رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

خالد البلشي يكتب عن: جيكا وحسام شوقي والدم الحرام.. يسقط يسقط حكم المرشد.. إرحل

أسفل مقر موقع البداية لافتة للشهيد جيكا يطل فيها وجهه مبتسما على أهالي عابدين يطلب القصاص من قاتليه وقاتلي حلمه.. وعلى رئيسية موقع البداية تطاردني صورة الشهيد حسام شوقي طالب الصيدلة وعضو جماعة الإخوان الذي سقط في اشتباكات أمس بالزقازيق ووجهه تغطيه الدماء.. وعلى أبواب نقابة الصحفيين يطل وجه الحسيني أبو ضيف من جرافيتي رسمه أصدقاؤه وزملاؤه يطالب بالقصاص من قتلته.. وفي الخلفية يأتي صوت مرسي معلقا "بيقولوا اننا قسمنا البلد نصين" في محاولة لتبرير ما يحدث بأنه يتم في كل أنحاء العالم.. حكومة ومعارضة .. مؤيدين ومعارضين .

المفارقة أن الشهداء الثلاثة اجتمعوا يوما على خلفية دعم مرسي في مواجهة شفيق، وكل همهم أن يأتي رئيس يوقف الدم وطابور الشهداء ويكمل الثورة .. لكن سياسات الرئيس الذي اختاروه يوما فرقتهم في الميادين وجمعتهم على أبواب السماء.. فهل من سبيل لوقف الدم.. وهل من طريق يحمل الشباب إلى جنة الأرض قبل أن تطأ أقدامهم جنات السماء؟

صورة من بعيد تبدو قاتمة لكنها تبدو في مجملها دفع وتأكيد على أهمية دعوة تمرد لسحب الثقة من مرسي.. وتؤكد على ضرورة الالتزام بعفويتها وسلميتها التي نقلت السياسة من اشتباكات الميادين إلى تفاعل الشارع .. لتؤكد للجميع أن الدم المصري كله حرام وأن عبقرية الثورة المصرية هي في استعادتها لـ سلميتها.. وأنه لم يعد أمامنا إلا استكمال الطريق بنفس المنهج السلمي وسحب الثقة من رئيس لا يدرك الفارق بين القتل والمعارضة بين إراقة الدم المصري والاختلاف السياسي.. رئيس تلوثت يديه بدم مسانديه قبل معارضيه بينما وقف بين أنصاره يستعيد طريقة سابقه محملا الشعب جميع الخطايا.. فكل الأزمات من صنع الشعب..

أزمة البنزين «عملها بتاع الجراكن» وأزمة الكهرباء «فجرها العامل اللي شد السكينة».. وطوابير البنزين يقف فيها مرتشون.. والبلطجة والإنفلات الأمني يتحملها «عاشور بتاع الشرقية وفودة بتاع المنصورة والراجل التالت بتاع المعادي».. واستمرار الفساد وضياع حقوق الشهداء يتحمله القضاة والنيابة.. والإعلام يحركه خونة ومرتزقة... والسياسة نجاسة وهم جماعة الأطهار.. واعتذاره يتبعه دائما تبرير يحمل «طرفا ثالثا» ذنب ما يحدث.. وانجازه الأبرز الخاص بالشركة الكويتية وأراضي طلعت مصطفى صنعه أحد معارضيه لكنه لم يسلم من الاعتداء عليه من أنصار الرئيس ونظامه الذي احتفى بانجازه ثم لم يلبث أن حاول سرقته بنسبه لنفسه.

وهكذا بمنطق الخطاب صرنا أمام رئيس يحكم شعب من المرتشين ومنعدمي الضمير ومعارضته من الأنجاس والفلول.. أما هو - بمنطق الخطاب نفسه - فيمارس دور المعلق الخارجي لا يدرك - لو صح كلامه - كونه رئيس وأنه مسئول عن كل ما يحدث وإلا أعلن فشله وانسحب أو كان عليه أن يختار شعب أخر يناسب طهارته وطهارة جماعته.. وإما وجب علينا نحن عزله لأنه لم يدرك يوما أنه انتقل من خانة المعلق إلى خانة الفاعل ومن موقع المعارضة إلى موقع الحاكم.. ولم يدرك كونه صار رئيسا لمصر وللمصريين جميعا وليس رئيس لجماعة بعينها يحشدها في مواجهة بقية شعبه، حتى أنه لم يعد يشعر بحرمة الدم ولم يعد يرى إلا القشة في عين معارضيه وينسى الخشبة في عينه وعين جماعته بل ويشاركهم التحريض في المؤتمرات ثم يخرج ليحمل الآخرين دماء من سقطوا .. بخلاف منظومة مستمرة من الفشل حتى صار انجازه الأكبر أنه جمع بقية المصريين حتى من وقفوا خلفه يوما على معارضته وكراهية نظام حكمه.

وهكذا صرنا أمام نظام فاشل حتى في التعبير عن أزماته أو محاولة تصديرها للآخرين وتحميل غيره أوزار ما يفعل ونسى أنهم تحت إمرته وأنه من يحكم البلاد وكل تقاعس وفشل هو منسوب له قبل غيره.. لكن يبقى أن الخطر الأكبر ليس فشله وإنما رغبته في التفرد والاستحواذ.. فقراءة بسيطة لخطاب مرسي تجد أنه لم يترك فرصة لمغازلة الجيش والداخلية إلا فعلها فهو يريدها كما هي إما لاستخدامها أو التهديد بعودتها.. أما راية التطهير فهي دائما جاهزة « للآخرين».

