رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

باسل رمسيس يكتب: هيا بنا نلعب.. هيا بنا نغتصب أطفالا

قبل عدة أيام، قال مدير مصلحة الأحداث، أثناء مداخلة بأحد البرامج الفضائية : (فيه فرق بين طفل ابن ناس وكويس.. وطفل مجرم)!!
طفل مجرم؟؟ هو فيه طفل مجرم؟؟ ما علينا.
فلأحدثكم عن مشاهد سريعة تتعلق بجانب واحد فقط من حال أطفال وطننا العظيم

صيف ١٩٩٤:
كنت محبوسا علي ذمة التحقيق في عنبر التأديب بسجن طرة الاحتياطي. في سياق الحملة التي طالت عددا من النشطاء والمحامين بسبب الاحتجاج علي مقتل المحامي المنتمي للجماعات الإسلامية عبد الحارث مدني، أثناء التعذيب. (ملاحظة عابرة ليس لها علاقة بموضوع المقال، ولا تستهدف إذلال البعض: أغلب الذين تم حبسهم بهذه المناسبة ينتمون لليسار "الكافر"، ولسخرية القدر تشير البطاقة الشخصية لأحدهم أنه مسيحي)
كنت أشارك المساجين الجنائيين العنبر الذي يظهر به يوميا بعض الصبية، أو الأطفال، المرتدين لـ زي أزرق غامق، ليقوموا بأعمال داخل السجن. بشكل أساسي تنظيف الحمامات وتوزيع الطعام. إلا إنه كان من المعروف أن وجودهم داخل السجن كان أيضا من أجل تقديم الخدمة الجنسية الإجبارية.. أن يتم اغتصابهم من قبل القادرين، وأصحاب السطوة داخل السجن. لم يكن لدى أي مسئول، بداية بمأمور السجن، نهاية بأصغر جندي حراسة، أي مشكلة مع هذه الحقيقة.
يقطن بالزنزانة المجاورة عدد من الجنائيين. من بينهم صبي يلازم أحدهم، ويناديه بـ"خالي". رغم أنه ليس بخاله، بدليل المداعبات الجنسية التي كانت تتم أمام الجميع. نشب خلاف ما بين أحد الضباط وبين "الخال"، وكـ عقاب له، نقلوا "ابن أخته" لزنزانة أخرى. بعدها بساعات، أثناء المساء، وبعد أن أغلقت الزنازين، بدأنا في سماع أصوات الاحتجاج صادرة من هذه الزنزانة. الجنائيون ينادون علي الإدارة لإنقاذ "الخال" من فعله الاحتجاجي علي حرمانه من "ابن أخته".
بدأ المشهد باستخدامه "شفرة الحلاقة" في عمل جروح بجسده، وداخل فمه. اضطرت الإدارة أخيرا لفتح الزنزانة وإخراجه لطرقة العنبر، للتفاوض معه. قبل خروجه من الزنزانة كان قد قام بخياطة جفونه بإبرة وخيط، وتطور الأمر لمزيد من الجروح أثناء التفاوض، علي سبيل المثال قام بقطع الجلد الرقيق بين الخصيتين. بعد أن فقد الكثير من الدم، سقط علي الأرض منهارا، ألقي بشفرة الحلاقة، وأخذوه إلي العيادة.
شاهدت المشهد كاملا - بينما كنت أتقيأ من حين لأخر في جردل البول - من فتحة "العين" في البوابة الحديدية للزنزانة. يسمونها بـ "العين" لأنها موجودة كي تتجسس الإدارة عما يحدث داخل الزنازين.
في اليوم التالي نقلوا "الخال" لزنزانة أخري، بمفرده، مع "ابن أخته".

ربيع ١٩٩٥:
مرة أخري، مرت بضعة شهور وأصبحت من جديد محبوسا في زنزانة انفرادية بنفس العنبر، بنفس السجن، علي ذمة قضية أخري. العنبر به تسع زنازين. في كل واحدة عدد يتراوح ما بين الثلاثة والخمسة جنائيين، باستثناء زنزانتي الانفرادية.
في بعض الليالي يمتزج صوت أم كلثوم المنبعث من الراديو المهرب، بأصوات بعض الأطفال الذين يستغيثون من محاولات الاغتصاب، في الزنازين المجاورة. فيقترن صوت أم كلثوم بجو كابوسي كئيب.
أما شاويش العنبر فقد كان يتبادل الضحك والسخرية والتعليقات مع أغلب الجنائيين، حول هذا الطفل الذي يرفض اغتصابه في صمت.. وينادون عليه من حين لآخر، ضاحكين: “ما تتن... وأنتي ساكتة يا شر....". تاء التأنيث ليست خطأ في الكتابة.

