رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: خَوَاطِرُ رَمَضَانِية في أَحوالِ مُوَازنةِ الدولةِ المِصْرِية

2 يوليو 2014 ..نهارٌ رمضانيٌ شديدُ الحرارة مَليئٌ بمشاكلِ العملِ المُرهِقة..أعددتُ نفسي لمغادرةِ مقرِ عملي إلي المنزلِ بعد إنتهاءِ هذا اليوم الصعب، فإذا بجهاز الهاتف ينبهني إلي ورودِ رسالةٍ إلكترونية من أحد الأصدقاء، و لما طالعتُها، قررت فوراً أن أُعيد تشغيل جهاز الكمبيوتر مرة أخري، و شَرعتُ في تحميل ما جائني بتلك الرسالة القَيْمةِ للغاية و التي كنت أنتظر ما بها بفارغ الصبر..كانت الرسالة تَحوي الرابط الإلكتروني لموازنة الدولة المصرية عن العام المالي 2014-2015 من موقع وزارة المالية.. إستغرق تحميلها وقتاً طويلاً و هو أمرٌ غير مُعتادٍ في هذا الوقتٍ من النهار..بررَ لي صديقي هذا الأمر بأن هناك إقبالٌ شديدٌ علي تحميلِ الموازنةِ مما شَكَلَ ضغطاً علي "سيرفر" الوزارة، و هو ما أدي إلي بُطئ التحميل. غادرت إلي منزلي بعدما حصلت علي نسخة إلكترونية من الموازنة لأقوم بدراستها ليلاً و كان هذا هو ما حدث.
إعتدتُ أن أضع، علي أقصي يمين مكتبي، أوراقاً أُدون فيها ملاحظاتٍ حول الموضوع الذي أُطالعه، و أحتفظ في المكان المتاح أمامي علي المكتب بما أقرأ سواء كان ورقياً أم إلكترونياً.. إستعنتُ علي الشقاء بالله و شرعت في القراءة..مذكرة طويلة مقدمة من وزير الماليةِ إلي رئيس الجمهورية سرد فيها الوضع العام ثم منطلقات التعامل معه، ثم أتبعها بالفصل الأول و هو الإطار العام للموازنة ،ليأتي بعدها الفصل الثاني و يتضمن أسس تقديرات استخدامات وموارد مشروع الموازنة العامة، فالفصل الثالث و يشمل التوازنات المالية الأساسية للموازنة، ثم الفصل الرابع الخاص بمشروع موازنة الخزانة العامة، و أخيراً يأتي الفصل الخامس الذي يحدد العلاقات مع الهيئات الاقتصادية، ثم الخاتمةً. و كنتُ كلما أوغلتُ في القراءةِ، إزدادَ حجمُ ما أقوم بتدوينه من ملاحظات، لأجِدُني علي بدايةِ طريقِ إعدادِ دراسة ضخمة عن أهمِ وثيقةٍ حكومية في فترة ما بعد ذروة الإنتفاضة في يناير/فبراير 2011..نعم..هذه الموازنة هي أهم و أخطر وثائق تلك الفترة. و عندها قررت أن أضع في هذا المقال مجردُ خواطرَ عما جاء بتلك الوثيقة حتي لا أُرهِقُ القارئ الكريم بدراسةٍ إقتصاديةٍ سوسيوبوليتكيةٍ مُفَصلَة. إليك قارئي الكريم بعض -لا كُلُ- خَوَاطِرِي الرَمَضَانِية في أَحوالِ مُوَازنةِ الدولةِ المِصْرِية:
أولاً: مازالت فلسفةُ إعدادِ الموازنة و أسس تقديرات أرقامها لم تتغير منذ عهد المُفْسِدُ الكَبير "يوسف بطرس غالي"، و ما زالت الثغراتُ التي تسمحُ بمرورِ الفسادِ قائمة لم تتبدل، فبندُ الإحتياطياتِ العامةِ ظل كما هو بتقديرات وصلت إلي نحو 7.5 مليار جنيه، و هو بند مخصص لمواجهة الطوارئ و الكوارث الطبيعية كالزلازل أو الفيضانات التي لم يحدث منها شيئ -و لله الحمد- منذ يناير/فبراير 2011 بينما ظل الإنفاق من هذا البند قائماً دون رقيب أو حسيب. و ظل أسلوب سد عجز الموازنة من خلال الإقتراض كما هو دون تغييرٍ و هو ما يعني أننا سنظلُ نقترضَ كي نُنفقَ علي مصروفاتنا الجارية، فنُضطرُ لسدادِ فوائدَ علي ما إقترضناه ليزدادُ عجز الموازنة. و ظل أساس إحتساب دعم المواد البترولية كما هو بلا تعديل، و إجتهدوا فأضافوا له دعم الكهرباء سيراً في طريقِ ضَلالِ "يوسف بطرس غالي" و إقتداءاً بمنهجه الفاسد، فقاموا بإحتساب جانب ضخم من دعمِ المواد البترولية و الكهرباء الذين بلغ إجماليهما معاً نحو 127.5 مليار جنيه وفقاُ للأسعار العالمية إستخداماً لمبدأ الفرصة البديلة و هو أمر لا يجوز حتي في حسابات محال البقالة، ليتم تضخيم دعم المواد البترولية و الكهرباء بنحو 55 مليار جنيه كبندٍ من بنود النفقات و تضخيم الموارد بنفس القدر