رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: آفة حارتنا الاستيراد.. مرة أخري

كتبت سابقا عن موضوع الإستيراد موضحا لأنه سبب بلائنا و أساس أزماتنا الإقتصادية و الإجتماعية و السياسية. فمنذ أن إرتبط إقتصادنا بالإقتصاد العالمي ،و بالتحديد الامريكي، في سبعينات القرن الماضي و أخذ ذلك الارتباط في التنامي شيئا فشيئا الي الدرجة التي صار فيها الإستيراد إدمانا و تدخلت خيانات سياسية فأهدرت صناعات أقمناها منذ طلعت حرب و أضاعت زراعات برعنا فيها منذ محمد علي فتحول إقتصادنا من إقتصاد إنتاجي نسبي إلي إقتصاد إستهلاكي بحت نعيش فيه علي استيراد ما ينتجه الآخرون بدءا من السيارات و وسائل النقل و المواد البترولية إلي اللحوم و الأسماك و الدواجن و القمح و الذرة و الأرز و اللألبان و البيض و الشاي مرورا بالحديد و الألومنيوم و النحاس و القطن و الملابس الجاهزة و الورق و الثلاجات و التلفزيونات و المحولات و المنتجات الصيدلية و أجهزة الحاسب الآلي. نعم نحن تقريبا .. لا ننتج شيئا.

ولا دخل للثورة النبيلة في هذا كما يزعم الزاعمون الذين يبذلون من الجهد أقصاه لإيهام الناس بأن الثورة قد عطلت الإنتاج و هو زعم خاطئ تم ترويجه لأجل ترسيخ حكم عضود، فيدعون الناس للموافقة علي إعلان دستوري في مارس 2011 تحت دعاوي الاستقرار و عودة الإنتاج ثم يدعون الناس مرة أخري للموافقة علي دستور ،تحت دعاوي الاستقرار و عودة الإنتاج، يرسخ لدولة ثيوقراطية تحالفت فيها الفاشية الدينية مع البيروقراطية العتيدة و الدكتاتورية العسكرية، فلا عاد الإنتاج و لا تحقق الإستقرار لاننا ببساطة لا ننتج حتي من قبل الثورة حين تم تجريف كل شيئ و تجميد مصر تحت دعاوي الإستقرار التي كان "المخلوع" يسوقها علينا ليل نهار طوال أعوام حكمه الثلاثون فدمرنا تدميرا لتأتي من بعده مرحلة إنتقالية بالغة السوء تتنهي بأن يتسلم حكم مصر عصابة مغرورة محدودة الفكر و العلم و القدرة علي الإبداع و مجاراة العصر لتهوي بإقتصاد ريعي ،متهالك بالأساس، إلي قاع الإقتراض و التسول بما يضع إستقلال قرارنا السياسي رهنا بإرادة المقرضين و المانحين العرب و الدوليين.
ما حدث خلال العشر سنوات الأخيرة هو خير مثال علي ما أقول و إليكم حقائق تقتضي التوقف و التدبر ثم التفكر فالعمل الفوري:
- في عام 2003 حين كان تعداد المصريين 68.4 مليون نسمة، بلغ صافي إستيرادنا من اللحوم و الأسماك والقمح والذرة والأرز و الألبان و الشاي و السكر مبلغ 1,974 مليون دولار أي أن حصة الفرد الواحد كانت 28.8 دولار
- في عام 2012 حين وصل تعداد المصريين 87.1 مليون نسمة، بلغ صافي إستيرادنا من اللحوم و الأسماك والقمح والذرة والأرز و الألبان و الشاي و السكر مبلغ 9,750 مليون دولار أي أن حصة الفرد الواحد كانت 111.9 دولار
هل لاحظتم الفرق بين حصة الفرد من إستيراد المواد الغذائية فقط (اللحوم و الأسماك والقمح والذرة والأرز و الألبان و الشاي و السكر) التي زادت خلال عشر سنوات من 28.8 دولار الي 111.9 دولار اي بنسبة 288.9% و هو ما يحتمل تفسيرا من إثنين لا ثالث لهما، فإما أن الاسعار قد شهدت ارتفاعا أو أن حجم مانستورده من الخارج قد إزداد و انخفض ما ننتجه محليا. والواقع أن ما حدث كان بسبب إرتفاع أسعار تلك السلع بالفعل بنسب تتراوح ما بين 10 الي 15% فقط مع إزدياد نسبة مانستورده الي ماننتجه محليا من هذه السلع بنسب عالية للغاية.

وهنا يأتي السؤال السرمدي: هل يمكننا في ظل تدهور الوضع الإقتصادي وتدهور احتياطي النقد الأجنبي الي أسوأ مستوياته أن ننتج محليا ما نأكله فقط من اللحوم و الأسماك والقمح والذرة والأرز و الألبان و الشاي و السكر فنوفر بذلك سنويا ما يصل الي 10 مليار دولار تمثل نحو ثلث ما نستورده؟
الإجابة ستكون بنعم و دون شك (و لو علي مراحل) فمن غير المتصور مثلا أن تحيطنا مياه البحرين الابيض و الأحمر و تخترق أرضنا قناة السويس و نهر النيل العظيم و نستورد أسماكا من فيتنام!!!! نعم من فيتنام. زيارة بسيطة منكم لأحد متاجر التجزئة القريبة من منزلكم و ستدركون ما أعنيه. ولكن و ألف آه من لكن تلك.....هل تتوافر الارادة السياسية لأي رمز من رموز جمهورية "المهندس و البيطار و الشاطر الذي بينهما" لإتخاذ قرار وطني يحمي و يصون إستقلال البلاد؟ لا أظن.
مع الإعتذار لعمنا الكبير نجيب محفوظ: "آفة حارتنا الإستيراد". تلزمنا ثورة إقتصادية مدعومة برؤية سياسية تنحاز إجتماعيا لفقراء هذا الوطن التعيس ف.......ثوروا تصحوا.

التعليقات
press-day.png