أحداث مجلس الوزراء، ديسمبر ٢٠١١:

كل من يملك سلطة بهذا البلد، سواء من قيادات ورموز الإخوان والسلفيين، أو المتحدثين باسم المجلس العسكري، أو الشرطة، أو بعض الوجوه مثل تهاني الجبالي.. قد أصابهم الفزع. يرددون طيلة الوقت "أطفال الشوارع هم اللي بيتظاهروا.. أطفال الشوارع بيمارسوا العنف وبيحرقوا البلد.. أطفال الشوارع.. أطفال الشوارع"..!! وهنا لا يمكن استثناء جميع الطبالين، الذين يعملون لصالح كل هذه الأطراف، في الإعلام الوقور.
وفي مقابل حالة الفزع تلك.. يقف الآخرون من بعض القوي الثورية والديمقراطية بوعي، في نفس صفوف "أطفال الشوارع"، واعين بأن هذه المشاركة من قبل الأطفال في الاحتجاج، دليل علي تجذير الثورة، ومؤشر علي وعي هؤلاء الأطفال بمن هو عدوهم.. بمن حوّلهم لأطفال شوارع، وبمن يقوم باغتصابهم علي جميع المستويات. ويحاول هؤلاء الآخرون تجنيب الأطفال الصفوف الأولي والإصابات، ويفشلون غالبا.
أعتقد إنها كانت ملكة النرويج، تلك السيدة الحمقاء التي استغربت خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية أن تسمح الأمهات الفلسطينيات لأبنائهن بالمشاركة في المواجهات مع جيش الاحتلال الإسرائيلي. هل تتذكرونها؟ لم يصل لهذه "المسكينة"، من ضمن كل التراجم عما يحدث في فلسطين كلمة احتلال، وما يفعله الاحتلال في حياة الأطفال.. فيجدون في النهاية أن المواجهة والموت لعبة.
هل تحولت الثورة والاحتجاج للعبة لدى أطفالنا؟

٤٤٤ طفل:
أخبرني أحد النشطاء ممن تكرر اعتقالهم في السنوات السابقة للثورة، أن حبس الأطفال في السجون مع الرجال البالغين قد توقف. (ده في عهد مبارك مش مرسي). لكنهم مازالوا يحبسون في أقسام الشرطة، ولفترات طويلة، مع الرجال البالغين.
قال مدير مصلحة الأحداث جملته العظيمة الخاصة بـ "الطفل المجرم" في سياق تعليقه علي الرقم الذي نشر مؤخرا.. خلال ثلاثة شهور، بداية من ٢٥ يناير الماضي، تم القبض علي ٤٤٤ طفل خلال المواجهات السياسية.
نعلم أن بعضهم تم تعذيبه، وقتل واحد منهم علي الأقل في ظروف غامضة، ولن نعلم كم منهم تم انتهاكه بأقسام الشرطة. كيف نفهم هذا المعلومة؟ أنا شخصيا أفهمها في سياق أن أطفال الشوارع ليسوا الوحيدين الذين أدركوا من هو عدوهم، وأن السلطة قد أدركت قطاعا مهما من أعدائها المستقبليين، وتحاول تصفيتهم..
لكن.. من هو "الطفل ابن الناس" يا سيادة المسئول؟ هل هو ابنك أنت وأبناء من يشبهونك؟ هل هو الطفل الناجي بالصدفة من تصنيعك له، أنت ودولتك، باعتباره مجرما؟
يعني هو كويس عشان مهواش ضحيتك في الشارع، وضحيتك بس في البيت؟ أم أنك رجل تربوي وأب عظيم؟
لن أتساءل عن السبب في عدم محاكمة هذا المسؤول وعزله بسبب تصريحه. فهذا التساؤل ليس له معني. ففي زمن "الوزير المثار المتحرش" سيكون من الطبيعي أن نجد في أحد الأيام، أحد السياسيين من طائفة تجار الدين يقول لنا، بابتسامته السمجة: (هيا بنا نلعب.. هيا بنا نغتصب أطفال.. وكله بالشرع).. ولن يكون متناقضا مع "ثقافة الغلمان".. ثقافة من يحكمون مصر الآن.

التعليقات
press-day.png