رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

خالد البلشي يكتب: في حضرة الموت

تشاغلني الكتابة عن الموت منذ فترة طويلة.. بالمناسبة هذه ليست نبؤة بأن أجلي اقترب وليست إحساسا بأي شيء، ولو حدث فمن فضلكم أتمنى ألا يكتب أحدا يااااااااااه، دا كان قلبه حاسس وكتب عن الموت لأن ده مش حقيقي .. أنا أكتب تأثرا بما يحدث وليس في كتابتي نبؤة بالقادم فأنا ربما لا اخاف الموت.. لكني أيضا لا أحبني وأنا ميت .

لي وجهة نظر في الموت ربما لا تعجب البعض وربما تصدم آخرين لكنها وجهة نظري، أحبها كما أحب الحياة ما استطعت إليها سبيلا .. وأكره تمني الموت لكنني أهلت نفسي دائما على شيئين الفراق، وأنه قادم لي يوما أو أنا ذاهب إليه .. وأدرك أنه يوما ما سيطرق بابي بطرق متعددة .. ربما بعد ساعة وربما اليوم وربما غدا.. ولكن منعا للإطالة دعونا نبدأ

أولا.. اعتراف:

هذا اعتراف لابد منه قبل الكتابة، الموت بالنسبة لي ليس حدثا جللا.. ربما يؤلمني الفراق، لكن يوجعني المرض والألم والعجز أكثر.. أتعامل مع الموت بازدراء أدرك أنه قادم وطالما هو قادم فلماذا يصدمني؟.. ما يؤلمني أكثر هو المرض هو الألم .. أكثر شيء يوجعني في الحياة هو رؤيتي لإنسان يتألم.. أهلت نفسي وأؤهلها دائما على الفراق .. كل الاحتمالات مطروحة في مخيلتي ولذلك فإنني تهزني دمعة عفوية تسقط على خد إنسان وقت الوداع، لكنني أكره الولولة.. يوجعني أكثر عجز حالم أو حلم عاجز عن التحقق.. يؤلمني نظرة رجاء وأمنية شفاء أو عجز مخلوق عن احتمال ألم ما.

ثانيا .. وصية:

من أراد أن يقول لي أي كلمات فـ ليقلها لي الآن .. كل من يحمل بداخله رسالة حب أو كره أو عتب فليشهرها في وجهي منذ هذه اللحظة فأنا لن أتلقى رسائلكم بعد الرحيل .. وليتأكد كل من لم يستطع أن يقول ما بداخله لي الآن أنني لن أزعل منه ولدي مبررات عديدة لعدم قدرته على قول ما يريد .. إما انه لم يمتلك جسارة منحها لي، أو أن هذه هي الحقيقة لأنني لا أستحقها، على الأقل وقت عجزه عن قولها، أو أنها لم تكتمل داخله أو ان هذه حدود قدرته على التعبير فلا يكون موتي هو دافعه إلى القول.. الأهم انني لن أكون موجودا حين يقولها والمؤكد أنني لن أسمعها .. أه والله

أقدر كل مشاعر الفراق .. وأقدر أكثر دوافع عدم القدرة على البوح، وأولها أن ظروفنا ربما ليست مؤهلة لكثير من هذا البوح فلا تجعلوا من موتي بوابة لتبرير عجزكم، أو غسل ضمائر أؤكد لكم أنها لا تحتاج لغسلها، فقد نلت منكم ما استحق وربما لم أتمكن من جعلكم تقدرونني .. ربما هذا عيبي وليس عيبكم، وربما عيب حياة أنتم أضعف من أن تتحملوا وزره وحدكم ولو لساعات ثم تعودون بعدها سيرتكم الأولى.. تتذكرونني في موت قادم .

عن المسامحة والغفران :

لا يعذبن أي منكم نفسه بعد رحيلي بأنه أخطأ في حقي، أو تأخر عن أداء حق لي .. ولتعلموا أنني بمجرد رحيلي - وهذا عهد أحاسب عليه - سأكون قد سامحتكم جميعا.. ربما لا أسامح في أشياء بعينها خلال حياتي لكنني أعاهدكم الآن، وأمام الجميع أنني بمجرد أن أدخل في زمرة الراحلين سأكون قد سامحتكم جميعا.. فلا تتركوا أنفسكم لعذابات ضمير على شيء لم تفعلوه من أجلي في الحياة أو كلمة لم تقولوها لي ..

