رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

خالد البلشي يكتب: مقال مستطرد عن الثورة المصرية.. ملامح الموجة الثالثة

(1)

أقولها مرة أخرى لا وقت للإحباط.. الثورة مستمرة بحلمنا.. قلتها في أكثر من موضع ولازلت على يقين بها حتى الآن. يوم 11 فبراير 2011 وبعد أن رقصنا جميعا لـ خلع مبارك كان رأيي في نقاشات دارت بيني وبين عدد من الزملاء في أكثر من موضع أن المشوار لازال طويلا.. وأن ما تم ليس نهاية المطاف.. وقتها كان رأيي عدم ترك الميدان لحين إكمال بقية المطالب والأهداف.. وأن خلع مبارك وإن كان حلما ونصرا، في حد ذاته يمكن أن يكون محاولة لتحجيم الثورة أو على الأقل - كما رأيت وقتها - ربما ينتهي بتحجيمها إذا لم نكمل مسيرتنا. كنت أرى أن من نزلوا يوم الجمعة 11 فبراير لم يكونوا ليعودوا دون خلعه وربما الإجهاز على نظامه أيضا.. وأن هذه ستظل معركة الثورة المصرية لن تكتمل دون إنجازها، وكنت اتمنى أن ننجزها وقتها خاصة أن رؤية الميدان كانت تتطور بشكل ملفت في طريق صنع بديل للنظام.

يومها كان الرد إن بيان الجيش خرج ليوقف شلال دم كاد ينفجر، وكنت أرى أن الدم في هذه اللحظة لن يكون كبيرا، وأن ضريبة الدم ربما تكون أصغر من خسائر ثورة طويلة ممتدة ومرهقة.. كنت أرى إن هذه الأرض أغلى مما تم دفعه، وأن تحريرها كاملة ربما يستتبعه دفع ضريبة أكبر بكثير من حجم الدماء التي سالت وقتها، ولكنه على المدى الطويل ربما يكون أهون من ثورة يتم حسمها بالنقاط وليس بالضربة القاضية.. كنت أرى أن سيناريو الصدام مع أركان نظام مبارك وخلعها - في حالتها وقتها- لن يكون باهظا، وكنا جميعا مستعدين لدفع ضريبة الدم من أجل ثورة كاملة وليس نصف ثورة، ونصف معركة تحتاج لاستكمالها حتى لا تتحول إلى قبر لنا جميعا نحفره بأيدينا. على الجانب الآخر كنت أرى أن عدم الحسم الفوري لا يعني هزيمة الثورة رأيت أن الطريق ربما يطول، لكن حضور الناس وقتها أكد لي أيضا أننا لن نكون ممن ينطبق عليهم القول الشائع وربما المحفز للثائرين " من يصنعون نصف ثورة يحفرون قبورهم بأيديهم " المهم أن عدم استعدادنا وعدم وجود نخبة قادرة أن تكون بديلا أو تعد بديلا نقلنا إلى اختيار الثورة الممتدة طويلة النفس والمراحل، وكان تهديد أن تتحول نصف ثورتنا إلى قبر حفرناه بأيدينا، محفزا لنا على استكمالها دائما وتدعيم سيناريو الثورة الممتدة.. وهو سيناريو مرهق أزمته الحقيقية أن ضريبته أفدح، وأنه أكثر إيلاما، وإنه إذا لم يتمكن الحالمون بالثورة الآن على تقديم بديلهم خلاله، غالبا سيتحول لصراع جيلي بين كبار أرهقتهم ضريبة الثورة الاقتصادية والأمنية، وأجيال صغيرة هم أكثر من دفعوا ضريبتها المباشرة من دمائهم وسيصرون على حل معضلتها خاصة في ظل وعي طبقي يتطور لدى قطاعات واسعة منهم وإدراك لطبيعة أطراف الصراع المختلفة والصورة التي تتعقد يوما بعد يوم. كان علينا أن نخوض السيناريو البديل، بنفس الطريقة مع تعديلات بسيطة حتى صناعة البديل الخاص بنا، أو ترك الأمور لقادمين جدد ربما يكونون أقدر على صنعه وهو ما يعني، استطالة فترة إنجاز الحلم، ودخول مرحلة الثورة المنهكة بشرط الحفاظ عليها وعلى روحها حية في النفوس.. وكان أداء الحكومات المتعاقبة التي ورثت الثورة كفيل ببقاء شعلة الثورة وجذوتها مشتعلة داخل نفوس من اعتادوا تشييع رفاقهم والعودة للميدان لإكمال المسيرة.

