رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : لازم تعيش المقاومة - كلام في التاريخ و السياسة و الإقتصاد

طَريقٌ مَصبوغٌ بالأحمرِ القاني.. روحٌ شريرةٌ أتت من قلبِ الجحيمِ تحمِلُ الخرابَ، و تنفثُ نيرانٌ مشبوبةٌ تُحيلُ أشجارَ الزيتونِ الخضراءِ إلي رمادٍ أسودٍ، و تملأُ سماءً صافيةً بغبارٍ قاتمٍ يَحجُبُ نورَ القمرِ الخَافِتْ..رياحٌ ملعونةٌ تحمل رائحةً الموت وسطَ الأطلالِ و القبور..سُلَمٌ من الجماجمِ تصعدُ عَبْرَهُ عصابةٌ من الشياطينِ إلي عنانِ سماءِ القوةِ و الجَبَروت..إمبراطويةٌ شيدت دعائمَ مُلكِها علي دمٍ غزير..إختلفت ألوانُ البشرِ، و تباعدت المسافاتُ بينهم، لكن ظل لونُ الدمِ واحدٌ و ظل القاتلُ واحد.
هناك علي الشاطئ الغربي من الأطلنطي حيث الأرضُ البِكر و الثرواتُ الوفيرةُ كانت بدايةُ الحكاية.. مغامرون مُفلسون و مطاريد هاربون و سفاحون محترفون أتوا ليُبيدوا شعباً بأكمله و يشيدوا إمبراطوريتهم في تلك البقعة العذراء من الأرض..لم يكتفوا بما نهبوه من ثرواتِ السكان الأصليين الذين محوهم محواً و إستقروا في أرضهم ليشيدوا إمبراطوريتهم التي إرتبط فيها رأسُ المالِ بالإستغلالِ بالحروب في ثالوثٍ غير مقدس، فإمتدت أطماعهم ليعبروا الأطلنطي صوب الشرق حيث المزيد من الثروات..حيث الذَهَبَين الرنانُ الأصفر و اللزجُ الأسود، ليُرَسخوا -بعد الحرب العالمية الثانيةِ- نفوذهم المتصاعد عبر عملاءَ محليين و حليفٍ سرطانيٍ صنعه آخرون ممن غربت شمس إمبراطوريتهم، فيحيطوه برعايةِ المالِ و العتادِ و يرحب هو بهم لتتماهي بين الطرفين كل عوائقِ المسافاتِ في ظل ثورة إتصالات وضعت العالم كله في جهازٍ بحجم كف اليد في عاصمتهم حين أصبحت إمبراطوريتهم هي القطب الواحد بعدما تخلصوا من منافسهم العنيد في 1990 أخطر أعوام القرن العشرين.

تقوم إمبراطورية القطب الواحد علي إستمرارية إنتاج البضائع إعتماداً علي الآلة التي تصنع إنتاجاً ضخماً جداً لأجل تعظيم الأرباح ، و هو الأمر الذي يقتضي خلق أسواق جديدة لضمان تصريف المنتجات بشكل دائم و متعاظم، و إلا فستتكدس تلك البضائع في المخازن دون بيع بما يُكبدُ المنتج خسائر.
إذن فكلمةُ السر هي "الأسواق الجديدة" التي يُعْتَبَرُ خَلْقُها أمراً في غاية الصعوبة لظروف المنافسةِ الطاحنةِ بين الدول، و لهذا فإن إشعال الحروب و المنازعات الإقليمية هي الحل السحري و البسيط للغاية و المُربِح لكل جماعات الضغط داخل كيان القطب الواحد، فمن خلالها تضغط إدارته السياسية علي الأقاليم و الدول المتنازعة و تُفَتِتُها بما يضعف مراكزها و يجعلها في حاجةٍ لجناحِ حمايةِ القطبِ الواحدِ و هو ما يمنحهُ الفرصة للسيطرة و ضرب إستقلالية تلك الأقاليم و هذه الدول و زعزعةِ إستقرارها، و من ناحية أخري يخلقُ طلباً علي منتجاتِ السلاح التي تكدست في مخازن منتجيه بعدما تم الخلاص من المنافس و صارَ القطب الواحدُ أوحداً، و من ناحية ثالثة فإن الدمار الناتج عن الحروب سيستلزم إعادة البناء بما يسمح لشركات المقاولات بالقطب الواحد أن تعملَ بعدَ كسادٍ فما بالنا إذا كانت عملياتُ إعادةِ الأعمال تلك تقتضي تمويلاً توفره بنوك القطب الواحد. بهذا ستكون قد تحققت عدة فوائد من وراء الحروب: "فتح أسواق جديدة لتسويق منتجات السلاح، و إسناد مشروعات مقاولات إعادة الإعمار، و تمويل تلك المشروعات، فتعمل شركات إنتاج السلاح و شركات المقاولات و البنوك بكامل طاقتها و ينتعش الإقتصاد الراكد للقطب الواحد".
إذن فهناك إرتباطٌ وثيقٌ بين "الحروب" و "نمط إقتصاد" القطب الواحد الذي يتعينُ علينا أن نتنبه إن تعرض لكسادٍ علي أي نحو. كان هذا بالتحديد ما إسترعيتُ إنتباه المصريين إليه في مقال نشرته منذ نحو العام تحت عنوان "الإمبراطوية التي تغرب شمسها" و حللت فيه أزمة القطب الواحد المالية و تنبأت فيه بأن دماء كثيرةً سوف تسيل.
سالت دماءٌ كثيرة و مازال شلالها الدافق يملأ شوارع منطقتنا المنكوبة بحلفاء أمريكا-القطب الواحد من جماعات الإسلام السياسي و كثيرٍ من السلطات الرسمية فضلاً عن الكيان الصهيوني-الحليف السرطاني الذين لا يألُ أحدهم جهداً في إراقة مزيدٍ من الدماء تحقيقاً لأهداف إنعاش إقتصاد أمريكا و تحقيقاً للأحلام التوسعية للكيان الصهيوني الذي توجَ شراكته مع أمريكا و بعض الخيانات العربية بالهجمة البربرية علي عُزَّلٍ "غزةَ" المُبتَلينَ بحُكمٍ ثيوقراطي فاشي و المحاصرين بحراً و براً و جواً منذ سنواتٍ في حرب إبادة جماعية تشبه ما إرتكبه أجداد صانعي السياسة الأمريكية الذين أبادوا شعباً عن بكرةِ أبيه و سرقوا ثرواته و بنوا إمبراطوريتهم علي أشلاء أبناءه. ليس هُناكَ ثَمةَ فرقِ بين سلوكِ الأمريكان الأوائل و سلوكِ الصهاينة، لكنَ الفرقَ الكبير هو في سلوكِ الطرفِ المقابل..الفرق بين سكانِ أمريكا الأصليين و بينَ أهلنا الفلسطينيين هو في رفضِ الفناء..تحدي البقاء..صلابةِ التماسك..القبضِ علي جمرِ الحقِ و القدرةِ العبقريةِ علي مَنحِ الحياةِ مزيداً من الأطفالِ و الشهداء، أو كما قال مولانا والد الشعراء "فؤاد حداد":
"من كل فجرٍ تِنَدي
تحت السحاب الوردي
حقيقة الدم هاجْمَهَ
لازم تعيش المقاومة..لازم تعيش المقاومة"

التعليقات
press-day.png