رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : شِريان فِلَسْطِيني

يا رب علمني العطش والجوع
و اجعل لعيني دموع
و اجعل لقلبي ضلوع
و اجعلني صوت الشهيد
في النبض والتنهيد
شريان فلسطيني شجر مزروع
في الأرض جِدر و في الليالي فروع
يسمعني خال في كل بَلده و عَم
جَرح الملاجئ عُمره ما يتلم
تفنى الليالي و لا يبور الدم
و لا طيارات الامريكان تمنع
أتَذكر تلك الأبياتِ من قصيدة "شِريان فِلَسْطِيني" التي يأتي عُنوانها علي رأسِ هذا المقال لوالد الشعراء "فؤاد حداد".. بل و أتذكر "فؤاد حداد" نفسه و هو يتلوها بصوتهِ النُحاسي فيتحول النَفَسُ الملحميُ في شعره إلي "شجرٍ مزروعٍ و جذرٍ و جرحٍ و دمٍ" مُكَثِفاً ببراعةٍ حالُنا التعيسُ البائس.. لا جديد تحت شمسِ صحراءِ العربِ القاحلةِ المُجدبةِ سوي مزيد من الدماء النازفة من "الشِريان الفلسطيني" من دير ياسين و أبو شوشة و الطنطورية و قلقيلية و كفر قاسم إلي جنين و خان يونس و غزة.
اعتدنا رؤية أطرافِ الأطفالِ المبتورة أو جثثهم تحت أنقاضِ بيوتٍ فقيرةٍ مُهدمةٍ "علي الهواءِ مباشرةً".. اعتدنا مُطالعةِ صور نساءٍ ثكالى يَحمِلنَّ بهلعٍ من بقيَ من أبنائِهِنَ علي قيدِ الحياةِ و يَركُضنَ علي غَيرِ هُديً تُطاردُهُن طائرات إف 16 في "صُحُفِ الصباح".. اعتدنا أن نُتابِعَ تَزايُدَ عددِ المُصابين و القتلى و نحنُ نتناول فنجان قهوةِ الصباح. لا تُهِمُني "حماس" أو داعش" أو "القاعدة" أو الإخوان" أو أيٍ من حُكامِ العرب أو "حُكمائهم"، فكلهم ذاهبون إلي مكانٍ يليقُ بهم.. وهل لهم سوي أسفل درجةٍ من الجحيم مكانٌ لائق؟.. قياداتٌ أدمَنَّتِ الدياثة و انتهي أمرهم مُنذُ زَمَنٍ طويل. ما هو جديرٌ بالتأملِ هذه المرة هو مشهدٌ عبثيٌ تجاوز حُدودَ الدهشةِ، فتعداها إلي مستوياتٍ متطورةٍ من البؤس الإنسانيِ البشع لدي بعض المصريين.. تَطوَرت حالةٌ الفاشيةِ الشعبيةِ التي أصابت بعض المصريين و اعتادت أن تُجَرمَ أو تُكَفِرَ -بحسب الأحوال- كُلَ مخالفٍ في الرأي لما يراه الحاكمُ الحكيمُ دائماً، إلي درجةٍ نادرةٍ من "السادية" التي تُرحبَ بالأحمر الدافق ساخناً من "الشريان الفلسطيني"، تقبلُهُ و تُبَرِرَهُ و تدعو إلي المزيد. في المقابلِ، تري شباباً و صبايا بعُمْرِ الياسمين لم يُفْسِدُ الكَيدُ السياسيُ إنسانيتهم و لم يُفقدُهم الخوف آدمتهم.. يغضبونَ بتلقائيةٍ.. يرفضون تناول طعامٍ مصبوغٍ بلونِ الدم.. يصيغون بياناتٍ بمطالب عقابية لا تقل عن طردِ مبعوثِ القتلة من أرض النيل.. يتحركون بإيجابيةٍ لا نظيرَ لها للحشد لتسيير قوافلَ لنجدةِ أصحابِ أرضِ التينِ و الزيتون، صارخينَ في غَضب: "تفني الليالي و لا يبور الدم".

التعليقات
press-day.png