وفشله أنه لا يرى أو يحاول التغاضي عن مساحات الغضب المتنامية داخل حتى من يشاغلهم « الشرطة والجيش».. و كأن لسان حاله وخطابه لنا إما أن تقبلوني كما أنا أو أعيد إليكم ما فات .. وينسى أن حركة التاريخ لا تعود للوراء.. وأن شعبا نزل للشارع لن يخضع أبدا لجلاد جديد ولن يقبل استعادة جلاد قديم للهروب من الجديد حتى لو جاء مرتديا مسوح الثورة أو شاركه العداء لجلاده الحالي.. وينسى ضمن ما ينسى أن استبدال راية «أنا أو الفوضى والإخوان» براية «أنا أو النظام السابق» لن تفلح فلو أفلحت مع من سبقك لأفلحت معك..

وهكذا فإن المشترك بين نظام مرسي ونظام مبارك بخلاف محاولة الإبقاء على واستعادة أركان النظام القديم والتي ظهرت واضحة في مغازلته لأركان هذا النظام الأمنية والقمعية والتصالح مع أعمدة اقتصاده..هي رؤيته وعدم إدراكه أنه أمام شعب مختلف، وعدم إدراكه أيضا أن التجربة تنضجا أجيالا جديدة أكثر اختلافا وأكثر تمسكا بحقوقها ، فمن يرى دم إخوته ويحملهم لمثواهم بحثا عن وطن أرحب يستوعب الجميع، ومن يدرك أنه قادر على صنع الحق والعدل والحرية بيده لن ينتظر وكيلا يصنعها عنه ولن يصمت على أي محاولة لسرقة هذا الحق ولن يستبدل الفشل والفاشية والاستحواذ بالقهر والاستبداد ولن يهرب من الإرهاب إلى حضن الديكتاتورية.. فالشعوب تنضجها التجارب وتصقلها الأزمات فما بالك بأجيال جديدة كل حلمها أن توقف نزيف الدماء.. أجيال يوجعها رؤية الدم أيا كان صاحبه وترفض تصنيفه إلى أخواني وغير إخواني.. أجيال لا تحب الموت وكرهت رؤية طوابير الجنازات لكنها تندفع ناحيته عسى أن يكون دمها ثمنا لوقف شلال متدفق من الدماء القادمة وأملا بغد مختلف وإن تأخر قليلا.

أزمة نظام مرسي أن معاركه دائما هدفها استكمال فرض السيطرة على ما تبقى من مساحات في الدولة.. حربه دائما ضد المساحات التي لم يستطع إحكام السيطرة عليها.. وراية التطهير دائما تخفي خلفها محاولات أوسع للاستحواذ والتمكين.. الأزمة ليس فقط فشله في تحقيق الأحلام أو استعادة الحقوق خلال عامه الأول.. فالفشل ربما يتم قبوله في ظل ميراث من الفساد ونهب المقدرات على مدى ثلاثين عاما بشرط أن تخلص النوايا للحل، وأن تكون على قدر ثورة حلمت بالعدل والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، لكننا أمام نظام لم ير يوما غير تمكين جماعته ولم ير يوما غير كيف يستحوذ على الحكم ولم يضبط متلبسا بالدفاع عن حقوق من سقطوا من شهداء الثورة بل وباعها وعندما ضاقت حوله الحلقة حاول تحميلها لآخرين.

تجربة الأيام الأخيرة تؤكد أن لا سبيل لاستكمال ثورتنا إلا بالحفاظ على سلميتها وإدراك أن الدم المصري جميعه حرام وأن من يفجر شلالات الدم أو يهدد بها سيكون أول من يدفع ثمنها.. وأنه لا سبيل لتحقيق أهداف هذه الثورة إلا بالإخلاص لها والحيلولة بين أي طرف ومحاولة استغلالها أو الركوب عليها.. تجربة الأيام الأخيرة تؤكد ضمن ما تؤكد أيضا على ضرورة الثقة بأنفسنا.. وأن حلم الحرية الذي بدأ في 25 يناير بعشرات الآلاف قادر على اجتذاب أعداد أخرى.. وأن عدة آلاف كانوا مقدمة من أسقطوا حكم مبارك ومن بعده حكم العسكر لن يسمحوا بعودته في اقل من عام ونصف فالآلاف أصبحت عشرات آلاف، وانضم إليهم أجيال جديدة وعت حلمها في مجلس الوزراء ومحمد محمود وعلى أبواب الاتحادية لم تدرك معنى إلا أن تكون حرا في وطن حر، ومثلما لن تقبل بفاشية ترتدي مسوح الدين فلن تقبل باستعادة فاشية عسكرية أو استبداد تحت مظلة الأمن.. أجيال دفعت ثمن حريتها ومن يدفع الثمن لن يترك مصيره لغيره مهما كان .. تجربة الأيام الأخيرة وتجربة الثورة المصرية برمتها تكشف أننا أمام شعب مصر على إكمال ثورته ولن يقبل بتكرار الماضي أو استعادته.. وأنه ليس أمام القادم مهما كان ومهما كان مسانديه إلا تحقيق أهدافهم وإلا فليلحق بسابقيه غير مأسوف عليه.

لكن أهم ما يجب أن يدركه الشعب أن طريق الحلم قد يطول وأن 30 يونيو سيظل محطة على الطريق، وانه لن يستيقظ بعدها ليجد أحلامه تحققت ولكنها حتما ستأتي وتتحقق بإصراره على مواصلة الطريق. ويسقط يسقط حكم المرشد .. ارحل

التعليقات
press-day.png