رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

باسل رمسيس يكتب: سعاد وألمودوفار.. ويسري نصر الله

جالسة بالقرب من المائدة الخشبية في مطبخه "الأوروبي".. تتأمله بنظرتها الحزينة.. دون أي تعديل علي طريقتها التقريرية في حكيها لقصة صديقتها.

يعرف هذه الصديقة جيدا، "سعاد"، لها من العمر ما يقارب عمر أمه، أي حوالي السبعين عاما.

عرفت رجلا وأحبته قبل اعتقاله مباشرة أواخر الخمسينات.. تنجح طيلة ستة أعوام، هي فترة الاعتقال، في التحايل علي إدارة السجن، والمباحث العامة - الاسم السابق لمباحث أمن الدولة، وللأمن الوطني فيما بعد - لزيارته، برغم انعدام الرابط العائلي الرسمي. يتزوجان بعد الإفراج عنه، وينجبان فتاتين. رغم وفاة الزوج منذ أكثر من عشرين عاما، مازالت ترتدي ثيابها السوداء، ولا تخلعها أبدا. تذهب للتظاهرات، لعروض الأفلام، أو للندوات اليسارية.. تحاول باختصار أن تشغل وقتها.

تعيش وحيدة بشقة قديمة من شقق وسط البلد، وسط القاهرة المزدحم. أحضرت كلبا ليشاركها المنزل، كي تتونس بنباحه.

وحين تشح المظاهرات أو الندوات، ويتضاعف شعورها بأن المنزل هو عدوها، ولا تجد ما تفعله، تخرج إلي الشارع متجهة لمحطة الأوتوبيس القريبة. تجلس هناك وحيدة لساعات.. تتأمل السيارات و العابرين.

الحرية الوحيدة المتاحة هي محطة الأتوبيس. هناك لن تلفت الانتباه، و لن تتعرض للمضايقة.

آلمته القصة وهو يتخيل أمه مكانها، بعد رحيل أبيه عام ٢٠٠٧. ربما آلمه أيضا تخيله لذاته مستقبلا.

كان قد أنهي طعامه لحظتها.. لكنه أستمر في النظر إلي الصحن الفارغ، والهرب إلي بواقي الطعام العالقة به، كي لا يتطلع مباشرة لعيني أمه.

وتساءل: لماذا لا يحكي ألمودوفار، أو يسري نصر الله، هذه التفاصيل؟ بما إنهما يفهمان النساء أكثر من الآخرين.

كان قد عايش هذه اللحظات كثيرا، منذ هجرته إلي مدريد، أواخر التسعينات.

هذه اللحظات التي يحضر فجأة اسم المخرج السينمائي "بدرو ألمودوفار"، بين مجموعة من الناس، ويتحول إلي مادة للحوار.. وبغض النظر إن كان استحضار الاسم قد أثار نقاشا جادا أم لا، ستجد دائما واحدة من النساء الحاضرات، تكرر نفس الجملة التقريرية، التي لا يعرف من كان الملعون/الملعونة، الذي/التي، أطلقها/أطلقتها، للمرة الأولي. جملة قيلت آلاف المرات منذ فوز "المخرج العالمي" بعدد من الجوائز الهامة بفيلمه "كل شئ عن أمي". وتحولت إلي حقيقة مسلم بها، شئ أشبه بـ"العلامة التجارية المميزة"، ولا تجرؤ علي مناقشتها أو التشكيك في صحتها.. "كم هو بارع ألمودوفار في فهمنا نحن النساء".

عادة ما تكون مرددة العبارة واحدة من نساء الطبقة الوسطي، تقترب من الأربعين، أو تجاوزت هذا العمر بسنوات قليلة. وغالبا فسوف تكسي وجهها، أثناء قولها لهذه العبارة، بابتسامة الحكمة واليقين، وبعض التواضع. كيف لك إذا أن تتحدي هذه الابتسامة؟ هل لديك الشجاعة أن تشكك في هذه الحكمة؟ أن تناقشها؟ أن تتساءل عن نوع الشخصيات التي يفهمها ألمودوفار؟

أمس الأول، بعد أن رحلت أمه، وعادت إلي القاهرة، ذهب لمشاهدة فيلم يسري نصر الله الأخير، "أحكي يا شهرزاد". تم تقديمه للجمهور الإسباني بعنوان آخر.. إكسوتيك جدا.. "نساء من القاهرة"!

