا منهم ومدفوعا الى الاستقالة . وبين هذا وذاك مجرد ساعات لا أيام . ولعل " خالد " نفسه قد امسك بجوهر التناقض حين كتب بأسى بعد نحو أربعين عاما من هذه الأزمة في مذكراته المعنونة بـ " والآن أتكلم " عن مستشاري السوء من خبراء القانون الدستوري و الرموز المدنية الليبرالية التي زينت لزملائه الضباط في مجلس القيادة ضرب الديموقراطية . لكن الأهم في هذا السياق أن تجد مصر نفسها مجبرة على أحد خيارين ، وكأنه لا يمكن الجمع بينهما : إما الديموقراطية أو إستمرار الثورة . وفي المذكرات نفسها إشارة عابرة الى شقيقه " عمرو محيي الدين " الطالب بكلية حقوق القاهرة وقتها وعالم الإقتصاد الجليل لاحقا . وقد قادتنا هذه الاشارة الى لقائه في منزله بحي المهندسين . وقال لنا أن أحد تداعيات أزمة مارس كان اعتقاله مع عدد من الطلاب و الساسة المنادين بعودة الديموقراطية . وقتها كان " عمرو " منتسبا لحزب "مصر الفتاة " قبل ان ينتقل الى اليسار . قال : "اصطدم مجلس قيادة الثورة بجبهة وطنية واسعة تضم الوفد ومصر الفتاة والإخوان والشيوعيين من أجل عودة دستور 1923 وشن حملة اعتقالات .. وكنت حين اختفي خالد لفترة قبل نفيه الى سويسرا قد خطبت في طلبة الجامعة محملا زملاءه من العسكريين المسئولية عن حياته وسلامته .. و قبل ان يسافر خالد من مصر وعده عبد الناصر بالإفراج عني .. لكننى بقيت في الإحتجاز من مارس الى سبتمبر 1954 متنقلا من سجن القلعة الى السجن الحربي على ذمة التحقيقات في قضية(الجبهة الوطنية ) هذه ومتهما بالسعي لقلب نظام الحكم .. ".

ومن مفارقات القدر ان "عمرو محيى الدين" وكما روى لى تحول الى اليسار وهو في السجن على أيدى " عبد المجيد أبو زيد" أحد قادة تنظيم " طليعة العمال والفلاحين " المنافس والناقد للتنظيم الأكبر في الحركة الشيوعية وقتها " حدتو " .كما تعرف في السجن أيضا على البكباشي "يوسف صديق" المعتقل حينها لموقفه المبكر من عودة الديموقراطية ،وحيث كان قد استقال من مجلس قيادة الثورة قبل خالد بنحو عام كامل. وقال لي الدكتور " عمرو" :" في العديد من المواقف داخل السجن دافع (صديق) عنى و اسبغ حمايته على " .لكن ثمة مسافة من التباعد والجفاء يلحظها قارئ مذكرات "خالد محيى الدين" إزاء "يوسف صديق" ،وذلك على الرغم وحدة موقفهما داخل مجلس قيادة الثورة من الديموقراطية وعودة الجيش الى ثكناته ، فضلا عن تميزهما بالانتماء الى اليسار وقربهما من حركة "حدتو" . ولا يكفي لتفسير هذا التباعد ما دونه "حمروش " في كتابه بأن "يوسف صديق أكثر صراحة و انفعالا فيما كان خالد محيى الدين أكثر هدوءا ومرونة " .

من قسوة المنفى

الى تجربة "المساء"

تجربة "خالد" في المنفي بسويسرا بين عامي 54 و 1955كانت شديدة القسوة والوطأة . وفي مذكراته صفحات حزينة موجعة عن هذه الأيام . ولعل في هذه التجربة ما قد يفسر تمسكه بالعمل السياسي العام فيما بعد وتحت أي سقف وظرف كان . وتلخص عبارة الدكتور " عمرو " هذا الدرس بقوله :" قرر خالد بعد سماح عبد الناصر بعودته الا تتكرر تجربة المنفى مرة أخرى أبدا .. وطالما قال لي : سجن سنة أهون من نفي يوم واحد". ويضيف :" كان بامكانه طلب اللجوء السياسي في سويسرا .. لكنه لم يفكر في هذا الخيار أبدا .. كانت عينه على مصر وقلبه وعقله لم يغادرانها أبدا ".