وهكذا كان علينا في كل موجة أن نحافظ على معركتنا ضد الديكتاتورية والاستبداد والنظام القديم حية، لكن الواقع وغياب رؤية متكاملة لبديل مناسب فرض علينا تكرار سيناريو خلع الديكتاتور وخلخلة نظامه دون خلعه لحين إنضاج بديلنا، أو خروج أجيال جديدة أنضجتها التجربة وصهرتها نيران الميدان ونزعت عنها آلام الحلم خبث التهاون والموالاة.. ومنحت لها الحياة فرصة أن تقرأ المستقبل من خلال تجارب السابقين , وهذا شرط ضروري لوعي استكمال المسيرة . في كل مرة كنا قادرين على استكمال معركة النصف الثورة وتأجيل استكمالها وإن وهنت عزائم البعض، في كل مرة لم نكن قادرين على تقديم البديل أو القيادة الصالحة لصنعه لأسباب كثيرة، ربما من بينها تجريف طويل تعرضت له نخبتنا، وأمراض طالتهم بفعل الهزائم المتكررة لأجيالهم .. في مقابل أجيال ثائرة لا تملك حتى الآن إلا اندفاعها وحماسها لوطن مختلف، وتحتاج وقت للتفكير في كيفية صناعة بديلها، بعد أن حالت معركة الميدان بينها وبين أن تترك لها براحا لصنع هذا البديل أو حتى تقديم قيادة معبرة عن حالتها الثورية مدركة لواقعها وواعية أيضا لأدوار السابقين ومن هزمتهم أوجاع المعركة الطويلة أو أخرجتهم من دائرة الصراع. وسط ذلك بقي الحلم معلق بجيل ثالث انضم للمعركة مبكرا وامتلك قدرة التعايش مع الحلم والأمل والألم معا.. وبدأت ملامحه وربما بعض من خياراته تتضح لمن يحاول مراقبة الواقع.. وبقي أن يمتلك ثقافة وانحيازات حقيقية لصنع هذا البديل.

(2)

بعد 11 فبراير شغلنا صراع الثورة، وخيانة فريق منا وانحيازه للقديم ظنا منه إنه قادر على سرقة الثورة لصالحه وصنع تجربته.. شغلنا كل ذلك عن إعداد البديل فدخلنا في معارك ممتدة لإكمال ما بدأناه .. وخلال المعركة الممتدة مع المجلس العسكري الأول، لاحت فرص كثيرة لطرح بديل تنضجه تجربة الديمقراطية المحمية بشعب لازال وقتها حاضرا بالميدان بقوة.. لكن البعض اختاروا تكريس الخيانة ورفضوا كل محاولات مراجعتهم حتى من بين القريبين منهم.. ومع كل فرصة تلوح لانضاج تجربة للجميع كان يصرون على سرقتها لأنفسهم ولو بتدعيم التحالف مع القديم وحمايته أيضا.. في لحظة فارقة كان على من اختاروا طريق الثورة حتى استكمالها، أن يخوضوا التجربة ضد تحالف المنسحبين مبكرا من الميدان، وبقايا نظام قديم اختار الكمون حتى تحين الفرصة.. هكذا شتتنا معارك الأرض عن صنع بديلنا ولكنها لم تستطع أن تنال من عزم تبقى على إكمال ما بدأناه .. كان الشارع لازال حيا وموجودا ..

