رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

وائل عباس يكتب: نظرية الخروج من الطاسة

الخروج من الطاسة أو المقلاة بالعربية الفصحى هو إسم أغنية لمغني الروك مارفين لي أداي الشهير بإسم ميت لوف وهي من تأليف مؤلف الأغاني الشهير جيم شتاينمان الحائز على جائزة الجرامي والذي كتب لسيلين ديون وبوني تايلر وإير صبلاي وغيرهم. صدرت في ألبوم :الخفاش يعود إلى الجحيم سنة 1993 وكانت وما زالت من أغاني المفضلة.

يقول المثل الإنجليزي : يقفز من المقلاة ليسقط في النار. ويقال أن المثل الإنجليزي أصله مثل إيطالي من القرن الخامس عشر مشتق من كتابات الكاتب الإيطالي لورينزو بيفيلاكوا خصوصا كتاب المائة أسطورة شعبية المسمى هيكاتوميثيوم والذي كتبه باللاتينية. وكثير من حواديت الهيكاتوميثيوم مشتق من حواديت إيسوب العبد اليوناني الذي يقول هيرودوت أنه عاش في القرن الخامس قبل الميلاد. ووجد بعض المؤرخين تشابه بين حواديت إيسوب والبانشاتانترا الهندية وهي مجموعة حواديت قديمة عن الحيوانات مكتوبة بالسنسكريتية والذي عرفنا منه نسخة مترجمة بالفارسية سميت كليلة ودمنة.

والقصة كما كتبها لورينزو هي عن سمكة ألقيت حية في مقلاة فتنصح زميلاتها في الزيت أن النجاة من القلي هي في القفز من المقلاة فيقفزون جميعا من المقلاة ليحترقون على الفحم المشتعل تحتها ويلعنون نصيحة زميلتهم. وهناك تنويعات كثيرة في الأدب الأوروبي القديم على تلك القصة وهذا المثل منها قصيدة كتبها قيصر الرومان جيرمانيكوس سيزر عن أرنب يهرب من مطاردة كلب صيد ويقفز في البحر ليلتقمه كلب البحر.

للأسف لم أستطع إقتفاء أثر المثل أبعد من البانشاتانترا رغم أني أشك أن للمثل أصول مصرية قديمة لكني وجدت مثلا مشابها في الأدب العربي وهو المثل الذي يقول : مثل المستجير من الرمضاء بالنار وهو يعود إلى أيام حرب البسوس عندما طعن جساس كليب بن وائل بالحربة وتركه ليموت فإستغاث كليب بعمرو بن الحارث ليسقيه ماء فما كان من عمرو بن الحارث إلا أن أجهز على كليب وقطع رأسه. وأنشد الشاعر : المستجير بعمرو عند كربته *** كالمستجير من الرمضاء بالنار.

تتناقل أساطير كتب وزارة التربية والتعليم المصرية للغة العربية والتربية الدينية أسطورة شهيرة مفادها أن المصريين رحبوا بالفتح العربي ليتخلصوا من حكم الرومان وعاشوا في تبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات. وهذه الأسطورة هي محل نقاش عظيم هذه الأيام ولكنها ربما من أقدم الأمثلة المسجلة تاريخيا لإستخدام المصريين لنظرية الخروج من الطاسة.

فالنخب المصرية مثل الشيخ عمر مكرم نقيب الأشراف وجرجس الجوهري وغيرهم بعد خروج الفرنسيس إختارت بمحض إرادتها عسكري ألباني إسمه محمد علي الذي كان بارعا في الوقيعة بين المماليك والترك والتودد للنخب المصرية ليكون والي مصر بعد ثورتهم على خورشيد باشا ونجاحهم في خلعه. وتشفع مكرم لدى السلطان ليبقي محمد علي واليا ليرد محمد علي جميل عمر مكرم زعيم الثوار بنفيه الى دمياط ثم إلى طنطا حتى توفي. ثم يقبض على جرجس الجوهري ويحبسه في بيت كتخدا وينفيه بعدها إلى الصعيد.

وإستعان محمد بك الألفي بالإنجليز ضد الإحتلال الفرنسي لمصر كما إستعان بهم ضد محمد علي الذي هدد حكم المماليك لمصر وهو من مهد لحملة فريزر الشهيرة على الإسكندرية ورشيد وإن كان قد مات قبل حدوثها. ولم يتخل الإنجليز عن حلمهم بحكم مصر حتى إستعان بهم الخديوي توفيق ضد إنقلاب أحمد عرابي العسكري.

وأثناء معارك العلمين الشهيرة هتف المصريون في الشوارع نكاية في الإنجليز : إلى الأمام يا روميل ! وكأن خلاصهم من الإحتلال الإنجليزي هو في إحتلال النازية لمصر على طريقة : هتلر ها نعرف نعارضه والخلاف بيننا سياسي وممكن نعصر على نفسنا لمونة لكن تشرشل بيننا وبينه دم.

