رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : ما الذي حَدَثْ؟

مساء الأحد 8 يونيو الحزين دائماً.. مَيدانُ "الشهداء" حيث سالت في الماضي القريب دماءٌ كثيرة.. مشاهدُ كرٍ و فرٍ، و صراخُ ألمٍ مُلتاعٍ لفتاة تحاول الهرب من دائرةٍ مُغلقةٍ فلا تستطيع إلي ذلك سبيلاً.. أحاط بها من أبهره لون اللحم العاري فوقف مشدوهاً، و من أدهشه الموقف فسعي لتوثيقه تصويراً، و من شحذ أنيابه لنهش الجسدِ المهزوم في مشهدٍ مجنونٍ بلونِ الدم. الماكيناتُ الإعلاميةُ تعمل بلا كَلل و ساعاتُ "الهواءِ" مكتظةٌ بالخبراء.. تتوالي الإعلاناتُ و تتزايد الأرباح علي رائحةِ شواءِ لحمِ الضحية التي مازالت تتصاعد في سماء المدينة التَعِسة.. تتوالي التحليلات.. إنه "الكبت".. "الجهل".. "البطالة".. "انهيار الأخلاق".. "انفلات الأمن".. "أثر المخدرات".. "غياب القانون".. "قلة التربية".. "ذكورية المجتمع".. "سلوك المرأة بل وحتي زِيُها".
قد تصلح تلك الأمور لأن تكون مجرد "ظواهرَ" بائسة لمشكلةٍ ستظلُ قائمة إن لم ننفذ إلي مستوياتٍ أعمق في الدراسة، و لا نتوقف عند مستوي نَقْدِ تلك "الظواهر" في انطباعاتٍ انفعاليةٍ مشبوبة برغبةٍ في التعبيرِ عن السُخط الشديد. إن لم ندرس ما حدث بشكل "كُلْيٍ" ، فلا داعٍ إذن لإضاعة الوقت و الجهد و المال في محاولةِ فهم الأسباب و من ثم اقتراح علاجاتٍ طالما لم نلمس جوهر المشكلة، و لنا في حادثي فتاة "العتبة" في 1993 أُسوةٌ غيرُ حسنة.
يخلط البعض بين مفهوم "الدولةِ" و السُلطة"، و تحرصُ "السُلطة" في كثير من الأحيان علي ترسيخ هذا الخلط في الأذهان لأغراضٍ غير بريئة. "الدولة" هي كيانٌ يرتكزُ علي ثلاثَ أركان: "السُلْطة" و "الشعب" و "الأقليم"، فلا يمكن لدولةٍ أن تقومَ دونَ حدودٍ واضحةٍ تَرسمُ أبعادَ الإقليم، و دونَ شعبٍ يختارُ من بين أفرادهِ سُلْطة تنشئ مؤسساتٍ لإدارة شئونه. و لكي تنجح الدولة، فلابد أن يكون هناك تَفاعُلٌ مُتبادلٌ و تواصلٌ مرنٌ بين السُلْطةِ و الشعب. تبدأ الأزمات إذن في الظهور علي السطح إذا ما انقطع التَفاعُل و تَجَمَّد التواصل، لتنعزلَ السُلْطةُ عن الشعب، فلا يعودُ الشعبُ ينظر إليها سوي باعتبارها المالكُ الوحيد للقدرة علي المنحِ و المنعِ و القمعِ، فيَنْبُذُها ليزدادُ انعزالها، و يفقدُ الشعب شيئاً فشيئاً انتمائهُ و يبدأُ في نسجِ منظومة علاقاتٍ و قيم أخلاقية و اجتماعية من نوعٍ مختلفٍ تماماً، لينكشف الإقليم و يَسهلُ ضربُه و تَفْتِيتُهُ ثم نَهبُ مواردهِ و خيراتهِ. أثبتت دروسُ تاريخنا القريب جداً أن "الشعبَ" هو العُنصرُ الأهم في ثلاثيةِ أركانِ الدولة، فهو القادر علي حمايةِ "الإقليم" و هو الذي يأتي "بالسُلطة"، بل وقد يحلُ محلها في الغياب.. و هل ننسي دورُ "اللجانِ الشعبيةِ" في حفظِ الأمن في 2011 و ما بعدها حيث لم تحدث حالة تحرش واحدة عندما كانت الميادين في حمايةِ اللجان الشعبية، بينما فشلت الشرطة -ممثلة للسلطةِ و رغم كل ما تمتلكه من أدوات- في الحيلولة دون حدوثِ حالاتِ اغتصابٍ جماعيةٍ بائسةٍ و حقيرةٍ في 8 يونيو 2014.
يَكْمُنُ أساسُ المشكلة في أننا لا نعيشُ في "دولةٍ" بهذا المفهوم.. انعزلت "السُلطةُ" عن "الشعب" في عهد المخلوع "مبارك" لأنها تنازلت عن مَهَامِهَا لآخرين، و مارست قمعاً و فساداً بَاعَدَ بينها و بين "الشعب" بالتدريجِ إلي أن انقطع التواصل تماماً في يناير-فبراير 2011، حيث كانت بداية الحُلم الذي ما لبثت "السُلطة" في عهد الإخوان أن أحبطتهُ بمنتهي الغرور و الصلف الأحمق حين حاولت صُنع نموذجٍ لدولة لا يقبله "الشعب" الذي أتي بها، فانعزلت عنه ليعودَ فيتخلص منها في أقلِ من عام. تلك هي المشكلة التي إن لم نواجهها بصراحةٍ و حسمٍ، فلا أمل: العلاقة بين الثالوث المقدس: "السلطة" و "الشعب" و الإقليم". الدولةُ القويةُ صحيحةُ النفسِ و البنيان هي الدولة التي لا تتَعَالي "سُلطتُها" علي "شَعبِها" حامي "الإقليم"، كي لا يعزلها بعنفٍ أو ينعزل متقوقعاً في منظومة قيمٍ شاذةٍ تفتك بالجميع.

التعليقات
press-day.png