رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

خالد البلشي يكتب: قراءة في حوار السيسي .. أنا الديكتاتور المنتظر

"الحوار رايح لأصحابه.. بيأكد عليهم مش عاوز حد تاني".. و"الديكتاتورية النقية.. الديكتاتورية من مصادرها الطبيعية" .. كانت هذه هي ملخص رؤيتي الفورية للجزأين الأول والثاني من حوار السيسي. الجزء الأول بدا فيه السيسي غير منشغل تماما، بتوجيه أي رسائل إلى معارضيه، بدا لي يوجه رسائله لمؤيديه، اكتفى السيسي من وجهة نظري بالحفاظ على من يراهم ناخبيه المحتملين متجاهلا الباقيين بل أنه لم يضعهم في حساباته من الأساس ..

حرص الرجل طوال الجزء الأول من الحوار على تأكيد معنى واحد "أنا المستبد المنتظر".. ولم ينشغل بكل القطاعات المطالبة بالديمقراطية وبمزيد من الحريات ولم ينشغل بتوجيه أية رسائل إليهم.. بل كان حريصا على تكريس صورة واحدة أن الرأي رأيه والكلمة كلمته والباقي رتوش تكمل الصورة.. وأنه سيكون رجل دولة حازم وقوي وديكتاتور ايضا إن اقتضت الظروف، متجاوزا أكثر من ثلاث أعوام من الخروج للمطالبة بالحرية والديمقراطية والكرامة الانسانية.. ومرسخا الحديث عن أن هذه المطالبات هي التي أوصلتنا لما نحن فيه الآن وليس ميراث 40 عاما من الفساد والديكتاتورية والتبعية للآخر.

في كلمات مباشرة وموجزة كان السيسي حريصا على توجيه رسائل شعبوية بانه الحازم الحاسم الحامي لقطاعات أرهقتها سنوات الثورة الثلاث.. وكان حريصا أيضا على أن يؤكد لمتابعيه إنه مبعوث العناية الألهية لإنقاذ البلاد من طموح الحرية الذي يسميه أنصاره بالفوضى.. قالها السيسي في أكثر من مرة وبكلمات واضحة.. " القائد العام يخطر ولا يستأذن " كان رده على سؤال حول استئذانه للجيش في أمور ترشحه .. وفي رده عل سؤال عن الذين استشارهم قال بشكل واضح أنها أسرته .. أما عن رأيهم فقال بوضوح تام إنه في أمور الوطن لا يجوز الركون لمخاوف الأسرة .. كان في كل التفاصيل حريصا على أن الرأي رأيه ولو استشار.. فهي استشارة على طريقة سي السيد ورجل البيت لكنها تتوقف عند حدود تعريف الطرف الأخر أو الاستئناس برأيه على أكثر تقدير.

لم يتوقف السيسي عن تأكيد رسالته طوال الجزء الأول من الحوار في إجابات قصيرة وحادة .. لن أسمح بوجود الإخوان في عهدي.. ولن يسمح بهدم الدولة بالتظاهر ولا بتعديل قانون التظاهر.. بل أنه قذف بها في وجه محاوره قائلا "لن أسمح لك بقول كلمة عسكر مرة اخرى ثم أتبعها بكلمة بس ما تزعلش مني ".. في سلوك من ينابيع الديكتاتورية الصرفة، فهو الأب الذي يدرك الخطر ويتوجه لحمايتك منه حتى ولو قهرك بس متزعلش، لأنه العالم ببواطن الأمور فهو أعلم منك بالهدف من الكلمة.. وهو في نفسه حام الأخلاق لكنه لن يتدخل في طريقة تطبيقك لها . بدا لي أن السيسي حدد من سيتوجه لهم بالحوار .. ولذا جاءت كلماته شعبوية تشاغل جموع انهكتها السنوات الماضية ..

استغل السيسي إرهاق المصريين ومخاوفهم وركز على جوانب الرعب في حياتهم وأدرك أن نظامه الذي يبنيه يجب أن يأتي نقيض لسابقه، خاصة أنه يبني شرعيته على انقاضه، فركز على تجاوز أهم المخاوف التي دفعت الناس للتحرك ضده وهو أليات الوصاية الدينية وتكفير مخالفيه فقدم رؤية أكثر انفتاحا للدين تخاصم ما فات تماما وتتجاوز خطأ سابقيه، بعدم التدخل في الحياة الشخصية وفرض قواعد وطريقة ممارسة الناس لدينهم، والتي كانت أحد الأسباب الأساسية للخروج على النظام، لكنه رغم ذلك لم ينس أن يقدم نفسه كحامي للأخلاق مؤكدا أن دور الحاكم هو الحفاظ على الأخلاق للحد الذي دفع محاوره لأن يساله يعني انت جاي تأدب الناس .

