رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

باسل رمسيس يكتب: عن الشبق الإخواني للعنف الطائفي

حالة لجوء:

نعم رحلوا.. هم بعض من عائلتي.. عدد من أبناء وبنات أعمامي وخالاتي. تركوا مصر خلال الأعوام الأخيرة، قبل وبعد الثورة.. في اللحظات التي كانت أمي تخبرني بأنهم هاجروا، كنت أندهش، ولكن في سياق الحد الأدني،فليس للمهاجر الحق في الدهشة من هجرة الآخرين. حتي مقدار الحد الأدني من الدهشة اختفي تدريجيا بعد الثورة، وكان هذا الاختفاء مصاحبا لبعض الأخبار التي يتم تداولها بأصوات خافتة داخل العائلة، عن حالات لجوء ديني من بين حالات الهجرة.

كان آخرهم منذ أيام قليلة. لم يكن طائفيا، أو كارها لهذا الشئ الغامض الذي نسميه بـ "الآخر”.. كان مجرد شاب لا يملك عملا، ولديه زوجة وطفلان. كان يشعر بنفس الرعب الذي سيطر علي الكثيرين، منذ استيلاء تجار الدين علي مفاصل السلطة. نعم.. كان يعاني من التمييز الديني من قبل الثورة، وتستطيع أن تتخيل – - ولو قليلا - مشاعره أمام مستجد واحد فقط من ضمن العشرات من المستجدات.. حين يجد أن العناصر التي مارست العنف ضد الدولة وضد الأقباط في الثمانينات والتسعينات قد أصبحوا نجوما سياسية وتلفزيونية، دون أن يتغير خطابهم الطائفي والعنيف. ربما تستطيع أيضا أن تفهم – ولو قليلا – ما يمكن أن يشعر به حين يتأمل العنف المتصاعد تدريجيا.. فيضطر للهرب قبل أن يصيبه هذا العنف أو يشارك فيه.

لا تنس عبارة " أو يشارك فيه"،لأنها مفصل هذا النص.

لا توجد معلومات دقيقة عن عدد المسيحيين الذين غادروا مصر بعد الثورة. ناهيك عن أي معلومات عن حالات اللجوء الديني من بينهم، والتي تقدم طلباتها إلي "مصلحة الهجرة" في البلد المضيف، بعد الوصول إليه. لكننا جميعا نعرف حالات ونصمت عنها. لا تهمني الأرقام حاليا، يكفيني أن أتخيل حجم الظاهرة من مراقبة عائلتي العادية.

دعني أوجه سؤالا إليك: أتنفر من هؤلاء الذين يهاجرون، ويقدمون طلبات للجوء الديني؟ أستطيع فهم نفورك. سؤال آخر: أتنفر أكثر أم أقل ممن جعلوا قطاعا هاما من المصريين لا يشعرون بأنهم في وطنهم، وأن حياتهم تتعرض للخطر طالما استمروا في العيش به؟

تأمل السؤال إن أردت.. لكن بعيدا عن الكليشيهات الوطنية التي تم ابتذالها خلال عقود.

شبق الانفجار:

يتحدث البعض عن مخططات دولية.. صهيونية، خليجية، أمريكية.. لتهجير الأقباط من الشرق الأوسط. البعض الآخر يتحدث عن سيناريوهات الـ "ميني دول".. دول صغيرة وطائفية في الشرق الكبير، حيث لإسرائيل السيادة والتفوق. إلي آخر هذا النوع من السيناريوهات التي سأتجاهلها جميعا، فأنا مثلك، لا أملك ما ينفي أو يؤكد.

لكنني علي يقين بأن أوروبا وكندا وأستراليا والولايات المتحدة لن تستوعب إجمالي عدد المسيحيين المصريين بين حدودها. لم تفعله مع أمثالهم من اللبنانيين، أو السودانيين، أو العراقيين. فلماذا تفعله مع المصريين والسوريين؟.

بالطبع سيغادر مئات الآلاف الإضافيين منهم. لكن أغلب المسيحيين سيبقي، ولن يغادر. وهذا هو السؤال: هل سيتورط الباقون أم لا؟ أتمني ألا تكون قد نسيت "المفصل"، العبارة الواردة من قبل: قبل أن يصيبه هذا العنف أو يشارك فيه.