كانت الأحلام تتراجع بإنجاز ثورة سريعة تحاول تجاوز ملامح انهاك بدت على بعض ممن خاضوا التجربة.. لكن خيانة فصيل كانت قادرة على تخفيف وطأة هذا الانهاك على المدى القريب، وتكريسه كلما طالت المعركة.. وكان الميدان لا يزال هو الأقرب وحلم الحسم مازال معلق بأفئدة كادت أن تدركه.. فأوجعتها الخيانة وقدرة النظام القديم على امتصاص الصدمة. حسمت عزيمة الثوار معركة المجلس العسكري الأول .. وقتها كان الميدان لازال صالحا للوحدة يومها كتب عدد كبير محذرين أن الميدان ربما لازال هو الحل وأن التناقضات التي أخرجت الملايين لم تنجح محاولات الإنهاك في هزيمتها .. لكن الخيانة تطورت لتحالف سلطة .. وللمرة الثانية وجد القابضون على الثورة أنفسهم في مواجهة تحالف يتدعم بين الخائنين وبقايا نظام قديم مازال يمسك بمفاصل الدولة، فيما ظن طرف من خانوا وتركوا الميدان مبكرا أن استحواذه وحده على ما اعتبره مكاسب ثورة آلت له صار قريبا بتربعه على رأس السلطة، فحول معركة الثورة ليس فقط لمعركة ضد فساد من تحالف معهم ولكن أيضا ضد محاولته لتغيير هوية مشتركة خرج الجميع لصنعها، ورغم وطأة الخيانة فإن اختياره أعطى للثورة حافزا على استعادة روح كاد الإنهاك ينال منها.

ووسط أحلام الخائنين بأن دولتهم اقتربت، والتي رأى قطاع كبير من الثوار وقتها أنها ضربة قاصمة لدولة عدل وحرية حلموا بها، وأن بعض من شركاء الميدان الأول وحلم مدينة الـ 18 يوما الفاضلة اختاروا أن يستكملوا وضعهم أيضا على الطرف الآخر من معركة الثورة .. دون أن يدركوا أن ذلك يضعهم في مقدمة صفوف الثورة المضادة الأقرب للتضحية بها وقت تحين الموجة التالية.. كتبت ذلك بوضوح يوم 15 يونيو 2012 وقبل جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة السابقة في مقال بنفس عنوان بداية هذا المقال وهو "لا وقت للإحباط .. الثورة مستمرة بحلمنا" .. وقتها حذرت إن سقوط تحالف الخائنين والنظام القديم وإسقاط مشروعهم سيكون أيضا حلنا لاستكمال الثورة.. وإن دولتنا المأمولة ودولته الخائنة تبعد وتنتهي بتصرفاته بل وكررت التحذيرات في محاولة - من وجهة نظري وقتها - لإنقاذ ثورة كانت لا تزال مؤهلة لإحراز ضربات فاصلة، فلم يسمع طرف المنسحبين من الميدان النصيحة بل والأكثر إنهم اختاروا تكريس الخيانة ..

