رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : الثورةُ التي لا ميعادَ لها

الثورة ليست لحظة يتوقف فيها الزمن عند مشهدٍ ما.. فإذا ما تحرك الزمن، إنفض المشهدُ وغادر الأبطال كلٌ إلي بيته وكأن شيئاً لم يكن..الثورةُ ليست كذلك.

لما كانت الحياة في حركةٍ دائمةٍ -و هي إذن لن تتوقف حتي لإلتقاط الأنفاس- فلا خيارَ لديك سوي أن أن تَتَقدم إلي الأمام مُنْتَقِلاً إلي مرحلةٍ جديدةٍ في المسار..

الثورةُ مسارٌ في عمقِ الزمن يبدأ من حيثُ لا يدري أحد..التَقَدُم هو قدرُ الثورةِ المحتوم في المسار الذي قد تَكْتَنِفُه عثراتٍ تُقًسِمَهُ إلي مراحل يُمثلُ كلٌ منها معركة بذاتها بين طرفين يحاول أحدهما التَقَدُم للأمام، بينما يُعيقه الآخرُ سعياً وراء إبقاء الأوضاع علي حالها دون تغييرٍ، أو إعادتها لما كانت عليه سابقاً، بما يدفع بالمسارِ كلهِ خارج سياق التاريخ.

مَرَّت الثورة المصرية بمرحلتين أساسيتين حتي الآن في مسارها الذي يبدو طويلاً كما حدث بالثورتين الفرنسية و الروسية..المرحلة الأولي هي مرحلة التحضير للإنتفاضة الكبري أو ذروة الحراك الشعبي في يناير/ فبراير 2011، ثم كانت المرحلة الثانية و هي مرحلة التخبط التي بدأت بعد تنحي "مبارك" و مازالت مستمرة حتي الآن و إن أشرفت علي النهاية. أميل إلي إعتبار ما بعد "مبارك" مرحلةً واحدةً لا مرحلتين علي الرغم من إختلاف طبيعة الحكام ما بين المجلس العسكري و الإخوان، حيث أراهما يُمثلان طبقةً واحدةً رجعيةً علي نحو ما لم تساعد بالتقدم في المسار، فكان أن دخلنا في مرحلة "التخبط" التي إتسمت بها تلك المرحلة..تخبط المجلس العسكري و تخبط الإخوان..التخبط" هو سيد الموقف و الخاتمة المُرة لتلك المرحلة.

ساعد النمط الإقتصادي الذي كان سائداً في أواخر أيام مبارك علي الوصول إلي ذروة المرحلة الأولي، فقد إعتمد هذا النمط أسلوباً في الإقتصاد كان قائماً علي تراكم المال دون قيمة مضافة حقيقية من خلال التركيز علي أعمال التجارة (الإستيراد و التصدير إن وُجد) و المضاربة مما أنتج فائضاً في القيمة و لم يُضفِ للمجتمع شيئاُ..إنه نمط التراكم الذي يسعي لزيادة المال "رقمياُ" أو "حسابيا" فقط دون خَلقِ قيمة إضافية للمجتمع، فكان أن إتسمت تلك المرحلة بإقصاء قيم "العمل" و الإنتاج". حينها، و حينها فقط كانت البداية..

تحت وطأة قيم هذا النمط الإقتصادي المُنحط، خرجت الطبقة العاملة من سوق العمل إلي البطالة و الإفقار و سد أبواب الأمل في مستقبل أفضل، و وجدت الشرائح الإجتماعية القابعة في الدرجة السفلي من سلم البورجوازية المصرية نفسها أمام مأزق شديد الحدة..فإما أن تُغيرَ من قناعاتها فتكون جزءاً من فساد ترفضه حتي تحتفظ بمكانتها الإجتماعية أو أن تتمسك بتلك القناعات فتبدأ أحوالها في التدهور شيئاُ فشيئاُ.. كانت تلك هي حالتنا في مرحلة ما قبل يناير/ فبراير 2011.

في مرحلة "التخبط" تدهورت الأحوال أكثر..قوي محلية عجوز و مترهلة و شديدة الرجعية تدير المشهد..قوي خارجية كانت القوي الرجعية المحلية حليفةً دائمةً لها ترقب بإهتمام في إنتظار فرصة لتضرب بقوة..بِنىَ تحتية تنهار بسرعة متناهية..لم يكن هناك من يدفع إلي الأمام في سبيل التقدم لا عملاً و لا فِكراً. كانت حصيلة تلك المرحلة هي فقط بضع أحزاب لا ظهير إجتماعي لأغلبها و مزيدٌ من الصحف التي لا يقرأها أحد و تردٍ حادٍ جداً في أحوال إجتماعية متعثرةٌ من أساسها.

مرحلةُ التخبط قد شارفت علي النهاية، و نحن مقبلون الآن علي مرحلةٍ في غايةِ الأهمية من شأنها أن تضعنا إما علي الطريق السَوْيِ لنأخذ خطوة تقدمية إلي الأمام في مرحلةٍ جديدةٍ بمسار الثورة لفرض أنماط إقتصادية مختلفة تهتم بقوي إجتماعية مًغايرة أو أن نعود إلي الخلف بضع خطواتٍ -في أحسن الأحوال و أكثرها تفاؤلاً- لإجراء إصلاحات شكلية غير جوهرية في البنية الإقتصادية والسياسية التي كانت قائمة عشية 25 يناير 2011، وذلك تجهيزاً لمرحلةٍ جديدة في مسار الثورة التي.........لا ميعادَ لها.

التعليقات
press-day.png