رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

باسل رمسيس يكتب: بطاقته الزرقاء كـ متوفى .. كريم

يحمل في حافظته الجلدية بطاقة زرقاء.. علي أحد وجوهها يوجد اسمه بالكامل ورقم تحقيق الشخصية.. وعلي الجانب الآخر منها عبارة واحدة، مكتوبة بتأنق بالغ، وكأنها إعلان علي طريق سيارات.
تقول العبارة: «أنا متبرع».
لم تفارق البطاقة الزرقاء حافظة النقود منذ ما يقارب الأعوام العشر.. يبدو عليها القدم برغم عدم استخدامه لها.. استحالة استخدامه لها.. يحملها دائما حتى وإن غادر هذا البلد الأوروبي لأماكن أخري لا تفهم العبارة، أو ترفضها، أو تحرمها دينيا، أو غير قادرة علي الاستفادة منها.
لم يفكرا كثيرا، هو ورفيقته، قبل أن يملآ الاستمارة الرسمية الضرورية للحصول علي البطاقة، كي يتبرعا بجسديهما في حالة الوفاة.. ومن أجل الدقة، فهو ليس تبرعا بكامل الجسد، بل بالأعضاء الصالحة، التي من الممكن الاستفادة بها مع مرضي يحتاجونها، وفقط.
والبرتوكول المفترض بسيط.. في حالة الوفاة بأي شكل وفي أي ظرف، سيجدون البطاقة معه.. يحملونه إلي المستشفي الأقرب، حيث يبدأ نظام الاتصالات السريع، قبل تلف الجثة، لمعرفة الأماكن التي بها مرضي يحتاجون الأعضاء الصالحة.. يتصور هذا النظام ببساطة.. غرفة واحدة، في جانب منها عدد من الأطباء يلتفون حول جسده، يصرخون من حين لآخر إلي الجالسين علي تليفونات وكمبيوترات، في الجانب الآخر من الغرفة: الكبد قشطة، القلب معقول ممكن ينفع.. إلخ.
اعتادت الرفيقة أن تسخر من بطاقته، معلية من شأن بطاقتها، أو للدقة مرة أخري: معلية من شأن أعضائها. كانت تسأله ضاحكة: بماذا سيستفيدون؟ رئتاك فاسدتان بعد كل هذه الأعوام من التدخين المستمر.. لا يبدو أن قلبك يعمل بكفاءة.. عيناك تعانيان من ضعف البصر وبهما حساسية، دون إغفال الإستيجماتيزم طبعا.. أنت كـ عائلتك ضعيفو السمع .. أنفك كبير وحاسة الشم ضعيفة لديك.. أصيبت كلا قدميك بكسور.. معدتك لا تصلح بالتأكيد لأي شيء بسبب الحموضة، وغالبا ستصاب بالقرحة قبل موتك .. إلخ. وكانت تتجاهل الكبد، وتنسي الكليتين اللتين تعملان بكفاءة.
كان يرد علي دعابتها بالعبارة التي سيرد بها أي رجل، أيا كان، علي هذا النوع من الدعابات، بأن بإمكانهم الاستفادة من عضوه الذكري، الوحيد الصالح – مؤقتا – علي العمل بكفاءة. وحتى يخفف من الرد فكان يتحسر علي غياب الإمكانية العلمية من الاستفادة من جلده الناعم، برغم أعوامه الكثيرة.
بعيدا عن السخرية، كانت وصيته لها واضحة، أن تُحرق "البواقي" التي لن يستفاد منها، وتُرمي في النيل. وتحديدا عند "مرسي دقدق للمراكب الشراعية"، القريب من فندق الماريوت.
