رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

خالد البلشي يكتب: قراءة في خبر «مكالمات الإخوان وحماس» .. حديث المقلاع بين نهايتين

السؤال الذي طرح نفسه علي وأنا أقرأ مانشيت المصري اليوم عن «تفاصيل 5 مكالمات سرية بين الإخوان وحماس قبيل الثورة والتنحي»
هو كيف كان لي أن أتعامل مع خبر كهذا لو وصل لي .. فنحن أمام خبر يحمل جميع عوامل هدمه وبنائه ووسائل التحقق منه حيث حددت الصحيفة من قام بالتسجيلات والمسئول عنها وإلى من آلت إليه - طبقا للتسريبات التي وصلتها - بل ومدى قانونيتها مشيرة إلى أن هذه التسجيلات كانت تتم بإذن من نيابة أمن الدولة العليا يجدد شهريا ... وهو ما يعني أننا أمام جملة من المتهمين وليس متهما واحد كما يتصور قراء الخبر .. بل أن حدود الاتهام فيه قد تكون نهاية رئيس ونظام جديد أو نهاية رئيس تحرير وسمعة صحيفة بل أن تأثيره قد يمتد للإعلام كله .. فإما أننا أمام بوب وودوارد جديد وسبق بحجم « فضيحة ووتر جيت» أو أكبر وإن اختلفت التفاصيل أو انعكست التفاصيل إن شئنا الدقة.. أو أننا أمام فضيحة مهنية بكل معاني الكلمة.