لكن ثمة ملابسات موضوعية أخرى تفسر المسار الذي إتخذه "خالد " بعد عودته آملا في بناء جبهة وطنية بين اليسار و"عبد الناصر " على وقع خطوات زعيم مصر في بناء الاستقلال الوطني والعدالة الإجتماعية ومن مؤتمر باندونج و صفقة الاسلحة التشيكية عام 1955 الى تأميم القناة في العام التالي . ولحسن الحظ لدينا شهادة سجلناها للمفكر الراحل " لطفي الخولي " . قال :" فور عودة خالد الى مصر صارح عبد الناصر برغبته في ان يلتقى ويحاور كافة شيع اليسار والتنظيمات الشيوعية . وكان من حسن حظي أنني رافقته في معظم هذه اللقاءات خلال عامي 55 و 1956". ولعل من نتائج هذه التحولات تجربة تأسيس "خالد" لجريدة " المساء " ،والتي ظل يرأس تحريرها حتى عام 1959 كمنبر لحوار اليسار مع نظام عبد الناصر والإئتلاف حول التوجهات الوطنية والإجتماعية التحررية المشتركة .

وبالعودة الى العدد الأول من جريدة " المساء " الصادرة عن دار التحرير في 6 أكتوبر 1956 يتبين غلبة الخط الوطني المعادي للإستعمار .فقد جاء المانشيت الرئيسي بعنوان :" دالاس يهاجم مصر " ، و"دالاس" هو وزير الخارجية الأمريكي وقتها .والى يسار المانشيت إفتتاحية بقلم "خالد محيى الدين" نفسه بعنوان "من أجل ان تصدر المساء "، تؤكد على "صيانة الاستقلال الوطني والنضال المشترك ضد الاستعمار " . وفي العدد الثاني للصحيفة الوليدة حوار أجراه " خالد " مع الرئيس " عبد الناصر " يتركز على التداعيات الدولية لقرار تأميم قناة السويس . وثمة في أعداد الجريدة الأولى خطاب قومي عربي معاد للاستعمار ومنحاز لقضايا الشعوب ،و إن إختفت قضية الديموقراطية السياسية . وليس خافيا ان تجربة "خالد " المتميزة في "المساء " سياسيا ومهنيا وماصحبها من أقلام مبدعة شابة يضيق المقام عن ذكرها هنا قد إنتهت بالصدام بين اليسار و"عبد الناصر" على خلفية الخلاف بشأن إنقلاب "الشواف" على ثورة "عبد الكريم قاسم " في العراق . وهوالصدام الذي دفع ثمنه اليساريون نحو خمس سنوات في المعتقلات والسجون القاسية منذ فجر اليوم الأول في عام 1959. لكن يلفت النظر في تجربة " المساء " ماذكره " خالد " في ختام مذكراته " والآن أتكلم " حين أورد نص حوار بينه وبين " عبد الناصر " يستفاد منه أن الجريدة أريد لها ان تكون منبرا يساريا " معتدلا " و أن تكون محدودية التأثير والإنتشار .لذا كانت مسائية .