يومها كتبت نصا " الرهان على العسكر لم يعد صالحا .. وإذا لم تدركوا فلتذهبوا وحدكم لإضفاء مشروعية على حكم نظام قتلنا وقتلكم معنا، وساعتها سيقف كثيرون أيضا ليتذكروا خطاياكم في حقنا.. ساعتها لن تجدوا غيرنا.. ولكن كل الخوف ألا نجد بعضنا" .. والمثير إن طرف الخائنين اختار تكريس رهان الفرقة وسرقة الثورة حتى النهاية. على الجانب الآخر كانت بقايا النظام القديم قد استجمعت جانب من قوتها.. مرة بفعل خيانة من اختاروا صفهم وتحالفوا مع من بقا منهم. ومرة أخرى، بحكم استعادة سيطرتهم على مفاصل دولة كانت قبضتهم قد تراخت عليها فأعادها لهم الخائنون، طمعا في مشاركة قد تنتهي لمغالبة لصالحهم إذا امتلكوا رأس الدولة القديمة وطوعوا مفاصلها الفاسدة لهم.. وهو ما أدركته بقايا النظام القديم، فمدوا للخائنين الذين اختاروا التحالف معهم الحبل على الغارب وقرروا تحويل المعركة من معركة بين القديم وبين الثورة، إلى معركة تبدو وكأنها داخل الثورة.. معركة تكسير همة طويلة، استثمرت حالة الدولة الفاشلة التي صنعها الخائنون، واستغلتها بقايا النظام القديم التي استعادت عافيتها بفضلهم، لاستكمال الإجهاز على ما تبقى من روح الثورة.. والإيهام بأن مشروعها فشل.

وقتها لم يكن لدينا إلا الميدان بعد ان تحولت المعركة لمعركتين.. معركة الديكتاتورية القديمة، ومعركة الحفاظ على سمعة ثورة وروحها ضد من فضلوا الانسحاب والخيانة.. عاد من جديد تناقض سرعة إسقاط تحالف الديكتاتورية الناشئة والقديمة .. قبل انتظار صنع البديل. وقتها أدرك كثيرون إننا نعيد انتاج ما حدث في 11 فبراير.. فنحن أمام نظام لابد من إسقاطه وندرك اننا لم نتمكن من صنع بديلنا.. عاد تناقض إما الصمت على ديكتاتورية ترسخ لاستبداد ممتد وطويل يمتد حتى التفاصيل الشخصية لحين استكمال البديل ، في مقابل استكمال تجربة الثورة الممتدة المرهقة لشعب وثوار فتك بهم الإرهاق.. ولم يكن هناك خيار.. فخفوت جذوة الثورة ربما يعني اعطاء الفرصة لهزيمتها الكاملة وربما يدعم التحالف القديم الجديد ضد حلم الثورة ومطالبها... كان الاختيار مرة أخرى.. استكمال مسيرة الثورة الممتدة المرهقة.. والاستعداد ربما لمعارك قادمة..

(3)

كان يجري الإعداد لـ 30 يونيو بينما أقول لزميلة "استعدي لما بعدها على سلم نقابة الصحفيين أو في الميدان.. علينا حجز موقعنا من الآن فالمشوار لازال طويلا .." منذ 11 فبراير أدركت أننا أمام معركة سيتم حسمها بالنقاط، ودائما كنت أرد على الخائفين بأنني لست خائف من القادم مهما كانت ضريبته .. فثقتي في عنصر دائما يغيب عن حسابات كل سلطة قادمة وكل خائف ومحبط من سيطرة فريق بعينه، هو الحالمون بالثورة والأجيال التي وعت الحلم.. وتناقض اجتماعي لن يقدر على حسمه إلا سلطة تنحاز بشكل حقيقي لأحلام من خرجوا وتحقق شعاراتهم .. وكنت أرى أن جميع البدائل وأن اختيارات السلطة الجديدة تدعم هذا التناقض وهو ما يدعم خيار الثورة الممتدة متعددة المراحل .. وبقي مأزق تجاوز الإرهاق بقدرة الحالمين بالثورة على المواصلة وتقديم خطاب مختلف يتجاوز هذا الإحباط ويستطيع بناء جسور قوية مع من سيخوضون معهم المعركة القادمة، والتي كنت أدرك أنها تبتعد أو تقترب بناء على قدرة السلطة الجديدة أو عجزها عن التعامل مع التناقضات التي صنعت الثورة سواء بالتحايل عليها أو تخفيفها..

