رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

باسل رمسيس يكتب : أن يدخل البابا التاريخ

ذهبت قبل أسابيع قليلة لزيارة أحد الأصدقاء في قريته، شبين القناطر. عند مدخل القرية وضعت يافطة كبيرة من القماش، تقول: (أقباط شبين القناطر يدينون الفيلم المسئ. ويؤكدون احترامهم للرسول الكريم صلي الله عليه وسلم)!! هل كتب مسيحيو القرية هذه العبارة: "صلي الله عليه وسلم"؟ تذكرت وقتها أحد التصريحات المجانية للبرلمانية "جورجيت قليني" - التي عينت من قبل سلطتي مبارك والمجلس العسكري في مجلس الشعب - أيام أزمة الفيلم المسئ، قالت أن الأقباط سيمولون فيلما عالميا عن حياة الرسول!!
أثناء نفس الأزمة، خرج الأنبا موسي، أسقف الشباب، قائلا أن البابا شنودة قد جاءه في المنام، وكان مستاءا من الفيلم ومن صانعيه!! هل من المفترض أن أصدقه؟ شرط التصديق هو أن ألغي عقلي تماما. وأمتنع عن بعض الأسئلة، التي من بينها: إن كان البابا المتوفي قد شاهد الفيلم؟ علي أي موقع قد شاهده؟ هل يأتي البابا في المنامات بالأمر وفي الوقت المناسب؟ لماذا لم يظهر البابا وقت تهجير المسيحيين من قراهم الذي تكرر عدة مرات؟ ألم يأت للبابا السابق، أثناء حياته، وفي المنام، أي بابا آخر متوف، ليقول له ألا يدعو أعضاء المجلس العسكري لقداس عيد الميلاد بعد مذبحة ماسبيرو؟
ويظل السؤال الجوهري هنا: هل نتجاهل كون الأنبا موسي هو المسؤول عن الشباب في المؤسسة الكنسية؟ وهل صدقه أحد شباب القرن الواحد والعشرين؟
هذا النص لا يتناول هذه الروح التي من الممكن وصفها بالانسحاقية، التي ربما تعبر عنها هذه التفاصيل الثلاثة.. لكنه يحاول الاقتراب من مسألة السلطة الدينية وعلاقتها بالسياسة.
معضلة السلطة الثورية:
كيف تطلب من السلطة - أي سلطة - أن تكون ثورية؟ أن تثور علي ذاتها؟ هذه هي تحديدا معضلة هذا النص، الذي من المفترض أن يطرح تصورات عما نريده من البابا الجديد.
تجاه هذه المعضلة علينا أن نفترض فرضا من بين اثنين: إما أن الثورة قد انتهت، وبالتالي فنحن نعيش مرحلة إصلاح ما يمكن إصلاحه. وفي هذه الحالة عليك أن تطالب البابا – باعتباره رأس سلطة دينية – ببعض المطالب المحدودة، الممكنة، والتي تناسب حالة الإصلاح.
الفرض الآخر هو أننا مازلنا في ثورة، أو علي الأقل في حالة مد ثوري أو موجة ثورية. وأن هذه الثورة تقف علي التضاد مع بعض أنواع السلطات. هي في الأساس ثورة ضد نظام مبارك وتوابعه. المقصود بتوابعه سلطة تجار الدين الممثله في الإخوان المسلمون والرئيس مرسي. وفي نفس الوقت نعلم جميعا أن السلطات الدينية المختلفة قد لعبت ومازالت تلعب دورا أساسيا في تكريس النظام الذي استهدفت الثورة إسقاطه، أو علي الأقل تغييب الشعب وإلهائه عن الصراعات السياسية. وبالتالي فإن الثورة تعادي أيضا من يحاول الحفاظ علي النظام وتغييب الشعب.
هي معضلة في منتهي الصعوبة فيما أعتقد. وحلها الوحيد بناءا علي قناعاتي الشخصية هو تبني الافتراض الثاني..أي أن أقوم بالتسليم بما اعتقده، والبناء عليه.. أن هناك ثورة لم تنته، ومازالت في مرحلة عنفوانها، وستشهد مراحل جديدة. وأن هذه الثورة هي ضد السلطة السياسية بالأساس، إلا أنها تصيب أيضا كل أنواع السلطات الأيديولوجية/الدينية، التي تتحالف مع، أو تقف في صف هذه السلطة السياسية.
