رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

باسل رمسيس : عن ثورة النساء وإسقاط مرسي

في يوم الخامس من ديسمبر الماضي، يوم المواجهات العنيفة أمام قصر الاتحادية، وردا على الهجوم المسلح من قبل ميليشيات الإخوان، وسقوط ضحايا من المتظاهرين بأسلحة الجماعة، شوهدت إحدى الفتيات في ميدان روكسي، مرتدية بنطال جينز، تغطي وجهها بكوفية، أخذت مسدس خرطوش من أحد الموجودين، وبكل ثقة بدأت في إطلاق الخرطوش باتجاه الميليشيات الإخوانية.
الرجاء عدم نسيان هذا المشهد.
هل يلاحظ القارئ ظاهرة الشابات، الجامعيات أو غيرهن، اللاتي يخلعن الحجاب ويشاركن في كل فاعليات الثورة؟ هل يلاحظ الكثير من وجوههن الجديدة والشابة التي تنضم لهذه الثورة كل يوم؟ وهل يلاحظ حالة "الفك"، أو البعد عن التزمت فيما يخص التابوهات التقليدية، ومن ضمنها الجنسية، في سلوك الكثيرات منهن؟ هل تكون هذه الحالة مجرد رد فعل علي نموذج الإسلام "المخلط"، السعودي/الإيراني/الأفغاني، الذي يود البعض فرضه علي مجتمعنا عبر السلطة؟ أم أن "الفككان" سمة طبيعية ملازمة لهذا النوع من الثورات؟
لنترك الأسئلة دون إجابات.
كانت المظاهرة الأولي التي شاركت بها عام ١٩٩١، في جامعة عين شمس، ضد حرب الخليج الأولي. حاولنا كسر بوابة الجامعة الضخمة من أجل الخروج إلي الشارع. وفي الصفوف الأولي كانت هناك العشرات من الطالبات المحجبات، يهتفن، ممسكات، بقبضات قوية بالقضبان الحديدية للبوابة، يحاولن كسرها. وحين تتأملهن تدرك أنهن الأكثر احتياجا لكسر البوابة، والخروج إلي الشارع. وكلنا نعلم أن هذا المشهد قد تكرر مئات المرات قبل هذا التاريخ وبعده.
مرت عشرون سنة، وفي يوم ٨ مارس ٢٠١١ خرجت مظاهرة نسائية صغيرة إلي شوارع وسط البلد، للاحتفال بأول يوم عالمي للمرأة بعد سقوط مبارك، وللمطالبة بحقوق النساء المصريات. تم التحرش بهن، وضرب بعضهن من قبل مجهولين. كان يتم تسمية المجهولين وقتها بهذه التسمية المبهمة، الطرف الثالث!! وتجاه العنف والتحرش اضطرت النساء المشاركات في النهاية إلي فض مسيرتهن.
في نفس اليوم الذي تمت الاشارة إليه من قبل، يوم مواجهات الاتحادية، وقبل لحظة الفتاة الممسكة بمسدس الخرطوش، ينتشر فيديو لشاهندة مقلد.. واحدة من أبرز رموز النضال والرفض منذ أواسط الستينات، بعد اغتيال زوجها "صلاح حسين". مر علي شاهندة مقلد ثلاثة رؤساء. لم يجرؤ أي من خادمي هؤلاء الرؤساء أن يضع يده علي فمها ليسكتها، ولو كانت مسجونة في واحدة من الزنازين الكثيرة التي زارتها. لكن.. يوم الخامس من ديسمبر، يأتي هذا العملاق، ذو الكرش الضخم، والوجه الميت، من ميليشيا الإخوان، ليضع يده علي فم شاهندة مقلد، متباهيا بقوته في مواجهتها - لأ راجل يا واد!! - وحين تدفعه شاهندة مقلد، تستطيع أن تلمح الخوف علي وجهه.
أعذروني علي هذه النقلات في الزمن، ولنعد إلي الأسابيع الأولي من الثورة. خرجنا للتو من الثمانية عشر يوما الأولي، الجميع يتحدث عن شجاعة النساء المصريات ومبادراتهن في إسقاط مبارك. الجميع!! ومن بين هذا الجميع الذي يردد "كلام الإنشا"، المجلس العسكري وتجار الدين، ومن بينهم الإخوان المسلمون.
المجلس العسكري يردد أحاديث عن: "المرأة المصرية العظيمة، التي شاركت في الثورة العظيمة، التي حماها وشارك فيها الجيش العظيم، بقيادته العظيمة". وفي نفس الوقت يقوم بتعذيب الفتيات اللاتي شاركن في الثورة، داخل المتحف المصري الذي تم تحويله لثكنة عسكرية بقيادة الرويني. يقوم بتعريتهن، واختبار عذريتهن. ومن بينهن تخرج سميرة إبراهيم، برغم "تقالة" العار والشرف المحملة بها من قبل ثقافة رجولية متخلفة، لتحكي عما حدث معها ومع زميلاتها، وكيف عاملهن العسكريون – الثوريون – باعتبارهن عاهرات بسبب ثوريتهن.
تمر الشهور وتستمر ممارسات ضرب النساء و تعذيبهن، والتحرش بهن. وتأتي اللحظة الحاسمة حين يكشف العسكر، رمزيا، عن أعضائهم الجنسية العظيمة، الهائلة ، في مواجهة الفتاة المنقبة التي طُحنت وعريت في الشارع أمام الجميع.