وكنت أدرك أن السلطة القادمة وإن نجحت في امتصاص الغضب فإنها ليست مؤهلة لحسم التناقضات وربما تسهم ممارساتها على المدى الطويل في تدعيمها لأن الثوار حتى لحظة خروجنا لم يكونوا قد قدموا بديلهم.. وكانت المفاجأة أن من ورثوا النظام بعد 30يونيو قرروا منذ اللحظة الأولى تدعيم هذه التناقضات وليس تخفيفها.. وانحازوا إلى إعادة انتاج ما فات بقوة بل وبسرعة مدعومين بشعارات الحرب ضد الإرهاب وبدعم شعبي واسع من المرهقين والمتعبين ومن ينشدون الأمان - وهو مطلب مشروع - ولكنهم نسوا درس الثلاث سنوات الماضية وأن إعادة إنتاج ما فات كان يعني بالضرورة إعادة انتاج الثورة عليه وإن اختلفت الطريقة .. ونسوا ضمن ما نسوا إن من ينزلون اليوم لدعمهم ربما يكونون هم أنفسهم من سينزلون ضدهم غدا، وقت يتراجع صوت الحرب على الأرض ويعلو صوت الاستحقاقات والمطالب الاجتماعية .

(4)

لكل ما فات لم أتوقف لتحليل ما حدث في 11 فبراير 2011 أو في 3 يوليو 2013 وما إذا كان نجاح للثورة أو استكمال لها أو انقلاب عليها؟.. ففي كل الأحوال كنت أرى ما حدث إحدى مراحلها الممتدة والمنهكة.. وأنه لابد لأي ثورة أن تواجه محاولات كسرها وتتصارع مع القوى المضادة لها ، وأرى في الحفاظ على الثورة وروحها بعد كل مرحلة، نقاط جديدة تضاف لمسيرة نجاحها مهما كان الإرهاق الذي يتبعها.. وأرى أن سرعة أو تقصير فترة حسمها معلق بأداء السلطة التي ترث كل مرحلة وإدراك فريق الحالمين بالثورة والمصرون على استكمالها للتناقضات الجديدة وكيفية خلق آليات وخطاب للتعامل معها.. فضلا عن أن انتصارها معلق أيضا بإدراك فريق القابضين على الحلم أن المرحلة القادمة يلزمها إعداد يخفف الإنهاك ويسرع التناقض الاجتماعي بإعادة التواصل مع الجماهير وليس الانفصال عنهم وإن اختلفت الخيارات مرحليا.. وعدم تكرار أخطاء ما فات.. وفي مقدمتها إنه لا تحالف مع خائن مهما تشابهت الظروف.. فهؤلاء لا يختلفون عن السلطة التي خرجنا لإسقاطها فهم من عطلوا يوما الحلم، لصالح دولتهم.. وتصرفاتهم تصر على هزيمته ووأده لصالح مشروع أبعد ما يكون عن مشروع الثورة نفسها.

ربما لكل هذه الأسباب على قوى الثورة أن تعيد حساباتها خلال الفترة القادمة حول أساليب استكمالها دون تخلي عن أدوات الحشد وقت يحين وقت الحشد .. والذي أراه قريبا ويراه البعض بعيد، خاصة في ظل رفع السلطة الحالية لشعارات الحرب على الإرهاب، لكن مأزق هذه السلطة أنها وجدت في هذه الحرب سبيلا لإعادة تأسيس دولة ما قبل 25 يناير بل وفي أسوء صورها وقت الإعداد للتوريث بكل ملامحها دون أي محاولة لتحسين شروط التناقض الاجتماعي الذي انتج الثورة ، ففي الوقت الذي يرفع جانب من السلطة وبعض من جماهيرها صور السيسي بجوار عبد الناصر فإن السلطة اختارت إعادة ترسيخ قبضة الدولة الأمنية في أشد درجاتها عنفا وفسادا وقت مبارك متجاهلة انحيازات عبد الناصر الاجتماعية والتي صنعت شعبيته.. ومؤكدة في الوقت ذاته لـ طبيعة العلاقات التي تحكم تحركها ومصالح الطبقة الحاكمة التي تدافع عنها دون أن تفكر حتى في تقديم ولو تنازلات محدودة تطيل به أمد الصدام القادم .. ظنا منها أن معركة الإرهاب والشوق للأمن الذي كرسته سنوات الثورة الثلاثة كفيلة وحدها باستعادتها لشرعيتها وحماية مصالحها، يسندها في ذلك ممارسات جماعة الإخوان والتي اختارت طريق الأرض المحروقة في محاولة لإرسال رسالة على المدى الطويل أن دولتهم كانت بديلا أفضل للسلطة الحالية عبر جعل من خرجوا عليها يدفعون الثمن معها بحثا عن وقت تحاول فيه إعادة ترتيب الوضع والتحالفات بحيث تعود طرفا في معادلة السلطة لا الثورة وهو ما على قوى الثورة أن تدركه..