كيف تطالب سلطة ما أن تعدل من أدائها، كي تثور علي ذاتها، وألا تحاول إجهاض محاولات من يثورون أو سيثورون ضدها؟
مع بعض التواضع نستطيع أن نصل إلي نقطة مقبولة نسبيا، وهي أن: "الشعب لا يريد إسقاط السلطة الدينية"، وهي سلطة الكنيسة في هذه الحالة تحديدا. لا أعتقد بأن هذا الإسقاط هو هدف منطقي. الهدف المنطقي، المرحلي، والمنسجم مع روح ثورتنا ربما يكون تحجيم هذه السلطة الدينية.. أن تكون سلطة دينية وروحية وفقط. أن تلعب دورا في تنظيم الحياة الروحية للأفراد، وفي علاقتهم بالكنيسة أو علاقتهم بربهم. وألا تطمح إلي أي دور آخر أوسع من هذا الدور.. ألا تتطلع إلي ما وراء "الشباك" لتحاول تنظيم علاقة الأفراد بمجتمعهم أو بنظامهم السياسي.
لن أدعي السذاجة، ولن أنكر أن هذا الهدف في حد ذاته يعني بالضرورة إضعاف السلطة الدينية.. إضعاف سلطة الكنيسة.. أي فقدانها لسطوتها وامتيازاتها العديدة التي حصلت عليها خلال العقود السابقة، بصفتها الممثل الشرعي والوحيد لملايين من المسيحيين.
دور المفتي المسيحي:
ربما يبدو من القسوة أن يوضع هذا العنوان الفرعي.. هل البابا مفتي؟ وهل المسيحية تحتمل فكرة الإفتاء؟ الإجابة البسيطة تفترض النفي. إلا أن الإجابة الواقعية من زاويتي تقول بأن البابا المتنيح "المتوفي"، البابا شنودة، قد اقترب في أواخر أيامه، من لعب هذا الدور، إلي تضيق الخناق ومجال الموقف الفردي المستقل علي جمهور المسيحيين للدرجة التي تجعلهم ينتظرون الكلمة المقدسة.. الفتوي من فم البابا.
تراوحت درجة خطورة هذه الفتاوي التي كانت تخرج من أفواه البابا أو رجاله المقربين خلال الأعوام الماضية. ووصلت إلي درجات شديدة الخطورة في بعض اللحظات المحورية. علي سبيل المثال بعد يومين فقط من بداية الثورة، حين قال البابا عشية جمعة الغضب أن التظاهر حرام، وأن معارضة مبارك غير واجبة.. داعيا المسيحيين لعدم المشاركة في التظاهرات!!
أعتقد أن هذه الفتوي هي مقتل البابا شنودة النهائي، بالنسبة للآلاف من الشباب الكنسي، كسلطة روحية. تحولت صورته في هذه اللحظة بالنسبة إليهم من صورة القائد الروحي إلي صورة الموظف في نظام مبارك، الذي يقوم بتفصيل الفتاوي التي تناسب السلطة السياسية، ويحاول إنقاذها. وكان الخروج عن البابا ومعارضته علانية في هذه اللحظة ضرورة ثورية، مارسها عشرات الآلاف من المسيحيين الذين شاركوا في الثورة كمواطنين مصريين رافضين لفتاوي البابا ولسلطة مبارك.