أقول لكم من موقعي وقتها في ذمرة الموتى، أنني ساعتها أدرك مشاغل الحياة، وأدرك مصاعبها وأدرك أحيانا أن تفاصيلها ربما تنسينا واجبات كثيرة، وأنني كثيرا ما رفعت التليفون لأتصل بفلان أو أعزي علان أو حتى أقول لترتان أنني أحبه، وأفتقده فتفاجئني مشاغل الحياة عن التواصل معه، وربما لا أتذكره إلا بعد فوات الأوان ، ولذلك من موقعي هنا عبر العالم الآخر، أقول لكم لا تعذبوا أنفسكم بشيء حالت ظروفكم أن تقولوه لي، فأنا عشت حياتكم معكم، وأدرك مشاعر كل منكم، وأدرك أن كثيرين منكم أرادوا أن يقولوا لي الكثير، فلا تجعلوها جزء من مرثيتي.. يكفيني كلمة رحمة ونظرة وداع ودمعة عفوية ربما تريحكم قليلا، لكن دون ذلك أقول لكم وفروا ما بقي من هذه المشاعر للأحياء حولكم .. ربما يحتاجونها أكثر .. أعلموا أن هناك مريض أو صديق أو رفيق درب أو ابن أو حبيبة ربما يحتاجكم ويحتاج مشاعركم أكثر في هذه اللحظة، أما أنا في هذه اللحظة أيضا فلي عالمي ولكم عالمكم وحياتكم وأحياءكم الأولى بالاهتمام.

رجاء حار :

من فضلكم لا تشعروا بقيمتي، إن كان لي قيمة بعد رحيلي.. ولا تعطونني ما هو أكثر من حقي، أو تبالغوا في إظهار ميزات لم ترونها في وأنا على قيد الحياة.. لا تجعلوني أحس أننا حقيقة أبناء ثقافة موت وأن الإنسان الأجمل والأفضل في ثقافتنا هو الإنسان الميت .. هذا ليس طلبا بأن تبخسوا أحد حقه ولو بكلمات بعد الرحيل ولكن على الأقل لا تبالغوا في إظهار اهتمامكم بشخص لمجرد أنه مااااااااااااااات .. خلاص مات .. والنعمة مات .. اهتموا بالأحياء.

وصية 2 :

ربما أكون جميلا، وربما أكون رائعا، ولكن بمجرد رحيلي من فضلكم فتشوا عن الجميلين بينكم.. عن الرائعين على قيد الحياة عمن يستحقون هذه المشاعر وهذا الحب وهذا الاحترام أكثر لأنهم لازالوا بينكم.. أجعلوا موتي فرصة لاكتشاف الأحياء بينكم لا طريقا لاكتشاف مميزات خلاص انتهت لم تعد موجودة لأنها رحلت معي.. ربما كانت موجودة بينكم قبل ساعات ولم تدركوها.. وربما ما تقولونه لم يكن موجودا والدليل أنكم لم ترونه وأنا موجود بينكم.. لا تحولوا موتي لسباق في كلمات الرثاء أو محاولة فأنا أعرف وانتم تعرفون أنكم بمجرد كتابته ستعودون سيرتكم الأولى.. وأن هناك على هذه الأرض ما يستحق الحياة ومن يحتاج كلماتكم أكثر .

إنك ميت وإنهم ميتون :

هذه ليست مجرد آية لكنها حقيقة واقعة .. حقيقة أننا جميعا راحلون جميلنا والسيء منا .. ركزوا في معنى الآية التي جاءت لتؤكد أن الرسول راحل وسيموت مثل جميع البشر.. جانبها الآخر أن السيئين أيضا يموتون .. لا تشغلوا أنفسكم بالاجابة على أسئلة عبثية على " طريقة لماذا لا يموت ولاد التييت " فالأهم أن تموت قيمهم أن تهزم مبادئهم وأن تنتصر أخلاق الجميلين عليهم .. ولتدركوا فوق كل ذلك أن أولاد التيت أيضا يموتون .. والله يموتون .. لكن الأكثر إنسانية ليس موتهم بل انتصار قيم الرائعين بيننا.

