رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

باسل رمسيس يكتب : معارك نادين شمس الصغيرة

كثيرون يعلمون عن حادثة موت نادين شمس. وكثيرون علي وعي بهذه المفارقة الكارثة.. أن تدخل نادين لمستشفي من أجل جراحة بسيطة كي تتمكن من أن تحبل وتنجب، فيتحول الحلم في استمرارية الحياة إلي سلسلة من المآسي التي تدمرها خلال أسبوع واحد، فتخرج منها جثة نحيفة وأكثر خفة مما دخلت.
لست بصدد كتابة مرثية لصديقتي نادين التي أعرفها من أكتوبر عام ١٩٩٦، والتي زاملتها في معهد السينما بقسم السيناريو، وكذلك رافقتها في معركة الثمانية عشر يوما الأولي من الثورة، وفي معارك صغيرة وكبيرة بعدها. لكنني بصدد المشاركة في معركتها، ومعركة زوجها وحبيبها ورفيقها الطبيب النفسي نبيل القط، ومعركة عائلتها.. ومعركتنا جميعا. وكلمة "جميعا" ليست من قبيل المبالغة أو التهويل.
ماتت نادين بسبب الإهمال وبسبب التكبر في مستشفي استثماري خاص، ممن يتاجرون بأوجاع الناس ومرضهم ويحولونها لأرصدة في البنوك.. الاستثمارية أيضا، أو يحولونها لسيارات فارهة وشاليهات فاخرة.. وهو مستشفي مصر الدولي، علي يد اثنين من الأطباء المناسبين لهذا الموديل "المتعسف" من جانبي.
البعض ينظر لهذه المعركة التي افتتحها نبيل القط وعائلة نادين حين تقدموا ببلاغ للنائب العام وطالبوا بتشريح جسدها، بعدم راحة وقلق، لأنها ستفتح خرابة مغلقة منذ عشرات السنين.. خرابة ممنوع الاقتراب منها، واسمها "ملف علاج المصريين". وهؤلاء هم تحديدا الخصوم، ومن الممكن أن تسميهم بالأعداء إن أحببت. والبعض سيتحسر علي حاله وعلي حال أصدقائه وأهله الذين راحوا ضحية لنفس الإهمال والفساد الطبي، وهم عشرات الآلاف من ضحايا المستشفيات العامة أو الخاصة، وربما يشعر بالمرارة لأن لا أحد اهتم بهم لدرجة أن يفتتح معارك لرد حقوقهم وحقوق ذويهم وأصدقائهم، ومداواة بعض الوجع عن طريق بعض العدل.
الصنف الأخير من الناس، الموجوعين والمتحسرين، سيقولون: "نادين ليها اسمها.. كانت معروفة نسبيا وليها أهل وصحاب يعرفوا الوصول للجرايد والتلفزيونات، ويعرفوا يعملوا دوشة.. لكن الله يرحم فلان الفلاني محدش جابله حقه". وهؤلاء لهم كل الحق في الشعور بالمرارة، وربما ببعض الحقد. لكن الحل النهائي لهذا الحقد هو أن ينتصر نبيل القط وتنتصر عائلة نادين.. وننتصر نحن، سواء كنا أصدقاءها، أو حتي لم نعرفها أبدا. فهي الآن رمز ونموذج لكل هؤلاء.. ومعركتها هي معركة من أجلهم جميعا.
نتيجة الشعور بالمرارة من الممكن أن تكون المشاركة والسعي كي ننتصر.. أن تتوحد الجهود كي نفتتح طريقا جديدا ربما يؤدي إلي معاقبة الجناة، وردع الأطباء المهملين والمتكبرين، وردع مستشفيات التجارة بأوجاع الناس، وتغيير حال المستشفيات العامة التي تتسبب أحوالها في موت الآلاف. وأيضا ردع النظام الذي لا يحترمنا ويعتبرنا مجرد أرقام بلا قيمة. هذا هو حق نادين وحق عشرات الآلاف غيرها، وحق كل عائلاتهم وأصدقائهم.
