رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب عن دولة الخوف: هكذا تكلم "سلطان" قانونُ الوجود

"إما أن تخاف و تركع، أو تُخيف و تقتل. في القفص و خارج القفص، فأنت مقتولٌ إن ضعفت أو خفت، أو قاتل، و أنت المسئول عما تختار. آسف ايها السادة فأنتم وحدكم الذين تسخرون من هذا القانون و تضحكون. فإذا كان العالم يحياه حقيقةً و قانوناً و تحيونه أنتم سخرية و نُكتاً فالذنب ليس ذنب (سلطان). ليس ذنبي و ليس ذنب صاحبي الذي خضعت له بطلاً. و حين أصبح آكل عيشٍ مثلكم أرديته. فأنا لست سلطان الأسد. أنا سلطان قانون الغابة. و قانون الحضارة و قانون الإنسان و قانون كل الوجود". كانت تلك الفقرة هي ختام "أنا سلطان قانونُ الوجود" لعظيمِ الرواية و جَبَّارها، العبقري قليل البخت "يوسف إدريس" -الذي حل علينا عيد ميلاده ال87 منذ أيام- علي لسان الأسد "سلطان" الذي إفترس مدربه حين شَعَرَ بخوفه، فتمرد و أرداهُ قتيلا.
أدخل دائماً بِكُلِ الانبهار و الدهشة إلي عالم "يوسف إدريس" السحري، أياً كان ما كَتَبْ سواءَ قصة قصيرة أو رواية أو حتي مقال بجريدةٍ أو مجلة، إلا أن لهذه القصة تحديداً (و أخري اسمها "الرجل و النملة") مكانة من نوعٍ خاصٍ جداً لَدْيَ، و أراها من أهم و أرقي ما كُتب بالعربيةِ من قصصٍ قصيرةٍ في النصف الثاني من القرن الماضي.. قرأتها عشرات المرات، لكني دائماً ما كنت أتوقف أمامَ أمرين.. الأمر الأول هو العنوان الذي يصدمكَ بشدة من الوهلة الأولي، فيُبهركَ مُستَثيراً شغف القراءة لديك.. "أنا سلطان قانونُ الوجود"..ياله من عنوان غامضٍ ساحر و مَلْحَميٍ طاغٍ.. هل يملك سوي "يوسف إدريس" مهارة إبداع مثل هذا العنوان.. لا أظن. الأمر الثاني هو نفاذه لعُمقِ الروح البشرية ليَمسَ بمشرطِ جراح أدق دقائقها و يفكَ أهم أسرارها.. "الخوف".. ثم يُبين لنا في أسلوب أخاذٍ لكنه مُغرق في مُباشرته أهميةَ بل و خطر أن يكون لدي خصمك القدرة علي التعرف علي إحساسك.. "خطره الأعظم أن لديه القدرة دائما أن يعرف، و علي وجه اليقين، إحساس من أمامه". تلك هي الحكاية و هذا هو مفتاح الطَلْسم الأكبر.. أن يُدرك خصمك أنك خائف من شيء ما.. عندها فقط يفترسك بلا رحمة. حدث بالفعل أن قامت دول كبري و إمبراطوريات عظمي علي "الخوف"، لكنها كانت هياكل ضخمة بلا دعائم راسخة، صروح مشيدة بلا أساسات قوية.. كيانات عملاقة لكنها هشة للغاية و قابلة للانهيار في لحظات. يمكنك أن تقيم "دولةً" علي "الخوف"، و لكنك لن تتمكن من إقامة "مجتمعٍ" مُتماسكٍ وخائفٍ في نفس الوقت. توازن معادلة العيش الكريم و الحريات هو ما يضمن بناء مجتمعٍ سليم بلا خوفٍ من سلطةٍ باطشةٍ ظالمة و صاحبِ مالٍ جشعٍ طماع تتوافر لديهما القدرة علي إدراك خوف المجتمع من شيء ما، فـ يغذيانه ثم يقايضانه لينمو مُدمراً نفسه بنفسه.
نُفتَّرَسُ ،كما قال "سلطان" الأسد، عندما نتحول إلي مجرد "أكلة عيش"، فالأساس هو....العيش و الحرية و العدالة الاجتماعية و الكرامة الإنسانية معاً.

التعليقات
press-day.png