تعامل السيسي مع المطالبين بالحرية والديمقراطية على أنهم هامش يمكن تجاوزه بل وتجاهله أيضا وهو ما ظهر بوضوح في ردوده على الأسئلة الخاصة بقانون التظاهر والعفو على النشطاء والتي أنهاها مؤكدا أن لكل حادث حديث.. ربما تبقى أسباب التجاهل هي الجزء الذي يجب أن يتوقف أمامه فريق المطالبين بعدل تحميه الحرية وبمساحات أوسع من الديمقراطية تنشد مساواة على أساس العدل والكفاءة. فالأمر لا يعود فقط لطبيعة نشأة الرجل العسكرية، ولكن ربما لتراجع تأثير المطالبين بالحرية ولهذا أسباب متعددة لابد من مناقشتها.. بحيث يدرك كل من يتجاهل مطالب العدل والحرية والمساواة والكرامة الانسانية إنه سيدفع ثمن هذا التجاهل يوما ما.. يرونه بعيدا ونراه قريبا.

لست بحاجة للتأكيد أن تحقيق هذه المبادئ وانتصارها لا يمكن ان يمر أبدا من بوابة من خانوا الحلم وسعوا لبناء دولة على مقاس تنظيمهم فقط. ومن حالة الأب المهيمن الفاهم لبواطن الأمور العارف دائما بالتفاصيل والذي سيحميك حتى من نفسك.. ومن الرهان على خطاب شعبوي صرف موجه لفريقه فقط إلى منابع الديكتاتورية الصرفة ومحاولة رسم هالة الديكتاتور العادل، الذي يوزع قهره على الجميع كبار وصغار بالتساوي جاء الجزء الثاني من الحوار، والذي قدم فيه السيسي نفسه كديكتاتور تقليدي حسب التعريف الحرفي للديكتاتورية بل أنه اقترب من تخوم المفاهيم الفاشية مستبدلا مفهوم الحرية بمفهوم الوطنية ..

صور السيسي نفسه في الجزء الثاني من الحوار كديكتاتور يمسك بمرزبة دولة تطال كل من يجرؤ على الخروج عن الخطط المرسومة حتى ولو وصل الأمر إلى اقتحام المنازل وإلزامك بتركيب اللمبات الموفرة لتجاوز أزمة الكهرباء.. مبشرا بعودة دور الدولة بقوة – وهو من وجهة نظري ضرورة تحتاجها مصر بقوة – لكنه تجاوز دور الدولة المطلوب إلى الدولة القمعية التي تتدخل حتى في التفاصيل الشخصية من أجل انجاز سريع وفرض حدود دنيا للعدالة يراها القائد، مؤكدا إنه لن يسمح بانتهاكها كأب ملتزم بإطعام شعبه وأبنائه.

أسئلة الإمكانيات وغيابها كان الرد الحازم عليها سنفعل.. أما الرد على كيف ستوفر الموارد للفعل "نحن قادرون على فعلها والمصريون سيفعلونها".. وما هو دور القطاع الخاص .. "إذا لم يفعل وفي الوقت المحدد سنفعل نحن وننفذ نحن" .. قدم السيسي الحل في استعادة دور الدولة – وهو كما قلت مطلوب في حدود تحقيق العدالة – لكنه قدم استعادته لدور الدولة في أكثر اشكاله تقليدية.. متجاوزا حتى بعض إجابات منافسة والتي مازالت تتحسس طريقها لبناء دولته، حرص السيسي على أن يبدو حاسما في إجابات تحتاج الكثير من الدراسة بل والتشاور أيضا، كما حرص على تقديم نفسه كرجل دولة يمتلك مفاتيح الحل وكرئيس فعلي لا مرشح محتمل كمنافسه..