"ألو .. زغلول هنا "

ولقد كان مقدرا ان يقوم "خالد " بكتابة الجزء الثاني من مذكراته بداية بتجربة جريدة "المساء " وأن ينشرها في منتصف عقد التسعينيات . لكن لاسباب غير معلومة لم يسجل شيئا يذكر من هذه المذكرات ،وذلك وفق ما تقصيناه من مصادر موثوقة بينها صديقه المقرب منذ منتصف عقد الستينيات وخليفته في رئاسة حزب "التجمع " الدكتور " رفعت السعيد ". لكن الثابت والمسجل في الأرشيفات وذاكرة معاصريه أن " خالد " إتخذ طريقه الى عضوية مجلسي الأمة فالشعب عضوا منتخبا من أبناء دائرته " كفر شكر " منذ عام 1957 وحتى عام 2005 ، وذلك باستثناء برلمان ( 1979 ـ 1984) حيث جرى تزوير الإنتخابات واسقاطه مع 14 من معارضي إتفاقات " كامب ديفيد " مع إسرائيل . وربما ساعدت الصداقة والإحترام الممتدان منذ ماقبل الثورة مع " عبد الناصر " في أن ينجو "خالد " من الإعتقال والسجون وهو الذي أشار الى عمق هذه الصداقة في كلمة نشرتها له صحيفة " الأهرام " في 30 سبتمبر 1970 بعد رحيل عبد الناصر بيومين فقط .وقد وصفه فيها بأنه " جمال الصديق ورفيق النضال " و " الأكبر من كل الكلمات". ودلائل الصداقة والتقدير بين الرجلين عديدة .ويكفي أن نشير الى ان " عبد الناصر " أطلق على ابنه الأول اسم " خالد " و أن " محيى الدين " اطلق على اكبر قاعة بحزبه "التجمع" اسم " عبد الناصر " . ويكشف الدكتور " رفعت السعيد " هنا لنا عن أن خطا هاتفيا ساخنا أقامه "عبد الناصر" مع "خالد " ، وأن كلمة رمزية كان يبدأ بها الأخير حديث الهاتف مع الأول وهي :" ألو .. زغلول هنا ".

لكن "خالد " أريد له مع كل هذه الصداقة و رغم ثقافته السياسة الأوسع والأهم بين أقرانه في مجلس قيادة الثورة ألا يتقلد أيا من مناصب الصفوف الأولى . فهو أبدا لم يصبح رئيسا لمجلس الأمة كزميليه " أنور السادات " و " عبد اللطيف البغدادي " .كما أنه لم يصبح يوما ما نائبا لرئيس الجمهورية كالعديد من رفاقه من قادة يوليو .ولم يتول قط منصبا وزرايا أو تنفيذيا رفيعا . فقط وبالكاد شغل على نحو قصير ومتقطع في عمر الزمان مواقع من قبيل رئاسة مجلس إدارة "أخبار اليوم "من 30 سبتمبر 1964 و لعدة أشهر حتى وقع الصدام مع الأستاذ "محمد حسنين هيكل" وإنحاز " عبد الناصر " للأخير . وكذا مسئولية امانة شئون الصحافة بالإتحاد الإشتراكي في ديسمبر عام 1964 ،وقبل ان ينتقل الى رئاسة مجلس السلام العالمي عام 1965 ، وقبل ان يقوم الرئيس "السادات" بحل الفرع المصري للمجلس في ديسمبر 1977 ، بعد رفض "خالد " زيارته الى القدس في الشهر السابق لقرار الحل .

إجمالا لم يستطع " خالد " رغم مكانته ودوره التاريخي في الثورة وثقافته السياسية المميزة أن يصل الى الصفوف الأولى في الإتحاد الإشتراكي التنظيم السياسي الوحيد من 1964 الى 1977 . وحتى عندما ترشح من موقعه في اللجنة المركزية الى اللجنة التنفيذية العليا بعد إصلاحات بيان 30 مارس 1968 أحكم من اسماهم "السادات" فيما بعد بـ "مراكز القوى " القبضة على الإنتخابات .و لم يحصل " خالد " إلا على 20 صوتا لم تؤهله للانضمام الى عضوية " التنفيذية العليا " ، فيما جاء " على صبري " في المركز الأول بـ 134 صوتا . و من مفارقات سيرة حياته أن " السادات " وضعه رهن الإقامة الجبرية لعدة أسابيع إثر 15إنقلاب مايو 1971 الذي اسماه بـ " ثورة التصحيح" ضد من تآمروا على اقصاء "خالد " نفسه قبلها بنحو ثلاث سنوات.