أعتقد بأن هناك شبقا، أو رغبة إخوانية لتأجيج العنف الطائفي. ليس من أجل الإلهاء عن قضايا أخري مثلما يشيع البعض، فقضية النائب العام لا يتم الإلهاء عنها بهذه الطريقة. ولا يستهدف العنف تخويف الأقلية الدينية كي تغادر وطنها، فالإخوان واعون بأن مغادرة الجميع مستحيلة.. بالإضافة إلى أن "سيدهم" الأوروبي والأمريكي سيغضب من مثل هذه النتائج. لماذا إذا أتحدث عن شبق إخواني في عنف طائفي واسع النطاق؟

سأجيب مباشرة، ومن غير لف ودوران: لأن العنف الطائفي ضرورة إخوانية في سياق العنف الأهلي القادم.

يسمي البعض هذا القادم "الحرب الأهلية". وفي سياق الفانتازيا نتصورها مختلفة قليلا عن الحالة اللبنانية والعراقية، الطائفيتين بامتياز. ونردد عبارات لا توجد دلائل عليها مثل: “مصر مش لبنان ولا العراق".. “نسيج الأمة".. إلخ.. فتتحرك فانتازيا رعبنا من هذه الحرب في سياق مختلف.. في سياق نوع أكثر سياسية وأقل دينية، بين قوي اجتماعية ومجموعات ثقافية وسياسية مختلفة.

ماذا لو أعطينا هذه الحرب المرتقبة بعض البهارات الدينية؟ ماذا لو اكتست في بعض جوانبها الأساسية بصبغة دينية؟ بصراع بين مجموعات مسلحة مسلمة وأخري مسيحية. في هذه الحالة.. نحن أمام النجاح المطلق للإخوان.. أمام طوق نجاتهم.. أن يتورط المسيحيون في هذا العنف باعتبارهم مسيحيين، وليس كأفراد مواطنين داخل تيارات وأحزاب وطوائف وفئات اجتماعية مختلفة.

تسمح الصبغة الدينية للإخوان بالانتصار في سياق هذا النوع من العنف الأهلي. لأن هذا الرجل الجالس في بيتهم، والذي لم يكن يوما إخوانيا أو سلفيا، ولم ينتخب أصلا هذا الرئيس الذي يمثل قيم الفشل والفساد والاستبداد والطائفية وضيق الأفق.. حين يجد أن العنف ديني، ربما يتورط أكثر مع الإخوان، وربما ينتمي لخندقهم.. فصندوق الجهل مليان يا صديقي.

لا.. لا.. لماذا هذا التهويم والتساؤل عما سيفعله شخص افتراضي، لأصطحبك أنت لمدينة الفنتازيا، ولـ أسألك مباشرة: ماذا ستفعل أنت في دوامة العنف الأهلي والميليشياوي؟؟ هل ستترك الميليشيات المسيحية تنتصر في معركة ما علي الميليشيات الإسلامية، أيا كان نوعها؟ هل ستترك دين محمد مهددا؟

نعم.. يرغب الإخوان ورئيسهم وشاطرهم في الحرب الطائفية.. الوحيدة القادرة علي إنجاز الاصطفاف، وإنقاذهم.

توضيح آخير:

كتبت قبل أسبوعين في الفيس بووك عبارة : "متي يفجر الإخوان الكنيسة الأولي؟"!! كان لدي النية في الكتابة تحت هذا العنوان.. تأخرت الكتابة، وها هو المقال.. تغير اسمه إجباريا، بعد أحداث الخصوص والعباسية، وبعد أن تأملت شرطة مرسي والشاطر تضرب الكاتدرائية، ببسالة.

أتمني أن تكون قادرا علي نسيان لقبي، وما يشير إليه من ديانة "رسمية"، مدونة في البطاقة الشخصية، أثناء قراءتك لهذا النص.. لهذا الكابوس. فما هو مدون في البطاقة لا يعنيني، ولا يحدد هويتي.

التعليقات
press-day.png