عاد السيسي إلى حتى بعض المفاهيم التقليدية للدولة بل وإلى مفاهيم الحشد الفاشية.. مؤكدا أنه قادر على مواجهة قلة الإمكانيات بالحشد وبالقدرات الكامنة الخفية التي يدرك كيف سيفجرها وهو خطاب ربما يستهوي الكثيرين ممن يتوقون إلى دور حاسم للدولة في مواجهة ما يرونه انفلاتا. لم تقف حدود رؤية السيسي وصورته التي قرر صنعها لنفسه عند هذه الحدود .. فلقد أدرك منذ الوهلة الأولى أنه يتعامل مع ميراث شعب وحلم بالرئيس المسيطر المهيمن .. فقدم نفسه على انه هو القادر على تحقيق ذلك الحلم ولو تجاوز دستور تم صياغته وكان هو أول من طالب الناس بالنزول للتصويت عليه .. فهون من أسئلة محاوريه عن الحكومة القادمة وماذا إذا جاءت معارضة لتوجهاته خاصة أن الدستور الحالي نزع عن الرئيس حق اختيار أعضائها .. مؤكدا انه سينفذ ما يراه في عودة للشكل التقليدي للرئيس وتجاوز للنصوص .. ظهر ذلك واضحا أكثر في رده على سؤال حول هل سيؤسس حزب .. جاءت الإجابة نابعة من الماضي وليس من الحاضر مؤكدا انه سيكتفي بالمساندة الشعبية .. 

لكن ما لم يقله السيسي كان واضحا من رهاناته طوال الحوار وإلى من يتوجه بالخطاب حيث جاء رهانه على معارضة ضعيفة، - ويبدو أنها مصرة على ضعفها- مدركا أن مجرد وجود رئيس قوي ربما يحسم ايضا معركة البرلمان لصالحه، ولو اعتمد أو ربما في ظل اعتماده على رموز الوطني القديم في حملته.. رغم تأكيده استحالة عودة نظام ما قبل 25 يناير .. والتي استدرك فيما بعد مؤكدا أن النظام ليس أشخاص ولكنها قواعد، في رسالة لمسانديه بأنهم عائدون ولكن بقواعده هو.. وكأن السيسي يراهن ايضا على طبيعة عضوية الحزب الوطني القديمة والتي اختارت الحزب لمجرد انه حزب الرئيس بما يعني أنها مستعدة للعب بقواعده حفاظا على مصالحها وقربها من الحاكم .

وفي الوقت الذي حرص فيه السيسي على تأكيده أنه سيستعيد دور الدولة في مواجهة قطاع خاص يعظم أرباحه على حساب الفقراء مؤكدا أنه سيعيد تصحيح هذا التوازن .. وهو ما اعتبره البعض مؤشرا على أن الصدام الأول للسيسي ربما يكون مع القطاع الخاص ورجال الأعمال .. إلا أن السيسي أبقى الباب مواربا فلم نسمع في حديثه وطوال حواره كلمة واحدة عن محاربة الفساد، في رسالة واضحة أخرى أننا سنحافظ على ثرواتكم الحالية بشرط العمل بقواعدنا القادمة والسماح لكم بربح في إطار المعقول، مؤكدا أنهم إذا لم ينصاعوا للاختيار الجديد فإن الدولة قادرة على الفعل وستتجاوز ذلك. وقدم لهم نموذج للتعامل على طريقة مشروعات الجيش والتي يتعامل فيها كمقاول كبير بينما يدخل القطاع الخاص لتنفيذها من الباطن مكتفيا بما يتم تقديمه من ربح.. وهو اختيار آمن للكثير من رجال الأعمال خاصة عندما يدركون إن اعتراضهم ربما يحولهم لطرف في واحدة من حروب الدولة القادمة أو إحدى معاركها لضمان حشد الجماهير بشكل مستمر خلف سياسات الدولة .. وحتى لا تكون المعركة القادمة للدولة بعد محاربة الارهاب هي الحرب على رجال الأعمال الفاسدين الذين يقاومون بناء الدولة ، وساعتها ربما تفتح ملفات تم إغلاقها..