ضمن بند الضرائب علي الهيئة العامة للبترول. و علي الرغم من أن تصحيح هذا الخطأ بإستبعاد ال55 مليار من كل من بندي الدعم و الضرائب لن يُغَيرَ من صافي العجز شيئاً، إذ أنك ستستبعد من نفقاتك نفس القدر الذي ستستبعده من مواردك، إلا أن هذا التصحيح من شأنه ان يفضح فشل وزارة المالية في تعظيم الإيرادات بل إنها في واقع الأمر ستنخفض بمبلغ ال55 مليار جنيه. هذا هو العلاج المُرُ الذي كان يجب أن نأخذه بدلاً من سذاجة رفع دعم المحروقات عن الأفراد و ترك المصانع كثيفة الإستهلاك للطاقة تنعم بنحو 32 مليار أخري دعماُ لما تحصل عليه من مواد بترولية و كهرباء. و لم تتم إعادة هيكلة بعض قطاعات الأعمال التي وصل فيها الفساد إلي النخاع، و لم تطرح الوزارة أسلوب صارم شفاف لكيفية تعاملها مع ضغط النفقات غير اللازمة كأتعاب الدراسات و فوضي المستشارين، و لم يتم إلغاء قانون فصل الهيئات الإقتصادية عن الموازنة العامة، و لم يتم التعامل بإيجابية مع الأثر المالي لشركات القطاع العام التي حكم القضاء بعودتها للدولة و لا كيفية تنمية و الإستفادة مما تبقي منها إثر الخصخصة الفاسدة في عهد "مبارك".
ثانياً: لم تطرح وزارة المالية حلولاً مبتكرة غير تقليدية لتعظيم الإيرادات غير المتكررة مثل فروق تسعير الأراضي التي تم خصخصتها أيام "مبارك" راعي الفساد و الفاسدين و التي تقدر علي أقل الإفتراضات بنحو 60 مليار جنيه، و لا مسألة ضم الصناديق الخاصة التي قَدَّرَ رجال الجهاز المركزي للمحاسبات حجم موجوداتها بالبنوك الوطنية الأربع (الأهلي و مصر و القاهرة و الإستثمار القومي) بمبلغ 66 مليار جنيه فما بالنا بموجودات تلك الصناديق باقي البنوك المصرية.
ثالثاً: المَضحِكُ المُبكي أن تُسَاوي وزارة المالية دعم "تنمية الصعيد" في قيمته ب200 مليون جنيه (منخفضاُ عن العام الماضي بنحو 400 مليون جنيه) مع دعمٍ آخر يطلقُ عليه دعم "إشتراكات الطلبة" و هو دعمٌ يمثل الفرق بين التكلفة الفعلية وبين الاشتراكات المدعمة لطلبة المدارس والجامعات والمعاهد الازهرية على خطوط السكك الحديدية. و يعكس هذا الأمر رؤية رقمية تتناقض كُلياُ مع طروحات الحكومة السياسية بشأن الإهتمام بالصعيد، فكيف يتأتي أن تعلن الحكومة إهتمامها بالصعيد المظلوم دائماً و هي تخفض -في ذات الوقت- دعمَ تنميته من 600 مليون جنية إلي 200 مليون جنية مساويةً إياه بدعم إشتراكات مواصلات الطلبة. إنخفض دعم "إسكان محدوي الدخل" من 300 مليون جنيه إلي 150 مليون جنيه، بينما "ظل دعم "تنشيط الصادرات" قائماُ يتحدي بالموازنة العامة برصيد 2 مليار و 600 مليون جنيه أي أنه يساوي 1300% من دعم "تنمية الصعيد" و 1733% من دعم "إسكان محدودي الدخل". عجيبٌ أمرَ حكومة تُسْمِعُ المصريين كلاماً عن العدالةِ الإجتماعية بينما تَذْبَحُهُم بدمٍ باردٍ في أرقامها الرسمية.
تَبَادَرَ إلي ذهني تساؤلٌ طرحته علي قامةٍ قانونية سامقةٍ هو الفقيه الدستوري الدكتور "نور فرحات" و كان سؤالي هو: "هل يَتَوَجْبُ عَرضُ الموازنةِ التي إعتمدها رئيسُ الجُمهورية علي البرلمان فور إنعقادهِ شأنها في هذا شأن ما أصدرهُ من قوانينَ في غيبةِ البرلمان، و هل يحق للبرلمان حينذاكَ أن يرفض تمريرها و من ثمَ يردها للحكومة؟"، فأتاني ردُ أستاذنا الكبير و أنقله للقارئ الكريم (نَصَّاً) علي النحو التالي: "نعم بكل تأكيد لأن الرئيس في غيبة البرلمان و كل ما أصدره من قوانين بما فيها قانون الميزانية يجب أن يعرض علي البرلمان".. شكرتُ أستاذنا، و دعوتً له بسلامة الوصول إذ انه خارج البلاد، و إبتهلتُ إلي الله أن ينير لنا طريقَ إنتخابِ برلمانٍ شديدَ المراس يُنَاقِشُ تلك الموازنةِ بموضوعيةٍ، و هو إن فَعَل، فلا شك عندي في أنه سَيرفُضُها و يَرُدُها علي صانعيها غاضباً غيرَ راضٍ.

التعليقات
press-day.png