هل يتذكر الذين يمرون أمام الكاتدرائية المرقصية بالعباسية ما كان يوضع في مدخلها في مواسم الانتخابات والاستفتاءات؟ هذه اليافطة الموقعة باسم أحد أقطاب عائلة "بباوي"، العضو في الحزب الوطني، وكانت تشير إلي: "كذا مليون مسيحي مصري يبايعون مبارك.. أو يؤيدون الحزب الوطني"، بناءا علي نوع المناسبة السياسية؟
أن تلعب السلطة الدينية المسيحية دور المفتي السياسي، هو الخطوة التالية لقبولها بأن تكون المتحدث الشرعي والوحيد باسم المسيحيين. اضطرت الكنيسة إلي لعب هذا الدور – دور المتحدث الشرعي - مدفوعة إليه تحت ضغط السلطة. نعم.. لكن القول بذلك وفقط هو قول منقوص، لأن هذه السلطة الدينية/الروحية قد سعت أيضا إلي لعب هذا الدور.. أعجبت به، ورحبت به، وسعت إلي تقويته وتكريسه. خلال عقود طويلة وجدت أن مصلحتها تلتقي مع مصلحة السلطة السياسية. الأخيرة تريد تحجيم هؤلاء الملايين، أن يدخلوا الحظيرة وألا يغادروها أبدا. تريد تقليص الفئات الاجتماعية التي تواجهها وربما تثور أو تنتفض ضدها. والسلطة الدينية، كأي سلطة أخري، قالت "يا أهلا وسهلا"بتوسيع الصلاحيات.. الرعية بتزيد، البرستيج بيزيد.. والامتيازات بتزيد.
حين تسأل بعض العالمين ببواطن الكنيسة عن الفساد المالي داخلها تجد رد فعل بين اثنين: إما الصمت والتهرب من الإجابة، أو الإجابة المقتضبة بأنه نعم، هناك فساد. لكن.. لا أحد يعطيك معلومات واضحة عن هذا الفساد!! وبالتالي يستحيل الحديث عنه لغياب المعلومات الموثقة. ويصعب الحديث كذلك عن الفروق المالية الشاسعة بين كنائس المناطق الغنية والفقيرة، وحالة الكهنة – ممثلي السلطة الدينية الأكبر - في الحالتين. أكتفي بالإشارة إلي ما قاله لي أحد العارفين "العلمانيين" داخل الكنيسة، بعد إسقاط مبارك ببضعة شهور: "كل اللي ممكن توصف بيه سلطة مبارك موجود في السلطة الكنسية"!!
لتجنب اللبس عليّ أن أشير إلي أن مصطلح "العلماني" يطلق في الكنيسة علي نشطاء الكنيسة، الذين يمارسون أدوارا قيادية دون أن ينتموا للسلك الكهنوتي. وعودة لمسألة الفساد المضببة، فإن وجود الفساد منطقي لغياب الشفافية، ولأنه ملازم لأي منظومة سلطوية غير شفافة مبنية علي منطق الولاء. دون إغفال أنه غالبا ما تتم رعاية قدر من الفساد في هذا النوع من السلطات بهدف سيطرة رأس السلطة علي تابعيه. نعم.. السيطرة وكسر العين، وضمان عدم التمرد. وهو النموذج الذي تكرر في تجارب سلطوية أخري، حتي وإن وصف رأسها بأنه قيادة شريفة، لا تنتفع شخصيا علي الجانب المالي.
ماذا يريد الإخوان من البابا؟
إن كان هذا هو الوضع باختزال شديد، ماذا يريد الإخوان من السلطة الكنسية؟ الإخوان يريدون من البابا الحالي أن يلعب نفس الدور الذي لعبه البابا السابق وقت مبارك، تجاه رعيته وتجاه المجتمع.. مضروبا في اثنين.. أن يتضخم ويكون أكثر سطوة. أن يقوم البابا بتحجيم "الأهل والعشيرة" المسيحية، وأن يحبسها أكثر داخل أسوار الكنائس، داخل الحظيرة الدينية. يريدون أيضا أن يساعدهم البابا الجديد في ترك باب الاحتقان والعنف الطائفي مفتوحا، كي يتم استخدامه عند الضرورة. يريدون هذا مقابل بعض الصلاحيات "المدنية" الأوسع للبابا تجاه رعيته.
بكلمات أخري.. يريد الإخوان المسلمون متحدثا رسميا باسم المسيحيين، في مشروع تأسيس دولتهم الطائفية.. أن يضعوا كل طائفة، أو فريق.. أو فئة اجتماعية في شوال.. ويتم اختيار المتحدث باسم الشوال. تقوم بإخراج هذا المتحدث من الشوال المعني مقيدا، ليتحدث باسم الساكنين في الشوال. وأن يكون الحوار مؤسسا دائما علي أرضية دينية وفقط، ليعود إلي شواله مرة آخري!! وهنا تكمن المشكلة.. أن الحوار المؤسس علي أرضية دينية بعيدا عن المشاكل الحقيقية للمجتمع، وبعيدا عن المصالح الاجتماعية المتناقضة بالضرورة، سينتصر فيه دائما الدين الرسمي للأغلبية، في أسوأ تجلياته. أي في صورة الإسلام المخلط "السعودي/الإيراني/الأفغاني" التي يحاولون فرضها.