لا يعلم من أين يأتيه هذا اليقين من أنه سوف يموت في الخارج، برغم أنه يتمني العكس!! كان دائما ما يتذكر هذه المعضلة شديدة الجدية، كيف ستتمكن هي من إدخال علبة الرماد، علبة البواقي، إلي مصر. حتى أثناء الثورة لم يفارقه هذا الهوس. بعد أن رحل الحاكم العجوز، وأثناء سكره الاحتفالي مع أصدقائه، في مكان ليس ببعيد عن «مرسي دقدق»، ابتسم.. الآن تتغير حياتنا، سيكون بمقدورها أن تأتي بعلبة رماده في أي وقت، ولن يمنعها أحد.
تتوجب الإشارة هنا إلي أنه قد قام بتعديل الوصية قليلا، أن يُرمي بعض الرماد في النيل، عند المكان المعني، والبعض الآخر ينثر في قبر أبيه.
أبوه مدفون مع والديه وجديه. وربما سيكون هناك المزيد من قاطني هذا القبر، حين يموت هو. يفزع من هذه الفكرة. يفزع من أن يتصور أمه قد سبقته لهذا القبر.. يفزع من لقب اليتيم، وكأن سنوات الهجرة الطويلة لم ترحمه من خوف الألقاب الجديدة.
قبل شهور قليلة زار من جديد "مرسي دقدق”. شارك بعض أصدقائه القدامى مركبا شراعيا لمدة ساعات، في هذا المكان الذي ستستقر فيه مستقبلا"البواقي”. كان يتأملهم، ويتعجب من الصداقات القديمة التي ماتت، وتبقي منها بعض الود، أو تبقي منها بعض الغربة والبرود.
كان يتأمل صديقه الأقرب الصاخب، الهادئ يومها.. لا يعلم لماذا أستشعر وقتها أن صداقتهم ستنتهي أيضا، برغم أنهما كانا يتبادلان الابتسامات والدعابات والحوارات المعتادة .. والود يظن الآن أن بداخل كل منهما كانت هناك رغبة في المكاشفة حول البعد الذي سيحدث.
ابتعدا تدريجيا، ولكن بمسافات طويلة في زمن قصير. وفي أوقات الأسف كان يلعن أحيانا هذه الثورة التي جعلت كثيرين يختارون طرقا مختلفة.ويتورط في "الكلام المفذلك": (ما هو نظري تحول لحقيقي.. تحول إلي شيء ملموس. تم إحياؤه ولأول مرة في حياتهم، أن من يعيشون تجارب بهذا الحجم، وبصدق، من الطبيعي أن يتغيروا، بغض النظر عن أشكال التغير).. كلام فارغ)!!
في النهاية لم يكن الابتعاد بسبب العداءات التقليدية المنتشرة بناءا علي مواقف سياسية متناقضة، كانت فقط تركيبتهما التي اختلفت أكثر وأكثر مع الزمن، طريقتهما المختلفة في التفاعل مع ما يدور حولهما، ويعيشانه. وكان يصبر نفسه بـ تنظيرات أخري، لكنها أبسط هذه المرة: ( في الوقت الذي شهد ميلاد صداقات جديدة في الميادين، ماتت بعض صداقاته القديمة، وأحيت من جديد صداقات أخري) .تساءل قبل أيام عن جدوى إلقاء بعض الرماد عند "مرسي دقدق”. هل مازالت صلته حية بهذا المرسي تحديدا لمجرد ذكريات الجامعة و"السكر السياسي والعاطفي" في المراكب الشراعية أوائل التسعينات؟؟ فكر في تعديل الخطة.. بعض الرماد في قبر أبيه، والبعض الآخر عند البحر، عند كازينو الشاطبي، مكانه الآخر الذي مات.. أو لنقل انتهي.