الخبر بالطريقة التي قدمتها المصري اليوم يحمل جميع عناصر التحقق منه كما قلنا لكنه في النهاية يظل تسريبة أمنية مهما كانت دقتها فهي تحتمل الخطأ بنسبة كبيرة وربما تحتمل الاستخدام أيضا للصحيفة ومصداقيتها فضلا عن أننا أمام مجموعة من الحقوق لابد من مراعاتها جميعا .. حق قارئ في المعرفة وهو حق مقدس وأساس مهنة.. وحق متهمين سياسيين خضعوا لعملية تجسس من نظام فاسد وإن استكمل الشكل القانوني.. وحق وطن وحمايته من نظام يعيد إنتاج فساد النظام السابق بنفس التفاصيل ويستخدمه لصالحه... وهي حقوق وإن بدت متضاربة لكن منفذ الخروج منها يظل التعامل المهني الصرف مع الخبر وهو تعامل ربما يضمن التوازن بين هذه الحقوق جميعا.
إن الصمت على خبر بمثل هذه التفاصيل هو خيانة وطنية فنحن لو صحت التفاصيل الواردة فيه أمام جريمة خيانة متكاملة الأركان.. أما حدود الاتهام فيه فتتجاوز المتهم المعلن إلى متهمين بالتواطؤ جريمتهم لا تقل عن جريمة الفاعل الأصلي بل وربما تتجاوزها .. لكن نشر الخبر باعتباره حقيقة دامغة دون تعامل مهني يحمل في طياته خيانة للمهنة بل وللحقيقة لا تقل فداحتها أيضا عن الجريمة الأصلية لو ثبت عدم دقة ما ورد فيه .. لا أدري لماذا استدعيت قضية الجاسوس الإسرائيلي إيلان جرابيل الذي نزل إلى ميدان التحرير وقت الثورة وأنا أقرأ الخبر وطريقة تعامل الثوار معها .. وما قدمته المباحث خلالها من تفاصيل وضعته في صورة البطل الأسطوري الذي تواجد في أكثر من مكان في موعد واحد في مصر وخارجها في نفس الوقت.. والتي انتهت بتسليمه لإسرائيل في النهاية .
ويبقى السؤال ماذا تفعل لو كنت مكانهم؟.. وهو سؤال يقتضي مزيد من الإيضاح قبل التوقف أمامه والإجابة عليه.. فالاتهام في «إنفراد المصري اليوم».. أو «جريمتهم» سمها ما شئت حسب موقعك منها.. لا يقف عند حدود الفاعل الأصلي وهم قيادات جماعة الإخوان الذين أجروا الاتصالات فقط.. ولكنه يمتد إلى من سجلوا لهم وصمتوا على هذه التسجيلات طوال هذه الفترة.. وإلى من استلموا هذه التسجيلات طبقا لتفاصيل الخبر وشاركوا في الصمت عليها وربما استخدامها ومازالوا .. رغم مرور أحداث متعددة كان يمكن إعلانها خلالها.. وكانت تتيح لهم - لو صحت - تقديمها خلالها بل وبشكل قانوني فقد استوفت الشكل القانوني طبقا لما ورد في تفاصيل الخبر.. فنحن أمام متهم بحجم رئيس وجماعته ومرشده خاضوا انتخابات الرئاسة بعد إعلانهم أنهم لن يخوضوها ورغم ذلك لم يتحرك من امتلكوا هذه التسجيلات لو وجدت.. وأمام جريمة وقضية بحجم جريمة قتل المتظاهرين سيظل المتهم الرئيسي فيها النظام السابق وجهازه الأمني وسياراته التي دهست المتظاهرين .. ولكن تسجيلات كهذه ممكن أن تغير مسار جانب من التحقيقات أو تضيف بعدا آخر لها في أقل التقديرات.. فهل يمكن أن يصل التواطؤ والاتفاق بين الجماعة ومن آلت إليهم التسجيلات إلى مثل هذه الدرجة من الخيانة الوطنية؟ .. سؤال كان لابد أن يطرح نفسه بقوة على من وصلت له التسجيلات الآن وبعد أن تحول الاتفاق المحتمل إلى صراع سياسي بدت بوادره للجميع ..
الأسئلة هنا تصل بفعل الخيانة أيضا إلى من احتفظ بالتسجيلات كل هذه الفترة ولم يعلنها بل وتواطؤ عليها وشارك في صنع جريمة أكبر وهي إيصال من ارتكبوها إلى سدة الحكم وما ارتكبوه بعدها من جرائم.. فهل يمكن أن يكون هذا مقابل الصمت على جرائم بحجم الفترة الانتقالية .. وهل نحن أمام جريمة شيلني وأشيلك وهل يدعم هذا أحاديث الاتفاق بين الطرفين.. أسئلة أخرى كان ينبغي أن يتم طرحها ؟
لكن الأهم والأخطر في حسبة هذه التساؤلات أن الجانب الأهم من الجريمة وهو ليس التسجيلات كان له شهود وأطراف أخرى دفعت الثمن على أرض المعركة .. أو بالأدق طرف ثالث خاضها بكل عزمه وبكل ما أوتي من حماسة وحب لهذا الوطن وكره لنظامه السابق الباغي ومازال يقدم تضحيات حتى الآن ضد نظام يصر على إعادة إنتاج النظام القديم.. هم الشباب الذين نزلوا إلى ارض الثورة دون دعوة .. فحجم النزول العفوي يوم 28 يناير يتجاوز قدرة أي فصيل على الحشد ولذلك فقد عجز كل السياسيين الذين نزلوا لساحة الثورة عن التفاوض باسمه أو إقناعه بالتراجع في مفاوضات نائب المخلوع ورئيس مخابراته عمر سليمان والذي جلس ضمن من جلس مع نفر من أصحاب هذه التسجيلات التي يجري تسريبها الآن على أنها حقيقة ..
إنه نزول بعرض وطن وبقوة شعب .. ويظل حديث المكالمات لو صح مهما كان حجمه مجرد نقطة في بحر التحرك الشعبي لا تلوثه ولا تدينه وإن حاولت استغلاله.. وتظل جريمة موقعة الجمل في من حشد ضد ثوار أرادوا تخليص الوطن من فساد نال منه لـ 30 عاما كاملة .. ويظل التحرك الذي أشير إليه في المحادثات التي لم نتحقق من دقتها حتى الآن مجرد استعداد من أحد الأطراف ربما لم يكن ليحدث لو لم تتوافر له الظروف الموضوعية على الأرض.. يماثل ما أعلن عن خطة للقوات المسلحة للنزول والتي حاول البعض تصويرها على أنها خطة للثورة بينما جميع إحداثياتها تشير إلى إنها خطة لقمع الثوار والمتظاهرين .. مثلما لو صحت تفاصيل مكالمات الإخوان فإنها لن تتعدى خطة للركوب على الثورة من جانب الطرف الأكثر تنظيما وذلك حال تحققها بنزول الجماهير والمشاركة الواسعة على الأرض وهو ما يمكن أن يفسر تأخر الجماعة في النزول حال صحة ما ورد في المكالمات والتي ربما جرى استخدامها أيضا كورقة للتفاوض من الجانبين.

