رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

وائل عباس يكتب: وفاة أبي ذر الغفاري الثائر المظلوم

حضر الموت أبا ذر وهو منفي بالربذة فأخذت زوجته تبكي على حاله وكيف سيموت فقيرا منفيا منبوذا وحيدا منسيا بعيدا عن الناس وهو الصحابي الجليل ومن أوائل من أسلموا فأراد أن يطيب خاطرها فحكى لها انه كان جالسا مع الرسول وبعض الصحابة فقال الرسول : ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين !

وقال لها أن جميع من حضروا ما قاله الرسول ماتوا في جماعة وأنا من بقيت اذا انا من أموت وحيدا في الصحراء كما تنبأ لي الرسول فراقبي الطريق لأن عدد من المؤمنين سيحضرون لدفني برغم فوات ميعاد الحج وأنا كلي ثقة في نبوءة الرسول فغسلوني وكفنوني وضعوني على قارعة الطريق.

ثم مات فكفنته زوجته وغلامه ووضعاه على قارعة الطريق عسى أن يتكفل به من يمرون ببيتهم في الصحراء حتى مر عبد الله بن مسعود مع جماعة من مسلمي العراق وكادت قافتلهم تطأ جثة أبا ذر فقالت لهم زوجته أن هذا صاحب رسول الله أبا ذر فساعدونا في دفنه فصلوا عليه ودفنوه وبكى عبد الله بن مسعود وقال : صدق رسول الله عندما قال فيك : تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك.

أبو ذر الغفاري من الصحابة القلائل الذين ينعتهم الشيعة بالصحابي الجليل ويغالون في وصف محاسنه حتى أن بعضهم قال أنه قد عبد الله قبل ظهور الإسلام بثلاث سنوات ويقول السنة أنه خامس من أسلموا ويقول الشيعة أنه رابع من أسلموا ويعتبرونه أحد الأركان الأربعة وهم أقرب الصحابة لعلي بن أبي طالب وكان علي هو من دله على رسول الله.

قال سيدنا محمد عن أبا ذر : ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر. وهو بالمناسبة حديث ينكره إبن تيمية لأسباب ستفهمونها لاحقا.

وقال علي بن أبي طالب عنه كما ورد في نهج البلاغة : يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ غَضِبْتَ للهِ، فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ، إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ، وَخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ، فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ، وَاهْرُبْ مِنهُمْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ; فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ، وأَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ! وَسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابحُ غَداً، وَالاَكْثَرُ حُسَّداً. وَلَوْ أَنَّ السَّماَوَاتِ وَالاَرَضِينَ كَانَتَا عَلَى عَبْد رَتْقاً، ثُمَّ اتَّقَى اللهَ، لَجَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً! لاَ يُؤْنِسَنَّكَ إِلاَّ الْحَقُّ، وَلاَيُوحِشَنَّكَ إِلاَّ الْبَاطِلُ، فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لاَحَبُّوكَ، وَلَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لاَمَّنُوك.

أبو ذر أول من جهر بإسلامه في مكة ولولا قوة قبيلته – غفار - وتحكمها في تجارة قريش إلى الشام لقتلوه ثم أسلمت قبيلته على يده فيما بعد هي وقبائل أخرى ويقال انه في الطريق الى غزوة تبوك تعثرت ركوبته فحمل متاعه ولحق بالجيش على قدمية ويقال أنه أول من قال تحية الإسلام المتعارف عليها حتى الآن : السلام عليكم.

أبو ذر أقرب الصحابة إلى اليساريين ويعتبرونه من أقدم من نهجوا النهج الإشتراكي وتحدث عن تقسيم الثروة في العالم فقد كانت أحب الآيات إلى نفسه آية 34 من سورة التوبة : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ! ولهذا دعم أبو ذر قرارات عمر بن الخطاب بمنع أغنياء الصحابة من تملك الأراضي خارج يثرب ومنع تملك الأراضي لأكثر من ثلاث سنوات بدون إستخدام أو إستغلال ومن لم يستغل أرضه تسقط ملكيتها عنه لمن يستطيع إستغلالها وبهذا قضى على تجار الأراضي الرأسماليين ودعم نهج عمر أيضا في التوزيع العادل والكافي لأموال بيت المال دون إسراف على المواطنين حتى أنه كان يراقب شراء وإستهلاك الناس للحوم.

