رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: الرَقْصُ في حضرةِ سَعْد زَهْرَان

مَسْجِدُ "عمر مكرم" في ليلِ الأحد، الأول من شهرِ يونيو الحزين..إحتَضْنتُ إبنهُ الصديق "فريد" مُعَّزياً ثم دخلت إلي قاعة المناسبات المُلحقةِ بالمسجد و المليئة عن آخرها..تَلمَّستُ لنفسي مقعداً، و جلست أستمعُ إلي ما تيسر من القرآن مُتَفَرِساً في الوجوه..أينما تُوَلْى وَجهك، تَجِدُ رمزاً من رموز اليسارِ المصري من رفاقِ دربه أو من تلاميذهِ أو من تلاميذِ تلاميذهِ قابعاً في مكانٍ ما بالقاعة الضخمة..بعضٌ من أهل السياسة المصرية من غير اليسارِ أَتَوا لأداء واجب العزاء إحتراماً منهم لتاريخِ الرجلِ و تقديراً لمقامِه الرفيع و إن إختلفوا -فكرياً- معه.
أثناء وجودي بالقاعة، شَرَدْت بذهني بعيداً مُتذكراً وصفه العميق بالغ الدقة للتعذيب الذي عاناهُ في عهد الرئيس "ناصر"، و صاغه برشاقةِ أسلوبِ أديبٍ مُخضرمٍ و منطقِ تحليلِ عالمٍ خبيرٍ في "الأوردي-مذكرات سجين"، و هي وثيقة أَعْتَبِرُها الأرقي و الأهم في تاريخ هذا النوع من الكتابة، و إن ظل هو نفسه رافضاً لتصنيفها ضمن أدب السجون حتي لا ينحدر بقْدرِ مُعاناةِ تلك التجربةِ الإنسانيةِ الفريدة إلي مستوي السلعةِ التي تُعرضُ في السوق للبيع و الشراء......إنه "سَعْد زَهْرَان".
أقتبسُ مما رَوَاهُ في في "الأوردي-مذكرات سجين" وصفاً مُبهراً للتعذيب هناك: "من حساباتِ هذا النوع من التعذيبِ ألا يصلَ الضحايا الي حدِ الموتِ الجسدي، إنما تحرصُ السلطة علي الإبقاءِ علي ضحاياها أحياءَ جسدياً، لكي لا تُضبط في أي وقتٍ مُتَلَبِسةً بجريمةِ قتلِ النفسِ البريئةِ بغير ذنب، و بأسلوبٍ مُدانٍ إنسانياً وحضارياً، ولكي لايتحولُ الضحايا إلي شهداء، ولكنها تسعي إلي القتل المعنوي والروحي. و أعراضُ هذا القتل إما أن تكونَ سلبيةً خامدةً، أي يخرجُ الضحايا عاجزينَ تماماً عن التواصلِ مع الجماعةِ الانسانيةِ التي ينتمون إليها (حزبا أو وطنا أو عقيدة...)، حيثُ يصلُ الفردُ إلي الكفرِ بكلِ القيمِ والمعاني التي كانت تربطه بالجماعة، و التي كان يعتبرها في يومٍ من الأيامِ نبيلةً وصحية، وينتهي إلي حالةٍ من السلبيةِ والخمولِ والعزلةِ التعيسة، تُغذيها كوابيسُ الرعبِ و رُكامُ المخاوفِ القادرةِ علي إحداثِ الشللِ وجمودُ الموتِ في كل ما حوله و مَنْ حوله من كائنات... وأخيرا إلي تسليمِ أقدارهِ لأيدي مُعَذْبِيه". روي لنا "يوسف إدريس" في رائعته "عن الرجل و النملة" ما يُجسدُ وَصفَ "سَعْد زَهْرَان" من تعذيبٍ نفسي ثم قتلٍ معنوي فموتٍ جسديٍ لبطل القصة التي تشعرُ و أنت تقرأها أنك تعيشُ و تعاني معه لحظات الإنكسار و الهزيمة أمام النَفْس.
علي بُعدِ أمتارٍ قليلةٍ من هذا الطَقْس الجنائزي المُغْرِقُ في سوداويةِ الحزن كان هناك طَقْسٌ من نوعٍ آخر..حافلةٌ كبيرةٌ تَقِفُ بالقربِ من البقعة التي شهدت "موقعة الجمل" من "ميدان الشهداء" ، تَرفعُ من مكبراتِ الصوتِ موسيقي زاعقة، يرقصُ علي وَقْعِ إيقاعاتها جموعٌ من الناسِ، وسط زغاريدٍ و فرقعاتِ ألعاب نارية إحتفالاً بإنتخاب رئيسٍ جديد في صخبٍ هيستيريٍ لا يليق بجلالِ المكان و لا مقامِ المناسبة و لا يحترم جوارَ مسجدٍ إكتسب شهرته من القاعات الملحقة به و المخصصة لتلقي العزاء فيمن غادروا دنيانا الفانية، فما بالنا و المصابُ جللٌ بحجم الرجل. شَعُرتُ حينها بضيقٍ في صدري و غُصةٍ في قلبي و تَأْكَّدَتْ لَديَّ قناعةُ أن "سَعْد زَهْرَان" قد نظرَ إلينا في غضبٍ ثم......رَحَل.

التعليقات
press-day.png