ولكن عندما إتجه "السادات " الى تعددية حزبية شكلية مقيدة بإقامة المنابر الثلاث ( اليمين والوسط واليسار )داخل الإتحاد الإشتراكي عام 1976 فالأحزاب عام 1977 سمح " لخالد " برئاسة المنبر اليساري فحزب "التجمع" بعدما قام المؤسسون بانتخابه .وهنا يقدم الدكتور "رفعت السعيد " تفسيره لما يعتبره البعض قبولا بالعمل السياسي تحت الأسقف المنخفضة و عسكرة لقيادة المنابر فالأحزاب حيث تولى رئاسة الأحزاب الثلاثة الأولى رجال من المؤسسة العسكرية و الشرطية ( مصطفي كامل مراد لمنبر اليمين فحزب " الأحرار" و ممدوح سالم لمنبر الوسط فحزب " مصر ") . يقول الدكتور السعيد :" كان لدى خالد نظرية تقوم على قبول ما هو متاح لكنه لايقبل الخضوع أبدا لما يجرى فرضه ولايتنازل بما يؤذي ضميره " . ويوضح قائلا:" كان دائما لديه الاستعداد للاستقالة كما حدث في تجربة أخبار اليوم ". ويتذكر هنا ان برنامج منبر اليسار عند تأسيسه تضمن نصا بحق الإضراب عن العمل ، وأن "السادات" طلب من "خالد" الغاء هذا النص .لكنه رفض وأصر على ان اي تغيير هو مسئولية السكرتارية العامة للمنبر . وبدورها تمسكت بالنص . وهكذا بدأ ضرب السلطة مبكرا في المنبر فحزب التجمع و"خالد ". ولما سألته ألا ترى في قبول " خالد" العمل تحت الأسقف المنخفضة برجماتية ما، أجابنى الدكتور " السعيد " قائلا :" البرجماتية أن تتنازل عن المبادئ والمواقف ..وهو كان يقبل الموقع والمسئولية من دون أن يتنازل عن المبادئ " . وفي سياق الكشف عن الوقائع التاريخية يضيف لنا " السعيد " :" عند طرح فكرة اقامة منبر لليسار داخل الاتحاد الاشتراكي اتجه السادات الى الكاتب الأديب عبد الرحمن الشرقاوي لتولي رئاسته وبدوره فاتح مجموعة اليسار في مجلة روزاليوسف.لكن فجأة قرر السادات عسكرة المنابر واستدعى خالد وعرض عليه الفكرة . وقال له : أنا عايز منبر ماركسي .لكن خالد تمسك بمنبر مفتوح لكل فصائل اليسار ولم يقع في مصيدة السادات بأن يحصل على منبر ماركسي بمثابة لوحة (نيشان) للهجوم على اليسار ". ويعود "السعيد " ليستدرك قائلا :" كان خالد واعيا بحكاية عسكرة المنابر هذه .و بطبيعته هو يرفض العقلية العسكرية الآمرة . وفي إجتماعات الأمانة العامة للحزب احيانا ما يكون هو بين الأقلية ويتقبل بنفس راضية نتيجة التصويت ويلتزم بها ".