لذا بدأت المشاكل مع وصول عثمان بن عفان الثري الرأسمالي للخلافة وسماحه بتجارة الأراضي وإطلاقه ليد بني أمية الرأسماليين أيضا في الشام حيث كان أبا ذر يعيش وقتها. وضج أبو ذر من الحكام والولاة الذين كان يعينهم عثمان بن عفان وخصوصا بنو أمية لتحكمهم في بيت مال المسلمين وإنفاقهم منه على أنفسهم ومتعهم الخاصة بينما بين المسلمين من هو محتاج وشعر معاوية بالخطر وبوادر ثورة شعبية ضده يقودها أبو ذر. فحاول رشوته تارة ولم يفلح فطلب من عثمان أن يستدعي أبا ذر للمدينة وأرسله راكبا ركوبة خشنة إنسلخ بسببها فخذاه ليصل إلى المدينة ويصطدم بعثمان بدوره لينفيه الأخير خارج المدينة في نهاية الأمر. وقصة رشوة معاوية لأبي ذر بألف دينار ذكرها إبن كثير وإبن الأثير وأبو الهلال العسكري.

تعالوا أحكيلكم قصة الخلاف الأخير بين أبا ذر وعثمان بالبلدي كده كما قرأتها من عدة مصادر سنية وشيعية حيث إن فيه أقوال كثيرة متضاربة ولا يصح قراءة الموضوع من مصدر واحد : دخل أبو ذر على عثمان فلقى قدامه مائة الف درهم فسأله ها تعمل فيهم ايه ؟ فقال له عثمان : هانتظر لما يبقوا مائتين وأوزعهم على المسلمين فقال له : فاكر لما دخلنا على الرسول ولقيناه زعلان علشان معاه أربع دنانير وخايف الموت يجيله قبل ما يوزعهم على المسلمين ؟ فنظر عثمان لكعب الأحبار وساله : انا خلاص دفعت الزكاة المستحقة أدفع من دول كمان ؟ فقال له كعب الأحبار : لا ! فغضب أبو ذر وضرب كعب الأحبار بعصاه وقال له : مالك إنت يابن اليهودية بأحكام الإسلام ؟ فقال عثمان لأبي ذر : إنت كبرت وخرفت ولولا صحابتك للرسول كنت قتلتك ثم نفاه الى الربذة في الصحراء شرق المدينة بمائة كيلومتر.

وتختلف رواية المؤرخين السنة فيزعمون أن أبا ذر هو من إختار النفي وأن عثمان فقط وافقه ويعتبرون الرواية السابقة من سموم الشيعة رغم أنها الأكثر منطقية لكن الإستماتة في الدفاع عن عثمان ومعاوية لا تعرف حدودا.

ويغالي بعض المؤرخين السنة في الدفاع عن عثمان بن عفان وما فعله بأبي ذر ويصلون في المغالاة حدا قميئا من تشويه تاريخ أبي ذر وأصله فيصفون قبيلة غفار كلها بأنهم من اللصوص وقطاع طرق القوافل. كما يزعمون أن عبد الله بن سبأ اليهودي هو من أوقع بين أبا ذر ومعاوية أو بالبلدي سخنه عليه.

وبقي أن نذكر أن رواية النفي إلى الربذة أكدها من المؤرخين السنة : أحمد اليعقوبي وأبو الحسن المسعودي وبن طاهر المقدسي والحاكم النيسابوري وإبن مسعود نفسه.

كما يحاول عدد من المؤرخين الآخرين رسم شخصية متطرفة متزمتة تاركة الحياة لأبا ذر ترفض المال وتوجب صرف ما يفيض منه عن حاجة الإنسان وقالوا أن أبا ذر حاول فرض منهجه هذا على الناس ولم يطقه الناس حيث زعموا بأنه نادى أن من يملك قوت يومه عليه أن ينفق ما زاد عنه كل هذا لتشويه الرجل ووصمه بالتطرف وهو من ثار على إستغلال النفوذ ومحاباة عثمان لأقاربه مثل معاوية وعبد الله بن عامر ومروان بن الحكم والوليد بن عقبة وتعيينهم ولاة وما فعلوه بأموال المسلمين.

فعندما بنى معاوية قصر الخضراء في دمشق قال له أبو ذر : إن كانت هذه الدار من مال الله فهي الخيانة وإن كانت من مالك فهو الإسراف. وعندما أعطى عثمان مروان بن الحكم بيت المال قال له أبو ذر : بشّر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة.

فطوبى لمن مشي وحده ومات وحده وسيبعث وحده.

التعليقات
press-day.png