رحل أبوه في الشتاء. بعد موته بأسابيع قامت أمه فزعة من نومها، كانت أيام النوة والمطر. ولم تستطع أن تتحكم في هاجسها حول ما إذا كانت المياه قد تسربت إلي قبر زوجها الراحل. في الصباح التالي اتصلت بأخته الكبرى، كي تحثها علي تكليف أحد البنائين بتصليح القبر، وعزله تماما عن المياه.هل هذا ممكن؟
لكن أباه كان يحب المطر، والبحر المدفون بقربه، وكان يحب السفر، بالرغم من أنه لم يتمكن من السفر كثيرا بسبب محدودية الإمكانيات المالية. تمكن من بعض السفريات بعد أن أحيل للتقاعد. لم يتنازل عن حلمه بالسفر الكثير، إلا قبل ساعات قليلة من دخوله في غيبوبته الأخيرة. كانت أمل برفقته في غرفته بالمستشفي، تغني له ليلا كي تسليه. كان يحب صوت أمل، تحدث معها، سأل عن ابنه الغائب. ردت عليه بأنه سيستطيع السفر لزيارته حين يسترد صحته. فأجابها بأنه لا يريد أن يسافر. تعجبت.. "بس أنت يا بابا بتحب السفر!!".. فكانت عبارته الأخيرة: " لأ.. ما بحبش السفر".
استيقظ الغائب، صاحب البطاقة الزرقاء، الذي يسافر كثيرا، في أحد الليالي، مفزوعا كأمه. كان خاطر مرعب يسيطر علي كابوسه، وذهنه الذي استيقظ في التو.. كيف يبدو أبوه الآن؟ حالة وجهه وجسده بعد أسابيع من رحيله؟ وكان علي وشك أن يتخيله بالبيجامة في القبر.
دائما ما يتخيله بالبيجامة!!
لم يستطع نسيان هذا المشهد الكابوسي، نصف المتخيل. عاوده بكثرة بعدها بأعوام متأملا وجوه الأمهات الذين ذهبوا للمشرحة للبحث عن أبنائهم المختفين، فوجدوهم مجرد"بواقي".
في سفرياته الكثيرة يتجنب النظر للعجائز. ينفر من أجسادهم، وبالذات في شواطئ العراة التي اعتاد التردد عليها. يرتعب من أن يكون مصير جسده بهذا الشكل .. تجاعيد وترهلات وانكماش!! هل سيكون شجاعا بما يكفي كي ينهي حياته قبلها؟ ومصير الأعضاء المفترض التبرع بها؟
قدمت نفسها بعبارة غريبة.. قالت: “أنا خبيرة تعذيب"!! وأوضحت أنها تكتب مقالا عن التعذيب، وتود أن تعرف ما كان يدور بذهنه أثناء تعذيبه.أخبرها بابتسامة كبيرة أنه كان يحاول التركيز في مشهد إيروتيكي لا أكثر.. كان يحاول استعادة صور لنساء عاريات.
بنفس درجة تجنبه للعجائز والنظر إلي أجسادهم، كان مع الوقت يتطلع أكثر فأكثر، وبانتباه بالغ، للفتيات الأوروبيات والأمريكيات الشابات، من أكملوا أعوامهن العشرين حديثا. اكتشف تدريجيا أنهن متشابهات. لهن أجساد مشدودة، لسن نحيفات، جلود بيضاء ناعمة، تهتز بإيقاع شيق تحت الفساتين المتشابهة القصيرة والمصنوعة من قماش خفيف. حتى الإيقاع كان شديد التشابه، كون أغلبهن يرتدين نفس نوع "الصندل البلاستيك" صيفا.
يحددون في أوروبا جودة اللحم وسعره بناءا علي طعمه، ودرجة رهافته بعد الطبخ. والطعم والرهافة يتحددان بناءا علي ما كان يأكله الحيوان المذبوح.
وهناك؟ حيث يوجد ما يسمونه "الجنوب"؟ ماذا يكون طعم لحوم البشر ممن لا يتغذون جيدا؟ هل يتمتع بنفس الرهافة؟وكيف هي رائحة الشوربة المطبوخة من بقايا أجسادهم؟
انتفض.. محاولا التفكير في شئ آخر قبل أن يتحول إلي "كانيبال". وكأنه حكيم قال لنفسه: إن إتمام سن الأربعين مسألة خطرة.

التعليقات
press-day.png