بني السيسي برنامجه على التعامل مع مخاوف قائمة واستغلالها في بناء ما يرى انه دولته القادمة، وأدرك أن بناء مشروعية نظامه يلزمها أن يظل القائد الذي يخوض معارك الوطن وخلقها إذا لزم الأمر دولة مبنية على الخوف لا الحرية .. الخوف من هيبة الدولة بدلا من دولة تؤسس لهيبتها بالحرية.. دولة تخوض حروب مستمرة لحشد الجماهير ، فمن حرب حقيقية ضد الإرهاب .. إلى الاستعداد لحروب يتم تفجيرها لزوم ضمان الولاء الدائم للحشود ولو على حساب حريتهم، فالوطنية أهم من الحرية والحفاظ على الدولة في مواجهة من يهدمونها بالتظاهر ولو من أجل حقوقهم تحول حاليا لواجب مقدس.. وهو يدرك أنه في وقت من الأوقات ربما يستدعي هذه الحشود في مواجهة خصوم محتملون فقد فعلها سابقا ونجحت، وساعتها يدرك السيسي أيضا ان أحدا لن يسأله عن التظاهر الذي يهدم الدولة .

يقوم برنامج السيسي على توزيع أحلام محدودة مع وعد بحلم كبير قادم، لكن الحلم الوحيد الذي بدا أنه ليس مستعدا للتعامل معه هو حلم الحرية التي خرج الملايين للمطالبة بها.. فلا حرية في وطن ينهار إلا في حدود أن تكون جزء من حملة بناء الوطن وتحمل شعار تحيا مصر وهو شعار عام يأتي في إطار خطة للحشد وليس للبناء ..

ربما تبدو كل الظروف الحالية مواتية لخطة كهذه لكن الخطأ الكبير الذي لم يراهن عليه السيسي هو خطأ تجاهل جموع بنت خروجها على الحرية وتجاوز أجيال بكاملها ترى أنه لا عدل بلا حرية.. ولكنه سيظل خطأ محدود طالما بقيت هذه الأجيال مشتتة تخوض معارك تخوين بعضها البعض، غير مدركة أن الثورة هي أن تدرك كيف تخوض معارك السياسة مثلما تخوض معركة الحرية.. أما الحلم.. فسيظل معلقا بإدراك هذه الأجيال لطبيعة المعارك وقدرتها على تنويع أدواتها واستغلالها لاستكمال معركة ثورتها وحريتها حتى لا يأتي يوما يقبع بعضهم داخل سجون الديكتاتور بينما يصفق له لقدرته على شغل الجماهير بمعركة البناء وهي ضرورية لكنها ستظل دائما عرضة للانهيار ما لم تحمها الحرية .

أعتقد أن السيسي نجح في الوصول إلى من يريد الوصول لهم لكن معركته ستكون صعبة وربما يكون مضطر لتغيير أدواته واستراتيجياته إذا أدرك قطاع الحالمين بالثورة أهمية أن يكونوا كتلة وأهمية خلق آليات متعددة للوصول إلى قطاعات أوسع من الجماهير تحلم بالعدل .. لكنها أيضا ليست مستعدة لمقايضة حريتها مقابل أكل العيش. بقي أن على منافسه السيد حمدين صباحي أن يدرك أن معركته ربما تطول وأنه يحتاج لخطاب أكثر راديكالية، ولتأسيس دولة عدل وحرية حقيقية تواجه كل من يحاول انتهاكها ولخوض كل المعارك الصعبة المنهكة ومواجهة كل الأعداء الحقيقيين دون أي محاولة لتحييد اي منهم.. وتأكيد دائم على أن معركته لن تكون العدل فقط ولكن ستمتد للقصاص ومحاكمة كل من ينتهكون حقوق الناس ويعذبونهم وينالون من حريتهم بل وتطهير مؤسساتهم منهم.. أن يعلن بشكل واضح أنه مثلما يدرك خطر الإخوان والمتعاونين معهم فإنه يرى خطر الاستبداد وعودة دولة التعذيب والقمع ولن يصمت عليها بل وسيحاسب من يمارسون انتهاكات بحق المواطنين ويحاولون إعادة تأسيس دولتهم القديمة مرة أخرى .. كما يلزمه خطاب اقتصادي يتجاوز حدود التوازنات ويؤسس لدولة عدل تشمل الجميع وتجتث الفساد من جذوره ..

ربما نجح السيسي في ضربته الانتخابية الأولى لكن خطأه التاريخي الذي إن لم يتجاوزه – ويبدو لي حتى الأن ليس مستعدا وربما ليس مؤهل لتجاوزه – هو خطأ تجاهل جيل يحلم بعدل تبنيه وتحميه الحرية .. وهو خطأ لو تعلمون عظيم فهذه هي معركة الثورة وستظل قائمة ما لم يأت من يدركها ويكون حريص على تحقيقها .

التعليقات
press-day.png