نبيل القط وعائلة نادين دفعوا الفاتورة الأولي الموجعة.. الفقدان والألم وقرار تشريح جسد حبيبتهم. هل لهذا القرار ثمن ومردود؟؟ في البلدان التي تحترم مواطنيها نسبيا تبدأ الحملات والمعارك صغيرة، حول حالة محددة تتحول إلي رمز ومعني ومحور للمعركة. تتجيش حولها طاقات مختلفة، تطول السنوات لكن المعركة تكبر والانتصار إن تحقق فهو للجميع وليس للحالة الرمز. ربما تكون قد شاهدت هذا النموذج في الأفلام الأجنبية، هو سينمائي بامتياز لكنه ليس أسطوريا، بالعكس.. فهو واقعي جدا وحقيقي.. علي نفس درجة واقعية وجود وموت السينمائية والمواطنة نادين شمس.
هذا النوع من المعارك هو تحديدا نوع المعارك التي كانت تجذب وتثير وتفجر طاقات نادين، فقد كانت من المنتمين للمعارك الصغيرة ومن مفجريها. وسأكتفي بثلاث حوادث بسيطة من ضمن الكثير.
في بداية وجودنا بالمعهد العالي للسينما.. اعتاد أحد المدرسين المساعدين الذي يلازمنا بحكم التخصص، والذي تحول فيما بعد لأحد المتنفذين المهمين في وزارة الثقافة أن يغازل واحدة من زميلاتنا طيلة الوقت، ويلمسها، لكن في سياق من “التنكيت”، وكأنها دعابة. تقبلنا النكتة في البداية، وتقبلتها زميلتنا، معتقدين أنها ستمتد لبعض الساعات وتنتهي. لكن الدعابة السخيفة تطورت واستمرت حتي اللحظة التي افتتحت نادين "خناقة" حولها. فجأة وأمام الجميع خاطبت هذا المدرس المساعد بحدة ووضوح، قالت كلاما كثيرا من ضمنه جملة أتذكرها جيدا: “أنت مش واخد بالك أن الموضوع بقي سخيف؟ وأن بتهريجك ده بتضايقها وتحرجها وبتضايقنا إحنا كمان؟ وأن دي لعبة ذكورية جدا؟؟". وبعد هذه الخناقة تغير الوضع.
كان هذا في أواخر ١٩٩٦، وفي أواخر ٢٠١٣ كان هناك الاجتماع الثاني لمجموعة من السينمائيين من أجل العمل المشترك لرفض بند المحاكمات العسكرية للمدنيين في الدستور الجديد وقانون التظاهر. لم تستطع نادين المجئ للاجتماع، اتصلت تليفونيا واستشفت من اللهجة أن الاجتماع والمجموعة في طريقهما للفشل. فقالت بأمل وبرغبة في التحفيز علي استمرارية العاركة: "أنا لسة خارجة من اجتماع شعبة السيناريو، طلعنا احتجاج علي اعتقال زميلتنا فلانة، وهانضغط علي النقابة عشان تتحرك"!! هل كان من الممكن أن ترد عليها بسؤال حول قيمة هذه التفصيلة وقيمة المبادرة التي بدأتها واستمرت فيها؟؟
نادين كانت صاحبة هذه المعارك والمبادرات الصغيرة حتي علي المستوي الإنساني/الشخصي.. أتصلت بي بعد أسبوع من وفاة الصديق هاني درويش، لتعزيتي. والأهم من التعزية بالنسبة لها هو أن تخبرني بأن زوجها نبيل القط علي استعداد لعمل نوع من أنواع "الثيرابي" متطوعا، لحين تجاوز وجع موت هاني وفقدانه المبكر. أجبتها: "ما أنتي شايفة.. أنا برة يا نادين".. فردت بثقة وبإصرار "ممكن تقعد تتكلم مع نبيل بالكمبيوتر"!!
أعلم أن نادين ونبيل قدما نفس العرض لعدد من الأصدقاء.
حق نادين شمس وحق عشرات الآلاف الآخرين هو ألا ننسي هذه الأسماء: مستشفي مصر الدولي، دكتور إسماعيل أبو الفتوح، ودكتور خيري صابر.
هذا ليس حكما عليهم.. لكنه اتهام.. بنفس القوة التي امتلكتها نادين شمس.. رغم جسدها النحيل.

التعليقات
press-day.png