رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : رسالةٌ إلي القادمِ بعدَ ساعاتٍ

كان العربيُ القديمُ إذا ما أرادَ أن يضع إناء الماءِ فوق النار لتسخينه، يختارُ ثلاثَ أحجارٍ صغيرة -تُسمي كلُ واحدةٍ منهن "بالأُثفية"- يحيط بها النار علي شكلٍ هرمي، ثم يضعُ الإناءَ فوقهن. و لإختيار الثلاثة أحجار سببٌ وجيه، فهو إذا ما وضع حجرين، لن يستقر الإناء، و إن وضع أربعاً، فهو عددٌ كبيرٌ بلا داع، لذا كانت "ثالثةُ الأَثَافْي" هي أهمهن جميعاً، فهي الحاسمة التي لن يستقيم إستقرار الإناء فوق النار دونها.
أصدر الرئيس المؤقت "عدلي منصور" -في غيبة البرلمان و رغم إعتراض أغلب القوي السياسية- تشريعين غير دستوريين يفتحُ أحدهما باب قمعِ الحريات بدعوي تنظيم التظاهر، و يفتحُ الآخر باب ترسيخِ الفساد بقصرِ حق التقاضي علي طرفي التعاقد، و ها هو يأتينا الآن قبل مغادرته لمقر عمله بساعات قلائل "بثالثة الأثافي" التي تضبط وضع الإناء فوق النار، و ترسم ملامح الجمهورية القادمة ،التي أتمني ألا تتحقق، من خلال هيكل تشريعي يتنافي مع مبادئ الديمقراطية و الشفافية و يتناقض مع الدستور، واضعاً أي إحتمال لتغيير إيجابي -مرةً أخري- بين يدي الحاكم القادم لتكتمل أركان الصورة بثلاث تشريعاتٍ جائرةٍ بائسةٍ و سيئة السمعة: قانونٌ يُشْرعِن القمع..و آخر يُحَّصْنُ الفساد..و مشروع قانونٍ ثالثٍ يعيد سلطةَ التشريع إلي من يملكون المال الوفير من رجال الصف الثاني من الحزب الوطني المقبور و رموز تيار الإسلام السياسي المأفون، ليُرَسخَ -مرةً أخري- الزواج غير الشرعي بين الثروة و المال، في تكرار لسياساتٍ أفسدت البلاد و العباد لمدة أربعين عاماً سوداء من تاريخ مصر.
يمكنك توجيه إعتراضاتٍ موضوعيةٍ لقانوني "التظاهر" و "قصر حق التقاضي علي طرفي التعاقد" ثم لمشروع "الإنتخاب" الجديد، لكن ما لا يمكنك أن تتقبله -من الناحية المبدئية- بعد ثلاثِ سنوات من الثورة علي أسوأ الأنظمة الديكتاتورية و أشدها رجعية، هو سلوك مؤسسة الحكم في التعامل مع آلامنا و آمالنا فيما يتعلق بإصدار القوانين التي تُنظم المجتمع الذي نريده..يدرك المُشرع توجهاتنا في السير بإتجاه ما، ثم لا يلبث إلا أن يسير في عكسه تماماً..يَعلم المُشرع مدي توقَنا لممارسة الحرية، فإذا به يفرض قانوناً يضيقُ هامشها الضئيلُ علينا..يَعْي الُمشرع قدرَ رغبتنا في مكافحةِ الفساد، فلا يسعه سوي أن يسن قانوناً يجعل الفساد سلوكاً شرعياً..يعرف المُشرع أهمية إحتياجنا إلي برلمانٍ قويٍ مُعبرٍ عن أحلامنا، فيقدم لنا مشروع قانونٍ يجعل من الأحلام وهماً و خيالاً.
يا أيها القادمُ بعد ساعات..ترتقي الأممُ بالحريةِ و المُحَاسبةِ و البناء، فلن يُمكِنُكَ خلقَ مجتمعٍ عظيمٍ أو إقتصادٍ قويٍ و أنت تمارسُ القهر و تحمي الفساد و تبيع للناسِ أحلاماً ورديةً. إن أردت أن تَرُدَ للمصريين جَميلاً، فلتُطلق أبناء الثورة أحراراً من معتقلاتهم، و لتأخذ حق الدم الذي مازال يسيلُ ساخناً دافقاً منذ يناير 2011 و حتي الآن ، و لتُلْغِ العمل بتلك "الأثافي الثلاث" بمقتضي ما سيكون لديك من صلاحيات دستورية، فدولة العيش و الحرية و العدالة الإجتماعية و الكرامة الإنسانية (معاً) هي مطلبنا و غاية مُرادِنا.

التعليقات
press-day.png