إذا فإن نشر المكالمات باعتبارها حقيقة دامغة ودون وضعها في إطارها العام وفي حدودها ربما يضعنا أمام جريمة ثالثة وهي قضية تشويه ثورة شعب لها شهود.. بل ومشاركين في الدعوة لها.. وسقط خلالها شهداء خرجوا للدفاع عن حلم بالحرية والعدل والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية ومازالوا مصرين على هذا الحلم وتحقيقه مهما كانت العقبات ومهما اتسع حجم من حاولوا إجهاضه، ولو دخل على الخط من كانوا يوما شركاء ميدان .. في محاولة لاستغلال الحلم لمصالحهم وحلمهم الشخصي وهي جريمة أشد وأنكى من المكالمات والتي لو صحت فإنها ربما تكشف حجم الجريمة أو تضيف لها أبعاد أخرى.
ويظل السؤال ماذا تفعل لو كنت مكانهم ؟
والإجابة أننا كان ينبغي أن نضع الأمر في إطاره العام وربما اقتضي الأمر تقديمه من خلال مقدمة عامة تحاول طرح التساؤلات حول المعلومات المتاحة أكثر من تقديم إجابات عنها؟
ثانيا : نحن أمام بلاغ مكتمل الأركان للشعب المصري صاحب الثورة في المقام الأول ولكل القائمين على شئون العدالة من نيابة عامة وقضاء ونيابة عسكرية .. ولكن كان لابد من التعامل معه في إطار البلاغ الذي يحمل عوامل الشك أكثر من تقديم الحقائق.. حماية للحقيقة وحماية لحق المتهم وحماية للثورة بل وحماية للصحيفة التي نشرته والتي ربما تتعرض لضربة عنيفة في حجم الثقة إذا لم يتم التحقق من صحة الخبر ؟ ولذلك فكان يجب مراعاة قواعد الاشتباه في التعامل مع الخبر خاصة وان نشره باعتباره حق لا يأتيه الباطل أو أقرب للحقيقة منه للاتهام، هو جريمة مهنية في حد ذاته ليس فقط في حق متهم لم تثبت إدانته ولا في حق متلق للأخبار من حقه معرفة الحقيقة ولكن في إطارها الصحيح لكنه ايضا في حق صحيفة ومهنة لو ثبت أن التسريبات غير دقيقة أو مجرد تحريات لا ترق لحد دليل الاتهام ..
وفي هذه الحالة فإن جريمة النشر باعتبار التسجيلات حقيقة تعادل جريمة الصمت إن لم تكن أشد خطرا .. فعدم إثباتها يعني تقديم خدمة جليلة لنظام فاشي لا يحتاج دلائل جديدة لإثبات فاشيته فجرائمه الواضحة كثيرة وطابور الشهداء في عهده مستمر وجرائمه ضد مواطنيه تماثل جرائم نظام المخلوع... هذه الخدمة ربما تساهم في تثبيت دعائمه بل وربما يصل الأمر لاستخدام ما ينفيه اليوم بعد ذلك لتشويه تاريخ وثورة شعب، فالجميع يعرف أن التاريخ يكتبه المنتصر.. وربما تكون تسريبة لا يتم إثباتها أو نفيها بشكل كامل مدخل في يد المتصارعين لتشويه تاريخ ينبغي الحفاظ عليه من جميع من ساهموا في صنعه ومازالوا يضحون من أجل اكتماله.
بقي أن للقضية أطراف واضحة ومازال هناك فرصة كبيرة للعودة إليهم فالخبر يقدم أسماء واضحة لمن نفذوا التسجيلات ويحيل إلى جهات أكثر وضوحا أصبحت التسجيلات بحوزتهم .. خصوصا في ظل تصريحات سابقة تحيل إلى أن معلومات جهاز أمن الدولة تم نقلها لجهاز المخابرات الحربية والذي كان رئيسه وقتها الفريق السيسي نفسه ..
كما أنه مازال هناك فرصة كبيرة لوضع هذه التسريبات حول التسجيلات - لو صحت - في حجمه وإطاره العام كجريمة ترقى لحد الخيانة العظمى خاصة إذا وضعنا ما ورد في الخبر مع تصريحات سابقة لـ حسام خير الله وكيل جهاز المخابرات السابق اتهم فيها الرئيس بأنه كان مقبوض عليه بتهمة التخابر مع جهات أجنبية.. وهي التصريحات التي مرت مرور الكرام دون أن يتم التوقف أمامها لا من رئيس صار موضع اتهام ولا من مؤسسة رئاسة تم النيل من هيبتها ولا من أجهزة عدالة لازمت الصمت رغم أن من أعلن الاتهام بل وأعلن امتلاكه لوثائقه عبر قناة فضائية رجل بحجم وكيل سابق لجهاز المخابرات ومرشح سابق للرئاسة.
نحن أمام خبر صحفي إما أن يكون نهاية لرئيس ونظام حكم كامل أو نهاية لرئيس تحرير وسمعة صحيفة .. ولكن تبقى نهاية هي الأخطر والأقرب للحدوث قياسا على الواقع العام والوقائع السابقة تتمثل في تواطؤ بالصمت من جميع الجهات بعد ضجيج إعلامي هادر يتم استخدامه سياسيا من قبل جميع الأطراف في صراعها الحالي والتي تنتظر حسمه لصالحها يوما وتستخدم جميع السبل في ذلك .. ثم تترك القضية للصمت وتأكلها الأحداث المتلاحقة وتبقى النهاية للمنتصر يكتبها وقت حسم الصراع لصالحه وهو خطر لو تعلمون كبيييييييييييييييير.

رابط انفراد المصري اليوم :

http://www.almasryalyoum.com/node/1689621

التعليقات
press-day.png