تصوري هذا مبني علي تفاصيل كثيرة، وأيضا علي فهم محدد لطبيعة سلطة محمد مرسي.. أن "توابع" نظام مبارك، الذي لم يسقط، والذي ارتدي مؤقتا الذقن والزبيبة، ذو طبيعة فاشية، وبحكم هذه الطبيعة نفسها، بالإضافة لعوامل آخري، لا يملك حلولا حقيقية، أو طرقا في التعامل أكثر شفافية وديمقراطية مع الأقليات أيا كان نوعها، ومع مشاكلها.هو يسعي لنوع من أنواع التوحيد المجتمعي في سياق فهمه الخاص للدين والسياسة والاقتصاد.
لكنه بهذا الشكل سيدخل في صراعات مع السلطة الكنسية نفسها بهدف تطويعها أكثر فأكثر لمصالحه ولنموذج دولته الفاشية. إلا أن السلطة الكنسية لم تعد حرة بالكامل، فهي تواجه أيضا ضغط مجتمعها وشبابها.. تواجه التغير الحتمي في القيم والأفكار، ويفرض عليها المواجهة. وهو ما سينتج صراع سلطات. وأعتقد أن صراع السلطات هذا من الممكن أن يكون في صالح قوي الثورة، وتستطيع الاستفادة به. لذلك فعليك أن تعذرني قداسة البابا إن لم أفزع حين تحدث مواجهات بين سلطتك وسلطة المرشد أو سلطة ممثله في قصر الاتحادية.
ماذا نريد نحن من البابا؟
يبدوا أنني نسيت ما أود مطالبة البابا الجديد به كمواطن مصري يتطلع إلي أن تنجز هذه الثورة مهامها!!
مطلبي الوحيد الممكن من البابا تواضروس هو: أن يسهل دخوله التاريخ.. التاريخ الحقيقي، وليس مجرد هذه القائمة الطويلة للباباوات، التي ستشير إليه باعتباره البابا الأول المنتخب للكنيسة المصرية بعد ثورة يناير.
ولكي يدخل البابا التاريخ عليه أن يرفض بوضوح وبصرامة هو وباقي أركان سلطته الدينية هذا النموذج الفاشي الذي تود السلطة السياسية فرضه.. بل والمشاركة في النضال ضده لكسره وهزيمته. أي العمل علي فتح الباب أمام دولة المواطنين الأفراد المتساوين، دولة ينتمي فيها الأفراد – طواعية - إلي جماعات مهنية، طبقية، سياسية، وعمرية..وليس دينية، ويمارسون مواطنتهم عبرها.
رفض الطائفية وهزيمتها يتأتي عبر رفض كل تعبيراتها.. عبر رفض فكرة "الأشولة".. الشوال الصغير داخل الشوال الكبير، أو الدولة الصغيرة داخل الدولة الكبيرة.
ومصطلح "الدولة الصغيرة" هنا لا يحمل أي مبالغة. فكيف يمكننا فهم – علي سبيل المثال - هذا التضخم في دور مدارس الأحد والمؤسسات الكنسية الآخري سوي عبر هذا المصطلح؟ أن تحل الدولة الصغيرة محل الدولة الكبيرة الفاسدة والغائبة.. وأن تلعب دورها المفقود.. أن تقدم مختلف الخدمات لشعبها.. كي يتم تحجيم غضبهم ضد الدولة الكبيرة، وتسكينه.