ثمن معارضة

الرئيس السادات

واقع الحال أن حزب "التجمع " عاني في السنوات الأولى لنشأته من هجوم دعائي ومعه "خالد محيى الدين " شنه أبواق نظام السادات وصل الى حد التخوين والتكفير .ودفع "خالد" وحزبه بحق ثمن معارضة سياسات الصلح مع إسرائيل والتبعية للولايات المتحدة والظلم والتفاوت الإقتصادي وتقييد الحريات ، ومن الانتفاضة الشعبية في يناير 1977 الى كامب ديفيد 1978 ومعاهدة السلام 1979 و إعتقالات سبتمبر 1981 . لكن بين صفوف الجيل الثالث من الحركة الماركسية في مصر ( الجيل الذي ظهر بالاساس بعد هزيمة يونيو 1967 ) من إتخذ موقف الرفض من حزب اليسار هذا و إمتنع عن الالتحاق به . ومن بين هؤلاء تحدثنا الى المهندس " أحمد بهاء شعبان " أحد رموز هذا الجيل والحركة الطلابية الشبابية والذي اطلق عليه لاحقا " جيل السبعينيات . قال :" لم انضم الى التجمع لان جيلنا اتخذ موقفه من الأجيال اليسارية القديمة ممثلة في الحلقة الثانية من التنظيمات الماركسية والتي تعود جذورها الى اربعينيات القرن الماضي .. قمنا بادانتها بسبب إقدامها حل تنظيماتها في عام 1964.. و أتهمناها بالتواطؤ مع نظام عبد الناصر . وأعتقد ان عدم انضمامنا الى حزب التجمع موقف متبادل من الجانبين .. منا ومن الجيل الذي سبقنا .. فلا هم عرضوا ولا نحن فكرنا". ويضيف قائلا : " ومع ذلك استطعت ان اقيم مواقف الحزب المعارضة لنظام السادات بشكل ايجابي " . أما موقفه من " خالد " على وجه التحديد فيوضحه قائلا :" أعتقد ان الرجل كان يمتلك مناعة داخلية تحميه من عمليات الافساد المنظم التي طالت أعدادا كبيرة من الوطنيين واليساريين .. لكن بالفعل لم تكن هناك مساحة للقاء معه عندما بدأنا في الوعي والتحرك مع نهاية عهد عبد الناصر ومع فترة السادات .. كانت العلاقة محدودة جدا عندما تحركنا كطلاب في مطلع السبعينيات .. وكان وجوده هو في الإتحاد الإشتراكي هامشيا .. لكنني كنت أقدر استقامته ونزاهته الشخصية .. وعلى عكس زملاء لي لم أر لاحقا في ( التجمع ) حزب السلطة . واعتقد انه عارض النظام في البداية بشكل مقبول ".

على هامش تجربة "خالد" في حزب " التجمع " هناك ما يستحق التسجيل للتاريخ هنا بشهادة ثلاثة من رؤساء تحرير " الأهالي " جريدة الحزب . وهم "حسين عبد الرازق" ( 82 ـ 1988 ) و " حسين شعلان " ( 92 ـ 1993) و " عبد العال الباقوري " ( 93 ـ 1998). قالوا جميعا لنا وكل على حدة بأن "خالد محيى الدين " كان نادرا ما يتدخل في أعمالهم . والأهم أنه لم يكن من النوع الذي يكترث بنشر صوره الشخصية في الجريدة وتصريحاته وبطريقة النشر . وهو في ذلك النموذج الضد لما كان عليه زميله في مجلس قيادة الثورة " أنور السادات " وفق ما رواه "محمد حسنين هيكل " في كتابه " خريف الغضب ".