في هذه اللحظات إما أن تجبن أو تواجه. لم تتراجع النساء ولم يلتزمن بيوتهن، بل كان رد الفعل أكبر مظاهرة نسائية في تاريخنا المعاصر. تفتتحن المرحلة الحاسمة لهزيمة سلطة العسكر، وهو ما تم بالفعل.
طيلة هذه الشهور لم تتوقف النساء عن تشكيل اللجان والمجموعات التي تناضل ليس فقط من أجل حقوقهن كنساء، بل من أجل حقوق مجتمع كامل، من أجل أن يكون هذا المجتمع حرا وأكثر عدلا. نساء ينزلن الميادين والشوارع، ويشاركن في كل التظاهرات، بينما مظاهرات تجار الدين ضلمة.. رجولية... ملأي بالذقون والزبيب المزيف... ولا تجد بين صفوفها المنظمة سيدة واحدة!!
المجهولون، الطرف الثالث، يظهر عند الضرورة، ليستغل أحد أخطر أمراضنا الاجتماعية، التحرش الجنسي الجماعي، لبث الرعب بين النساء، كي يلتزمن بيوتهن، وتخسر الثورة نصف قوتها. والتحرش يتطور أحيانا للاغتصاب في الشارع، علي الأسفلت، علي الرصيف..!! ورد الفعل هذه المرة، يأتي من مجموعات الشابات والشباب الذين يطوفون الميدان والشوارع المحيطة لردع المتحرشين، وإنقاذ من يمكنهم إنقاذها من ضحايا التحرش.
صراحة لا أعلم إن كان تجار الدين وراء هذا الرعب أم لا، لكنني حقيقة لا أستبعده، وخصوصا حين تتأمل خطاباتهم وأفعالهم، فتجد أن الكثير منها لا ينبع إلا من "عقل صغير"، قطعة لحم موجودة بين أفخاذهم.. وقام العسكر بإشهارها قبلهم.
تأتي معركة الدستور واستفتاء العار. النساء يعرفن عدوهن، يتابعن مناقشات "مضاجعة الوداع" وتزويج الفتيات الصغيرات، بين بعض المرضي النفسيين من أصحاب اللحي في الجمعية التأسيسية المشبوهة. والأهم.. يرتعبن من هذه الجملة المطاطة التي ترهن كل حقوقهن بأهواء بعض المختلين: "بما لا يتعارض مع شرع الله". ويعلمن أن "شرع الله" وتفسيره، سيقع في "حِجَر اللي معاه رخصة التفسير". وغالبا ستنحصر الرخصة فيمن يملكون برنامجا تلفزيونيا في قناة مشبوهة، وذقنا تصل للمعدة.
النساء يعلمن ما تعنيه الفاشية الدينية أكثر من مثقفي النخب التلفزيونية.. ربما بحكم الغريزة. وتجار الدين يعرفون أيضا من هم أعداؤهم، يعلمون أن العدو لا ينحصر فقط في الطبقات الفقيرة والمهمشين، بل هو أيضا هذا الشئ "الضعيف".. النساء. فتغلق الكثير من لجان السيدات مبكرا، يمنعن من التصويت في حالات كثيرة. و يتكرر نموذج القاضي - أبو ريش منفوش - الذي يخاطبهن داخل اللجنة الانتخابية قائلا: (إزاي أحترمكم؟ فيه واحدة ست تسيب بيتها وتروح تصوت وتبقي محترمة؟) فيكون رد الفعل النسائي هو التظاهر وإغلاق الشوارع.
القول بأنها "ثورة النساء" ليس تقريرا إنشائيا أو انفعاليا أو عاطفيا. عليك فقط أن تتأمل ما حدث، وما يحدث كل يوم.. وأن تتأمل مبادرات النساء، كيف تولد، وكيف تتطور.
قبل أيام قليلة، ولأسباب مهنية، شاركت مجموعة من عشرين فتاة وسيدة العمل خلال ثلاثة أيام. هن من ضحايا ما يسمي بالاتجار بالبشر، من مناطق الحوامدية ومنيل شيحة، تم تزويج بعضهن قسرا بهؤلاء "العواجيز الخلايجة" الذين يأتون لمصر من أجل السياحة الجنسية الشرعية، وبعض الزيجات لم يستمر لأكثر من ساعات قليلة. وتدرك من التفاصيل أن من "صارعوا" كي يسمح الدستور بزواج الفتيات الصغيرات، كانوا يجاملون أسيادهم الخلايجة، كي لا يضطروا إلي عقد الزيجات في الظلام، وكي لا يضطروا إلي اللجوء إلي سماسرة الزيجات.
حين تتأمل هؤلاء النساء بفقرهن، وتستمع لقصص القهر والعنف والاغتصاب وكل أشكال الاستغلال، تعي أنهن القوة الأساسية ذات المصلحة في هذه الثورة، وتعي أنهن يعرفن من هو عدوهن.. من يقهرهن، يستغلهن، ويتاجر في لحمهن، وإن كان تحت عنوان شرع الله.
يوما بعد يوم تدرك النساء المصريات ضرورة إسقاط الفاشية الدينية، بممثلها الفرعون مرسي.. أنهن على وعي بمعني كلمة الإسقاط، التي تتردد في الشارع، والتي لا تتردد بين من يرون أنفسهم "معارضة نزيهة" ومناسبة "للعملية الديمقراطية النزيهة". إنهن على وعي بأنهن، مع أكثر الرجال فقرا وقهرا، سيوجهون الضربة القاضية ضد سلطة تجار الدين.. سينجزون مهمة إسقاط نظام مبارك أبو دقن.. وأنه لا مجال للتسامح المرة القادمة.
نعم، هي ثورة النساء.. ولا تنسوا الذي كتب علي أسوار الاتحادية: نون النسوة "......" يا مرسي.

التعليقات
press-day.png