وتنسى الجماعة وأنصارها أنها هي من أهدرت الفرصة وأنها كشفت عن أن مشروعها هو دولة لا تختلف كثيرا عن الدولة التي يحاول النظام "الجديد القديم" استعادتها ولكن بصورة ربما أشد فاشية، فضلا عن خيانتها لمحاولات بناء دولة مختلفة أكثر عدلا عبر محاولات استفرادها بالسلطة وإجراء عملية إحلال وتبديل بين رجالها ورجال الدولة القديمة مع احتفاظها بنفس القواعد.. دون أدنى محاولة لتحسين شروطها بل ربما عبر تكريس استبدادها .

(5)

لكل ذلك ربما يكون ترشح السيسي هو بداية الموجة الثالثة للثورة، خاصة في ظل إصرار المجموعة الحاكمة على ترسيخ مصالحها فقط بل وإعادة انتاج السياسات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي خرجت الثورة ضدها .. فالسيسي ونظامه الذي بدأ في تأسيس أركانه اختار منذ اللحظة الأولى الانحياز للقديم والتحالف مع أجهزة وقوى ليست فقط في حالة عداء مع الثورة بل ايضا تتحرك بدافع الثأر والانتقام منها دون أي محاولة حتى لتحسين أشكال وشروط التعامل ..

اختار نظام السيسي الوليد حتى الآن إعادة انتاج ما فات كاملا .. ونسى أن ذلك سيسرع وتيرة التناقض الاجتماعي فالثورة وإن ظهرت ملامح الإرهاق منها لدى البعض، لكن هذا لا يعني القبول بإعادة إنتاج وتأسيس مسبباتها الاجتماعية والأمنية، مهما كان التعب، ربما اختار البعض تأجيل الصراع قليلا للتخلص من خطر دولة دينية أشد استبدادا لاحت في الأفق، أو لحين تهيئة الظروف على الأرض واحتدام معركة أكل العيش بحيث يعود التناقض الاجتماعي مقدما على الهاجس الأمني خاصة في ظل سيادة روح الثأر على تصرفات الجهاز الأمني الذي عاد ليفرض قواعده من جديد .. وربما – وهذا يخص قطاعات بعينها لم تتوقف ولو قليلا لرؤية كيف يبني النظام الجديد تحالفاته - أملا في إدراك ولو محدود من السلطة الجديدة لطبيعة التناقضات التي انتجت الثورة ومحاولة تحسينها، وهو ما لم تقدم سلطة ما بعد 30 يونيو اي دليل عليه حتى الأن ، والأكثر أن تحقيقه أصبح شبه مستحيل في ظل اعتماد السلطة الجديدة والتي أسسها السيسي أو على الأقل شارك في وضع ركائزها على الرؤية الأمنية، والتي دعم من وجودها بقوة إرهاب الإخوان والمتحالفين معهم واستغلال ذلك للانتقام من جميع الأطراف .. وهو ما يصعب مهمة القادم لتغيير هذا الوضع فما بالنا لو كان هو من ساهم في تأسيسه وكان طرفا في جانب من جرائمه ضد عموم المواطنين. كل المؤشرات تؤكد إن وضعا كهذا لا يمكن أن يستمر طويلا بل أن مقدمات الثورة عليه ربما لن تستغرق شهورا، في ظل وجود أجيال دفعت من أرواحها الكثير لتغييره، وأجيال على الجانب الآخر تنتظر تحسنا ولو محدودا في ظروفها العامة وملامح انحيازات مختلفة ولو طال أمدها ..