لم يكن هذا هتاف رجل الشارع العادي فقط بل كانت هناك نخب مثقفة ومتعلمة تعمل بجد ودأب على التعاون مع الألمان ضد الإنجليز أشهرهم الفريق عزيز بك المصري والرئيس الراحل أنور السادات والطيار الحربي الإخواني عبد المنعم عبد الرؤوف وكمال الدين حسين والراقصة حكمت فهمي. لكن الله سلم وهزم الألمان.

خرج المصريون من الطاسة أيضا على حد زعم أساطير كتبة إنقلاب يوليو عندما رحبوا بإنقلاب تنظيم الضباط الأحرار ليخلصهم من حكم الملك فاروق وإن كنت أشك بشدة في تلك الأسطورة. أن يؤيد شعب فيه طه حسين وعباس العقاد وكثير من خريجي السوربون وأكسفورد وقتها لبكباشي في الجيش. لكن كما رأيتم ليس الأمر بمستغرب على النخب المصرية عبر العصور. خرجوا من طاسة فاروق ليقعوا في نار معتقلات عبد الناصر وإلغاء الأحزاب والحريات وتأميم الصحافة والإعلام والسينما والمسرح والمجتمع المدني ثم الهزيمة.
عندما أغتيل أنور السادات كتب أحمد فؤاد نجم قصيدة يمدح فيها خالد الإسلامبولي قاتل السادات واصفا إياه بأن له ندهة بلال المؤذن وضي النبي محمد. مع إن خالد الإسلامبولي من الجماعة الإسلامية وأحمد فؤاد نجم شاعر يساري لكنها نظرية الهروب من الطاسة تضرب مرة أخرى لنستعين بالإرهاب لتخليصنا من السادات. وآدي الإرهابيين وصلوا للحكم يا عم نجم. بالمناسبة يعرف الكثيرون أني ونوارة نجم كنا أصدقاء لفترة طويلة ثم قامت بيننا حرب داحس والغبراء لمدة حوالي خمس سنوات بسبب نشرها لتلك القصيدة مرة أخرى على مدونتها ولم نتصالح مرة أخرى إلا مؤخرا.

ونظرية الهروب من الطاسة كانت لها اليد العليا في أحداث الثورة وما تبعها. فبإلهامها هتف الثوار الجيش والشعب إيد واحدة وزعموا أن الجيش بديل مبارك ثم بديل يمنع وصول الإسلاميين للحكم. ثم زعموا أن الإخوان بديل العسكر وبديل الفلول ولازم نعصر الليمون.

ثم زعموا أن العسكر والفلول بديل الإخوان مرة أخرى. وأن الفلول مرحب بهم عند الإتحادية ومكتب الإرشاد. وأن نجيب ساويرس هو طلعت حرب هذا الزمان. وأن الشيخ أحمد الطيب هو الشيخ العز بن عبد السلام لهذا العصر. وأن المستشار أحمد الزند هو حامورابي هذا والآوان لمجرد تضارب المصالح مع الإخوان. تماما كما زعموا أن شفيق غير مبارك والسيسي غير طنطاوي والإخوان غير حماس وأن ما فعله عبد الناصر بالإخوان كان عين العقل.

نظرية الهروب من الطاسة غذت أوهام الثوار أن نجاح الثورة يكمن في الإستعانة بتنظيمات فاشية كالسلفيين والألتراس ليكونوا حماة الثورة فكانت النتيجة مذبحة العباسية الثانية ومزايدة الألتراس على النشطاء وتعديهم بالضرب على بعضهم بعد أحكام مذبحة بورسعيد وإتهام الألتراس للنشطاء بأنهم يريدون ركوبهم.

ومازال الوهم حيا متمثلا في التوقعات والتنبؤات بصدام بين الجيش والإخوان أو بين السلفيين والإخوان ليكونوا فخار يكسر بعضه بعضا كما يقول المثل واللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين.

حذار كل الحذر يا مصريين من نخبكم ونظريتهم للخروج من الطاسة. يجب أن يتوقف المصريين عن الإستعانة بالمماليك تارة ضد الترك وتارة بالترك ضد المماليك كما في تغريبة بني حتحوت لمجيد طوبيا. يجب أن يتوقف المصريين عن الجلوس القرفصاء على الأرض ومتابعة مباراة التحطيب بين عاشور الناجي وقنصوة في روايات نجيب محفوظ ليصفقوا للمنتصر هاتفين : فتوة بقوة إسم الله عليه إسم الله عليه. دافعين له الإتاوة فيما بعد وهم صاغرين

التعليقات
press-day.png