أنتهي الفيلم، غادر قاعة العرض، بصحبة إحداهن. لم يتحدث كثيرا، كان يستشعر رائحة ألمودوفار حاضرة، مسيطرة منذ اللحظات الأولي للفيلم المصري، وحتى نهايته.

ابتسم كالأهبل، متخيلا المحيطين بيسري نصر الله، وأصدقائه، وتابعيه، مرددين عبارة: "من أين ليسري نصر الله بهذه القدرة الرائعة علي فهم النساء!!" طالعته وشوش بعض هؤلاء المقربين، بابتسامتهم الحكيمة مع بعض التواضع، وهم يرددون هذه العبارة، فلم ينتبه للابتسامة العريضة التي تحتل وجهه، حتي نبهته إليها رفيقته. كالعادة، وبسبب ضعف تركيزه، راح ذهنه يتجول بين أفكار مختلفة، لا رابط بينها، حتي وصل لمحطة التهويمات الجنسية.. الفانتازيا مرة، أخري، والرغبة في زجاجة بيرة ساقعة !!

في صباح اليوم التالي، استيقظ علي تساؤل جديد، هل ألمودوفار، وبسبب كونه مثليا، هو ما يجعله يفهم النساء؟ أهو خارج النوع الجنسي – الجندر - بهذا المعني؟ ولأن الصداع كان يسكن رأسه لحظتها، ضاع السؤال.. وقرر أن يكتب نصا أدبيا لا يعرف تصنيفه "الجندري".

نظرت إليه "صوفيا"، بتعبيرات وجهها التي تجعلها تبدو وكأنها غاضبة علي الدوام، وسألته:

- لماذا لا تصنع فيلما به مشهد صديقة أمك في محطة الأتوبيس؟

- أنا لا أفهم النساء كما يفهمهم ألمودوفار.

ولم ينس خلال إجابته الواثقة والقطعية، أن يكسي وجهه بنفس الابتسامة الحكيمة لنساء الطبقة الوسطي، المثقفات.

ما الذي تفعله النساء المدريديات حين تسيطر عليهن رغبة الخروج من المنزل؟ إن كان طبعا هو المنزل الذي تعيش به المرأة.. وحيدة بعد وفاة الزوج، الذي كان أيضا الحبيب والرفيق الوحيد، خلال حياة مشتركة طالت عقودا؟ الإجابة السهلة التي مال إليها أن لديهن بلا شك الكثير من البدائل المجانية.

بينما كانت أمه تحكي عن مشهد سعاد الجالسة في محطة الأتوبيس، تستنشق الغبار وعوادم السيارات لساعات، كي لا تبقي وحيدة بالمنزل، كان يتصور أمه في هذا الموضع. لكن ذهنه المشتت جعله يخاف علي ذاته. هذا الخوف المزمن القديم، الذي استفحل مع الهجرة، وتضخم أكثر مع موت الأب، أن ينتهي وحيدا تماما، بلا أحد.

أسيعود وقتها للقاهرة؟ ليستنزف الساعات متأملا السيارات، المارة، والبيوت القبيحة، الرمادية أو الصفراء؟ ستكون الملايين التي تقطن القاهرة قد تضاعفت وقتها. لا داعي للمبالغة، فإن عدد السكان لو تجاوز الثلاثين مليونا، وفقط، فلن يجد طبعا أي مكان للجلوس في محطة الأتوبيس.

وهنا قام ذهنه بتعديل المشهد قليلا: (يري ذاته.. علي هيئة أبيه الجسمية.. يقف بالساعات.. ببيجامة مقلمة.. إلي جوار محطة الأتوبيس.. الحر يقتله، وعادم السيارات ينهش صدره ببطء، وركبته اليسري، ذات الإصابة القديمة تكاد تنفجر.)

فيما يخص أمه وسعاد، فإنهما منذ يناير ٢٠١١، يقضيان الوقت في الميدان، أو عند الاتحادية. يغادران الاحتجاجات حين تبدأ قنابل الغاز.. وقبل أن يختنقا. أما عن ألمودوفار ويسري نصر الله، فكلاهما يقوم بالإعداد لفيلم جديد.

باسل رمسيس

(نص مكتوب أول أغسطس ٢٠١٠، مع بعض التعديلات القليلة في فبراير ٢٠١٣)

التعليقات
press-day.png