ففي وضع كهذا وفي ظل إصرار على عودة دولة بوليسية وقبضة أمنية عنيفة كانت المحرك الأكبر لكل ما جرى منذ 25 يناير وحتى الآن، ربما يظل 25 يناير موعدا يشاغل الكثيرين في حال إصرار السلطة الحالية على بقاء الوضع على ما هو عليه خاصة مع حسم انتخابات الرئاسة القادمة لصالح السيسي، ووجود من يتحمل أوزار كل ذلك بصورة مباشرة وليس من وراء حجاب، وفي ظل تراجع منتظر في وتيرة الإرهاب سواء بتغيير الاستراتيجية من جانب الإخوان وحلفائهم بعد فقد جانب كبير من سندهم الدولي أو بفعل صفقات تعقد من وراء حجاب.. فالطرفان يحتاجان لبعضهما البعض، ومعادلة مبارك الإخوان ربما لا تزال صالحة لدى البعض، وهاجس الخوف من عودة دولة الإخوان سيظل أحد الأدوات المهمة لفرض هيمنة النظام القديم الجديد وبسط نفوذه.. وتدعيم الديكتاتورية القديمة إحدى أدوات الإخوان على طريق عودة يرتقبونها ولو طال الأمد.

(6)

وسط كل ذلك لابد أن يدرك جانب المنحازين لخط الثورة والحالمين ببناء دولتها أن إعادة انتاج القديم والعودة بفعل قهر يبدو مشتركا لتحالفات أثبت التاريخ والتجربة فشلها ربما يكون هو أحد أسباب ووسائل تعطيل الموجة القادمة.. فهناك فارق كبير بين الدفاع عن مبادئ إنسانية عامة والانتصار لها مهما كان من يدفع ثمنها وتأسيس دولة عدل للجميع، وبين التحالف، مع من أثبتت التجربة أنهم في مقدمة أعداء هذه المبادئ وأول من ينقلب على الدولة المأمولة لصالح دولتهم... فالانتصار لكرامة إنسانية للجميع والتصدي لانتهاكها ومحاسبة من ينتهكونها لا تعني أبدا التغاضي عن أخطاء من شاركوا يوما في حماية هؤلاء المنتهكين ودولتهم وإخراجهم من موضع أعداء الثورة لمجرد اختلاف مواقعهم رغم أن افكارهم لم تتغير .. هذا فضلا عن أن تحرك يشارك فيه هؤلاء سيكون نصيبه الفشل التام وليس مأمون العواقب.