أعرف أن مصائبنا بمقاييسنا دائما أكبر.. وأدرك أن عصرنا وسنواتنا الأخيرة خلت بيننا وبين كثير ممن كنا نحبهم ومن وقفوا معنا، ودافعوا عما نراه حق وحقيقة وحلموا معنا بعدل لم يأت بعد وجمال لم يدركونه ونخشى ألا ندركه ، لكن هناك الكثير من ولاد التيت الذين يموتون يوميا ولا نشعر بهم ، ربما بعض كبار من هؤلاء مازالوا متشبثون بالحياة، لكننا سجنا بعضهم ونلنا من آخرين.. ومنهم من نال منا.. لكننا مستمرون وسنبقى مستمرون بذكرى الجميليين الراحلين وبعزم وقوة الباقيين منهم معنا والقادمين منهم إلينا . لكن علينا أيضا أن ندرك أن هناك أفة تلاحقنا.. وأننا عملا بمبدأ أذكروا محاسن موتاكم كثيرا ما نضفي على بعض من أبناء "هذا التيت" صفات ملائكية لمجرد انهم ماتوا.. فيخسر أصحاب حقوق كثيرين بيننا، بينما لا نترك لأنفسنا سوى الألم ومزيد من أوجاع تسحبنا إلى مناطق ألم ويأس علينا تجنبها .. مثلما نحتاج الكثير من الراحلين بيننا الآن.. نحتاج كل شهدائنا، نحتاج عماد عفت ومينا ومايكل والحسيني أبو ضيف وجيكا والجندي وكريستي ومصطفى الصاوي وكثيرين غيرهم لا مجال لإحصائهم لكن علينا أن ندرك أن بيننا مثلهم كثيرين، وأننا قادرون ما دمنا على قيد الحياة .. وأن كثير من قيم أبناء التيت الذين لم يموتوا الآن تتهاوى يوما بعد يوم وأنهم ايضا ميتون مثلنا غدا ، والأهم أن بعضهم ماتوا وقيمهم سقطت وهم أحياء.. بينما شهداؤنا بذكراهم وبطولاتهم وما يبثونه فينا من قدرة على الاستمرار أحياء بيننا، وأحياء عند ربهم يرزقون

تكوين العيلة:

أعرف أن كثيرين منكم الآن يريدون سبي، والبعض يرون أن كلامي شيء نظري وأنني اتفلسف عليهم لكن لتدركوا أنني واجهت ما اقوله كثيرا اختبرته على نفسي، فلا تستغربوا يوما عندما تأتون لعزاء في عيلتنا فتجدون صفوف العزاء وقد تحولت دوائر حكايا عن المستقبل والأحلام والذكريات التي منعتنا الأيام والمشاغل عن الفضفضة بها لبعضنا البعض .. لا تستغربوا لو تحولت بعض العزاءات لدوائر نقاش أو سمر فنحن نودع موتانا بتذكر قدرتهم على خوض الحياة واستدراك أيامنا القادمة، نودعهم على طريقة حبهم لهذه الحياة ورغبتهم في خوضها حتى النهاية، وقت الرحيل ربما تغافلنا عبراتنا، تفر من أعيننا وجعا حقيقيا وألم فراق.. لكننا ندرك ونحن نودع أحباءنا أننا بحبنا لهم وحبهم لنا مستمرون .. ورحيلنا معهم ربما لن يفيدهم ولكن المؤكد أنه سيوجع ويضر أحياء لازالوا يستحقون الحياة بل والسعادة أيضا.

الكتابة الوحيدة عن الموت:

مرة وحيدة كتبت عن الموت، الكتابة كانت بعنوان أحزان عادية.. لكن المفاجأة أن أحزاني العادية كانت عن رحيل ابنة شقيقتي الأقرب لي .. يارا التي كانت تفر إلي بمجرد أن تعرف أنني موجود في أي حيز جغرافي قريب منها .. المفاجأة الثانية أنني كتبت أدافع عن الطفل الصغير الأخر الذي كان سببا في موتها بعجلات جراره الزراعي لأن السبب كان فسادا خلقه آخرون أحق بالعقاب والمحاسبة والقصاص .. دافعت عن أحلامه وعمره الذي سرقه منه فاسدون دفع بعضهم جزء من الثمن بعد ذلك ولكن أغلبهم ينتظر حسابنا لهم بعد أن حصروا حياة الصغير وأحلامه بالعيش في وسيلة لا تعي فتسبب في سرقة حياة زهرة جميلة رفيقة درب.. كنت أدرك يومها أن رحيل من أحب لا يعني أبدا أن أكون سببا في رحيل آخر حتى لو كان السبب خاصة أنه يدفع ثمن أخطاء كبار هم أحق بالحساب ولازالوا كذلك.. أدركت يومها انه مثلما كان من حق يارا ان تحيا فإن من تسبب بقتلها خطأ بسبب أخطاءهم فينا له نفس الحق في الحياة بل وتحسين ظروف حياته ايضا ..

من فضلكم أحبوا الحياة ما استطعتم إليها سبيلا.. ولتدركوا اننا سننتصر بالحياة.. وأن من رحلوا دفاعا عن لحظة حرية وانتصار لقيمنا وقيمهم كانوا يريدون حياة أفضل لجميع من يحبون الخير والعدل فينا .

التعليقات
press-day.png