فيكون رفض الطائفية عبر الكثير من الخطوات، من ضمنها تقليص دور دولة مدارس الأحد. أن يتم تشجيع المسيحيين علي المشاركة المجتمعية والسياسية كمواطنين مصريين.. وليس كمسيحيين. أن ينتهي دور المفتي تماما، وخصوصا أنه من المستحيل أن يكون مجديا بعد هذه الثورة، بالرغم من الرعب المسيحي والمجتمعي من فاشية تجار الدين.السبيل الوحيد لحماية نموذج المفتي، وأن يكون مجديا، ومستمرا في الحياة، هو أن تقضي علي العشرات من المجموعات التي تضم الآلاف من الشباب القبطي المتمرد، الذين يريدون من الكنيسة أن تلعب دور المنظم الروحي وليس السياسي. وهذا مستحيل تماما. فشل فيه البابا السابق وسيفشل في إنجازه أي بابا آخر.
وهنا.. علي أن أعود قليلا للوراء كي أكون منصفا، للإشارة إلي احتمالية وعي السلطة الكنسية بهذا التغير الثوري العميق الذي حدث في المجتمع، وحدث كذلك بين من يسمونه بالرعية. فخلال أقل من ٤٨ ساعة وجهت الكنيسة ضربتين قويتين لنموذج الدولة الطائفية. الضربة الأولي تمثلت في بيان الكنائس الثلاثة للانسحاب من التأسيسية.والضربة الثانية تمثلت في خطبتي الأنبا باخوميوس والبابا تواضروس يوم تنصيب الأخير. في كلا اللحظتين تم تقديم خطاب جديد تماما، خطاب مواطنة وشعب.. وليس خطاب طائفة أو رعية.
وإن كانت بيان الانسحاب من الجمعية التأسيسية يؤكد علي أن سبب الانسحاب هو أن مسودة الدستور لا تعبر عن طموحات الشعب المصري بعد ثورته.. علينا إذا أن نمد الخط علي استقامته.. فطموحات المصريين لا تتواءم أيضا مع أن تكون أحد قطاعاتهم، المسيحية في هذه الحالة، مرهونة في مختلف أحوالها بسلطة مزدوجة، دينية وسياسية.. وأن يعيش هذا القطاع تحت رحمة سلطتين.. سلطة البابا – دينية وسياسية في نفس الوقت – والأخري النظام السياسي المفروض علي الجميع. لا يجوز في سياق ما هو جديد، وفي سياق طموحات الشعب المصري، أن يعين أي أحد في المجالس الشعبية المفترض انتخابها، حتي وإن كان هذا المعين أو المعينة أفضل من جورجيت قليني. فهي أو هو، أو أيا كان الفرد، ليسوا بمرجع سياسي، ونحن لا نريد ولا نحتاج لأي مرجع سياسي. الاتفاقات الجانبية في الغرف المغلقة بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، وتدليس الأولي للأخيرة، لا يحمي الطائفة. فالطائفة الضعيفة تُحمي فقط في دفء المجتمع بفئاته وطبقاته المختلفة، وفي دفء نضال هذه الفئات والطبقات من أجل مصالحها وحريتها الكاملة. والطائفة الضعيفة تُدهس إن تصور الفرد أنه سيحميها، وحين يتصور أنه يعي مصالحها أكثر منها.
قداسة البابا: دخول التاريخ من بابه الواسع يأتي عبر تسهيلك لمهمة تقليص سلطتك ذاتها وتحجيمها، بوعي وإدراك للمسار التاريخي الذي نسير فيه. وغالبا فإن هذا المسار التاريخي يفرض علي كل السلطات الدينية أن تتقلص.. أن تكتفي بكونها روحية.. وبروتوكولية وفقط.
لقد تغير الزمن.. سقط مبارك.. وهاهي القيم المجتمعية تتطور وتتقدم كل يوم.. وفي كل يوم تطرح كل التابوهات للحوار والمناقشة والتشكيك، غصبا عن بواقي نظام مبارك وتوابعه، وغصبا عن كل تجار الدين الذين يريدون إيقاف المسار التاريخي، وتجميده، أو إعادته إلي القرون الوسطي.
قداسة البابا.. إن كنت تريد دخول التاريخ حقيقة فاكتفِ بألا تكون عائقا أمام هذا التطور.. إصدر فتواك الآخيرة.. بأنك رجل دين وفقط.. وبأنه لا يحق لرجال الدين الحديث في السياسة، أو اللعب في ملاعبها.

نشر في العدد الأخير من مجلة الطليعة

التعليقات
press-day.png