إن تغيير استراتيجية التعامل مع المستبد الجديد، أصبح أيضا ضرورة خاصة في ظل إدراك هذا المستبد لقواعد الحشد المضاد واستغلاله أيضا لإرهاق جانب كبير حلم بدولة عدل فلم يرث إلا متاعب خلفتها معركة الثورة الممتدة ، على جانب من الثوار أن يدرك إن جانب من معركتهم مع إعادة انتاج الدولة القديمة هي معركة وعي يؤسس لبديل وتدعيم خيار الخروج الواعي بتحالفات مختلفة تمهد للمستقبل، حتى لو اضطرتهم الظروف للمرة الثالثة لتكرار تجربة خلع المستبد فقط انتظارا لمرحلة بناء الدولة الجديدة .. فعلى الأقل عليهم أن يؤسسوا أن يكون خروجهم القادم هو الأخير أو ما قبل الأخير. المؤكد بالنسبة لي في ظل الظروف الحالية ونجاح النظام في انهاك القطاعات القريبة من الثورة في معارك يومية، إن الخروج القادم ربما لن يكون الأخير وإن ما يتدعم حاليا هو خيار الانتصار للثورة الجيلية والصراع الجيلي.. لكن هذا الصراع لابد أن يدرك أصحابه أنهم ليسوا في عداء مع الأجيال القديمة، وإن بدت خياراتهم بفعل التجربة الصعبة معاكسة لأحلامهم، بل عليهم جرهم لمربع الحلم من جديد، بل والتعامل أيضا مع مخاوفهم وليس انتاج أليات إقصائهم على طريقة "جيل هزمنا بصوته بعد ما هزمنا بسكاته" .. فجانب من تحركات القطاعات الواسعة من هذه الأجيال سببه الفاتورة الصعبة للثورة الطويلة الممتدة والتي ربما لا يتحملها كثيرون، فضلا عما مثله البديل الذي تم طرحه من مخاطر حتى على دولتهم القديمة الظالمة.. على الحالمين بالثورة استعادة لحظات انضم فيها هذا الجيل ( جيل الآباء المغضوب عليهم ) لصفوف الثورة، بل وكان حريصا على تقديم الاعتذار للأجيال التالية له، قبل أن تعيده صعوبات السنوات الثلاثة الأخيرة إلى مربعه الأول. المؤكد - بالنسبة لي على الأقل - أن استعادة هذه اللحظات لن تمر عبر بوابة التسفيه المستمر لهذه الأجيال بل بتقديم بدائل قادرة على المواجهة وفي مقدمتها جيل قادر على القيادة والحلم معا. فمعنى الصراع الجيلي، ليس اقصاء أجيال ولا القضاء عليها ولكن القضاء على سيطرتها وجرها لمربع مساندة الثورة والشعور بأن هناك تجربة جديدة قادرة على صنع مالم يستطيعوا صنعه وتحقيقه.

ربما لن تقدم الموجة القادمة البديل لكن عليها على الأقل ان تمهد الأرض لصنعه بالإعداد لمعركة حاسمة على طريقة الموجة الأولى بشرط أن تكون مدركة للمخاطر قدر الإمكان.

(هامش) سأصير يوماً طائراً، وأَسُلُّ من عَدَمي وجودي .

كُلَّما احتَرقَ الجناحانِ اقتربتُ من الحقيقةِ، وانبعثتُ من الرمادِ.

أَنا حوارُ الحالمين، عَزَفْتُ عن جَسَدي وعن نفسي لأُكْمِلَ رحلتي الأولى إلى المعنى، فأَحْرَقَني وغاب .

أَنا الغيابُ. أَنا السماويُّ الطريدُ ... سأَصير يوماً ما أُريدُ

جدارية – محمود درويش

مقالات ذات صلة

15 يناير 2011 .. عقبال عندنا خالد البلشي :عطر الياسمين .. عقبال عندنا

http://www.masress.com/elbadil/16063

19 يناير 2011

:

كونوا معنا يوم 25 يناير سننتصر

خالد البلشي: رسالة إلى الدكتور البرادعي ..والكتاب الصارخين في البرية .. كونوا معنا يوم 25 يناير

http://elbadil.com/2011/01/19/19526/

27 يناير 2011: الشعب خلاص أسقط النظام

خالد البلشي : الشعب يريد إسقاط النظام .. حلاوة أن تريد وان يكون لك إرادة

http://www.masress.com/elbadil/18413

15 يونيو 2012

خالد البلشي يكتب : لا وقت للإحباط .. الثورة ستستمر بحلمنا

http://elbadil.com/2012/06/15/50899/

التعليقات
press-day.png