رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: ذَبْحَةٌ صَدْرية

"حين ينامُ السُجناء
ويغادرُ كلُ الناسِ المستشفى
يطيرُ قلبي
ليَحُطَّ على منزلٍ مُهَدّمٍ قديمٍ في إسطنبول
وبعدَ ذلك....بعدَ عشرِ سنواتٍ
لا أجَدُ لديَّ ما أقدْمُهُ لفقراءِ بلادي
سوى هذه التفّاحةُ التي أُمسكُ بها في راحتي
تفّاحةٌ واحدةٌ حمراء....هي قلبي"

كان ذلك جزءٌ من "ذبحة صدرية".. أحد أعظم قصائده التي تعكس جانباً في غاية الأهمية عن ممارسةِ المُثَقَف لقناعاته من خلال دورٍ عضويٍ يساهم به في تغيير مُجْتَمَعِهِ، فإن أدي هذا الدور، امتد أثره -دون قصدٍ أو طلبٍ منه- إلي مجتمعاتٍ أخري، لتصير مساهمته تلك أكثرُ اتساعاً و أعمقُ تأثيراً في المسار الإنساني بأكمله مُرَسِخاً مفاهيم "وحدة الإنسان" في كل الأزمنةِ و الأماكن.. كان صاحبنا -في شاعريته- مواطنٌ عالميٌ بدرجةِ إنسانٍ ..أَثَّرَ فنياً في شعراء أوروبا و أمريكا اللاتينية و آسيا و إفريقيا، فاكتسبَ تأثيرهُ الفنيُ عالميتَهُ بِحُكْمِ عالميةِ إنسانيته. لا يجوز لمثلي أن يُفكر –مجرد التفكير- في بيان تأثيره الفني في الشعراء العرب من "عبد الوهاب البياتي" و "أدونيس" و "نزار قباني" و "بلند الحيدري" و "محمود درويش" و "أمل دنقل" و "أحمد عبد المعطي حجازي" و "صلاح عبد الصبور" و حتي "نجيب سرور" و "فؤاد حداد" و "صلاح جاهين" و "أحمد فؤاد نجم" و آخرين، فما أنا بناقدٍ و لا تلك هي صنعتي..لَستُ سوي مُتَذوقٍ ألمح طيفَ صاحبنا (الإنسان العالمي) في خلفية كل ما أقرأه لهؤلاء الكبار. إنتزع صاحبنا الشعر من أغراضه التقليدية المُنغلقة ليرفعه إلي رحابة مقام الإنسان العالمي لكونه هو شخصياً إنساناً.. و إنساناً فقط.

"يا إخوتي
لا تنظروا إلي شَعْريَ الأشقر.. فأنا آسيوي
لا تنظروا إلي عيني الزرقاوين.. فأنا إفريقي"
كان هذا ما قاله هو عن نفسه مُفَسراً "وحدة الإنسان" كما يراها.. و لما كانت العادةُ أن يُبدع المُثَقَف خارج الأُطُر -أي أُطُر- حيث لا قيودَ لأحدٍ أو جهةٍ أو فكرٍ ما، و حيث لا تأثير للمالِ أو السلطةِ علي حريته، فقد أبدعَ صاحبنا في هذا السياقِ مُعترضاً علي استبداد "كمال أتاتورك"، ليدفع ثمن مواقفه السياسية سنينَ من عمره قضاها يمارس إنسانيته و انحيازه للفقراء منفياً خارج حدود الوطن أو داخله خلف الأسوار. امتدت حياة صاحبنا لواحدٍ و ستين عاماً قضاها –طفلاً- بين نعيمِ قَصرِ جده "ناظم باشا" عمدةً حلب، ثم -شاباً- بين أقبيةِ سجون تركيا كمُعْتَقَلٍ سياسي، ثم –كهلاً- بين مدن العالم منفياً أو هارباً. اعتُقِلَ في عام 1938 و حُكِمَ عليه بالسجن لمدة خمسة عشر عاماً كاملة، فإذا به يَمثُلُ أمام محكمة عسكرية بعد اعتقاله بعام واحد ليقول ساخراً أمام قضاته: "إن الجيش يخافُ الشعر"، ليُحْكم عليه بالسجن لمدة عشرين عاماً أخري، و كأن سنين عُمرِ الإنسان مجردُ أرقامِ لا روح و لا حياة فيها، فإذا بروحه تَخْلُدُ لتبث زخماً إنسانياً من نوعٍ خاصٍ جداً بينما يذهب جلادوه إلي مكانٍ آخرٍ مُظلمٍ من ذاكرة التاريخ التي لا تنمحي.
قال عنه الطفل الإلهي السمين "صلاح جاهين" في 3 يونيو 1961:
"ليه تموت يا عم ناظم
قبل ما أزمير تغني لك كمان"
تحيةٌ من القلب إلي صاحب "الذبحة الصدرية".. تحية إلي إنسان "تركيا" العالمي في ذكري وفاته.. تحية إلي "ناظم حكمت".

التعليقات
press-day.png