مفاتيح الشخصية

لفهم شخصية " خالد " و سيرة حياته وبخاصة إنحيازه الى الديموقراطية وقبوله بالعمل في حدود ما أتاحه عبد الناصر فالسادات فمبارك من هامش منقوص يتعين العودة ،و كما نصح الأقربون اليه شقيقه " عمرو " و مدير مكتبه بمؤسسة " أخبار اليوم" فخليفته في الحزب " السعيد "، الى تأثير الطريقة الصوفية النقشبندية عليه منذ الصغر عندما كان يلهو في تكية جده لأمه الشيخ " عثمان خالد " . ويلفت النظر في هذا السياق الكلمات التى خطها تحت عنوان " البدايات " وبدأ بها مذكراته المنشورة . قال :" بيت شرقي ساحر .. فسقية في منتصف الحديقة الواسعة المليئة بالاشجار والورود والتمر حنة .. لم يكن بيتا عاديا إنه تكية السادة النقشبندية .. هنا قبر جدي الأكبر لأمي الشيخ الخليفة (محمد عاشق) ..وهنا أيضا مسجده ودراويش الطريقة ". ويضيف شقيقه الدكتور " عمرو " : " رأيي أن الانحياز للديموقراطية والعدالة الإجتماعية يعود الى أسرتنا .. نشأنا في بيت به العطف الكبير على الفقير وأختطلنا في التكية النقشبندية بالدراويش.. وذلك فضلا عن دور القراءة والثقافة " . أما" السعيد" رفيق الدرب في النصف قرن الأخير فيقول :" ظل يلازمه منذ الطفولة الإعتقاد بأن خدمة الناس جزء من عبادة الله و أن الله خلقنا لهذا .. وحقيقة لم يكن خالد يعرف الكراهية لأحد كان .. وهذا وذاك بلاشك تأثير النقشبندية ".

ولعل "خالد " كان متحديا للصورة النمطية الظالمة التي حاولت بها السلطات الرجعية وضع اليسار في تناقض مع الدين . وقد طاله هو شخصيا الكثير من حملات التشهير الجائرة عندما كان يختلف في السياسة مع الاستبداد في هذا العصر أو ذاك . وقد لا يعلم الكثيرون أن الرجل كان يترأس بعثة حج مجلس الأمة في عقد الستينيات ،وأنه استقبل المفكر الفرنسي اليساري "روجيه جارودي " خلال زيارته لمصر في نوفمبر عام 1969 بعبارة :" المسلم يسعى لتطبيق العدالة الإجتماعية بطرق مختلفة وفق اختلاف العصور .. وربما يحققها في المستقبل عن طريق ما بعد الإشتراكية ". ويستحق كتيب أصدره في نهاية عقد السبعينيات بعنوان " الدين والإشتراكية " الإهتمام لفهم قدرته على الجمع بين الإثنين .ووفق ما قاله في هذا الكتيب فإن محاولة الفهم الأعمق لكل من الفكر الإشتراكي وتعاليم الدين جعلته يدرك أنه يسير في طريق واحد لا في طريقين . وثمة عبارة أخرى في هذا الكتيب تنطوى على ربط بديع بين الدين والديموقراطية والعدالة الإجتماعية تقول :" إن الدين والقيم الدينية ضرورة لمجتمعنا فهي بما تتضمنه من وازع اخلاقي تقوم على الرحمة والمودة والعدل واحترام الغير وبما تلقنه لجماهير المؤمنين أن لا تخشى إلا الله وحده ، وإن أي طغيان أو تحكم انما هو محاولة لمشاركة الله في جبروته، وان على الإنسان أن يقاوم الظلم والظالمين بيده ولسانه وقلبه ".

لكن هل ندم "خالد" على إنحيازه في عام 1954 الى الديموقراطية وعودة الجيش الى ثكناته ؟.. الإجابة بحثنا عنها في كتابه " مستقبل الديموقراطية في مصر " الذي صدر بعد أزمة مارس بثلاثين عاما ( أي في عام 1984 ) فجاءت في قوله :" نكتشف كل يوم بل كل ساعة أن المدخل لكل ازماتنا الاقتصادية والاجتماعية والوطنية يبدأ بحل أزمة ومشكلة الديموقراطية ". أما الزميل " حسين شعلان " فقد كشف لنا عن سؤال وإجابة طلب فارس الثورة والديموقراطية عدم نشرهما عندما أدلى اليه بحديث صحفي في مطلع التسعينيات بمناسبة ذكرى ثورة يوليو .

سأله " حسين " :" لو عادت أزمة مارس 54 الآن وعلى ضوء خبراتك التي اكتسبتها في هذا العمر هل كنت ستتخذ نفس الموقف؟

فأجاب : نعم .

التعليقات
press-day.png