رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

باسل رمسيس يكتب : بقي فينا من بعض يا سيد فتحي

تقلك الطائرة يوم ١٤ مايو عائدا من القاهرة لمدريد. تصل متأخرا ومتعبا. أول ما تفعله هو تجوالك ببيتك مطمئنا علي حال نباتاتك وزهورك. تكتشف أن أغلبها قد كبر في غيابك. تدخل لتنام قليلا، وتحلم بهذه الزهور والنباتات!! تفتح عيناك، وأول ما يأتي في ذهنك أنك ستلتقط لها الآن بعض الصور، لتضعها علي الفيس بووك مع تعليق يقول: “البنات كبرت في غيابك"!! في هذه اللحظة تحديدا تكتشف موت سيد فتحي. في لحظات الذهول الأولي، وقبل أن تفيق، تجد مكالمة تليفونية من علاء كمال.. جملة وحيدة وبكاء علي جانبي الخط: "سيد يا باسل".
تحاول أن تتذكر إن كنت قد شهدت أو سمعت من قبل بكاء علاء كمال.
تبحث في أرشيف فيلمك عنه، تشاهد ما قاله أمام الكاميرا يوم ٤ يناير الماضي.. وتتأكد أنه مازال يحتفظ بنفس الكاريزما والجاذبية. تستوقفك جملته: إحنا بقي فينا من بعض.
أثناء محاكمة مبارك الأولي، كنت تشاهد بعض الجلسات بصحبة أمك. في أوقات كثيرة كنت تشعر بالخجل من "هبل بعض المحامين”. مرات قليلة أحسست بالعكس.. بالفخر. مرة من هذه المرات، حين وقف سيد فتحي ليتحدث أمام القاضي. فتقول لأمك: يااه يا ماما بصي.. أهو واحد من جيلنا بقي بيحاكم مبارك.. سيد فتحي برة القفص ومبارك هو اللي جواه!!
ذهب بعضنا لقضاء الليل في منزل رائف سليم، بأحدي قري شبين القناطر. كان صيف ١٩٩١، (وبدأ الناموس ياكلنا..) ينتفض سيد فتحي فجأة كي يجعلنا نضحك. ها هو زميلك في عين شمس والتنظيم السري، حزب الشعب الاشتراكي المصري، الجاد في أغلب الأوقات رغم ابتسامته.. يصرخ في رائف قائلا: "يلعن أبو ناموسك يا أخي”.. ويبدأ في القفز والجري وراء الناموس محاولا اصطياده.
تحاول أن تتذكر بيته في بهتيم، في شبرا الخيمة.. وأبيه المرحب بنا دائما برغم الفقر. لا تتمكن من تذكر التفاصيل. لكنك تتذكر بوضوح فخر سيد فتحي الدائم من انتمائه لبهتيم ولأب عامل. فخره بصداقته لعمال مثل صابر بركات ومحمد حسن عوف، وغيرهما ممن فتحوا بيوتهم لهؤلاء "العيال الطلبة الشيوعيين"، ولأصدقاء سيد فتحي.
تتذكر "التحقيق الداخلي" الذي طالبت به في حزب الشعب ضد سيد، كي لا يتدخل في شؤون الجامعة والخلية الشيوعية بها، لأنه قد تخرج بالفعل من الجامعة. كنت ساذجا ولم تفهم وقتها معضلة وصعوبة أن تغادر حياتك الجامعية الثورية.. وأن تنقطع عن جامعتك والحياة السياسية بها فجأة.. فجريت "زي الأهبل برضه" وراء هوس استقلاليتك للتحقيق مع سيد فتحي.
تتذكر أول الهتافات التي شاركت في ترديدها بحرم جامعة عين شمس. كان شهر فبراير ١٩٩١، المظاهرات ضد حرب الخليج والمشاركة المصرية فيها. ومن ضمنها هتاف: "سيد فتحي يا ابن الوادي.. باب زنزانتك سادد بابي".. ويتغير الاسم من حين لآخر ليكون طارق العوضي، وعبدالله طه.. زملائنا الذين تم اعتقالهم علي أمل اجهاض المظاهرات قبل أن تبدأ.
تأتيك وشوش كثيرة.. بعض وشوش عين شمس أوائل التسعينات.. الموجوعين والمكسورين اليوم بسبب رحيل سيد فتحي، بغض النظر عن قربهم أو بعدهم عنه: أحمد حسن، علاء كمال، عبدالله طه، طارق العوضي، جمال عيد، سامح سعيد، رائف سليم، خليل أبو شادي، نادر ذكي، أمل رمسيس، أفكار هلال، هاني هلال، أيمن عياد، أشرف إبراهيم، هاني درويش، ياسر شكري، ياسر علام، وائل فاروق، زينب خير، فاطمة خير، سارة نجيب، ولاء سعدة، مني مختار، غريب سليمان، سامي فكري، حسن مهلل، أيمن كمال، سحر عدلي، منال، محمود عبد الفتاح، يوسف عواد، أحمد فوزي، حلمي الراوي، التونسي إسماعيل، أحمد عبد اللطيف، تامر لقمان، سحر منصور، هالة منصور، عمر قناوي، محمود العدوي، مني فتح الباب، محمد نعيم، مصطفي بسيوني، سيد الطوخي، هيام يوسف، مني البرنس، أميرة هويدي، أيمن طاحون، أيمن عبد الجواد، نيفين نظير.. وأنا.. وغيرهم وغيرهم.
يأتيك وجهك أيام التسعينات، تراه بوضوح.. لكنه حزين....
أسف.. مش قادر أكمل.. ومش قادر أكتب كويس.. ولا بالشكل اللي يرضيني ولا بالشكل اللي يرضي سيد فتحي. ملعون أبو الغربة والموت والبعد والقلب والقاهرة والطيارات يا سيد.. زمانهم بيودعوك دلوقتي في النقابة.. وأنا مش موجود، بيفصلني عنك وعنهم حوالي ٤٠٠٠ كيلومتر.

التعليقات
press-day.png