رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : هيجل في مَيدانِ التَحْرير

كنتُ ألمحُ طَيفَهُ و سطَ الجموع. في البداياتِ، كانَ يَظهرُ كشبحٍ لا يلبثُ إلا أن يختفي -كما جاءَ- فجأةً للدرجةِ التي لا تستطيعَ معها أن تَتَلمس مَلامحِ وَجهِهِ، فما هو إلا محضُ طيفِ شبحٍ. مرتِ الأيامُ، و توالتِ الأحداثُ سريعة مكثفة و صادمة مدوية...و مع كل حدثٍ جديد، كانت تتبدي لي ملامِحَهُ بالتدريج إلي أن رأيته في كامل صورته، فهرعت إليه لَعلي أجدُ علي نارِهِ هُديً أو آتي منها بِقَبس لتفسير ما يحدث في ضوء كتابه الجبار "محاضرات في فلسفة التاريخ"..هل من المَنطقي أن تُؤدي إنتفاضات الشعوب العربية التي رفعنا فيها شعارات الحرية و العدالة الإجتماعية إلي حُكمٍ ثيوقراطيٍ بغيضٍ كما حدث لنا في مصر و كما يحدث بدرجات متفاوتة في تونس و ليبيا؟ هل من المنطقي أن يرفع أبناءُ شعوبنا مطالب المساواة و المواطنة، فتُسال دماؤهم أو يُهَجَّرون قسراً من بيوتهم بموجبات الهوية الدينية كما يحدث "بالموصل"؟ هل من المنطقي بعد كل آمالنا في تحقيق الخير و العدل و حقوق الإنسان أن نصل إلي الحالة "الداعشية" التي أعادتنا قروناً إلي الوراء، بل هل يجوز أصلاً أن "يَتَقَدم" بنا التاريخ إلي ....."الوراء"؟
يقول صاحبنا: "هناك فترات طويلة في التاريخ يبدو فيها أن التطور قد إنقطع، و أن الكسب الهائل في الحضارة السابقة قد ضاع تماما، و هي فترات يتعين بعدها أن يبدأ التطور بداية جديدة." إذن، بأمر التاريخ المتطور دائماً للأمام، كان لابد لجماعة "الإخوان" أن تصل إلي الحكم و "لداعش" أن تتمكن و تفعل ما تفعله بالعراق و الشام ، فهما يُمثلانِ ملامح حِقبٍ تاريخية لم نَمُرَ بها بينما مَرَ بها العالم أجمع كما حدث بأوروبا منذ نحو 400 عامٍ، حين إندلعت حرب مجنونة بين ألمانيا و السويد و تشيكيا و أجزاء من فرنسا و هولاندا و إيطاليا بسبب نزاعاتٍ طائفيةٍ بين البروتوستانت و الكاثوليك. لم تكن أوروبا لترتقي و تتطورعابرة إلي مرحلة متقدمة من مراحل التاريخ لو لم تَمُرَ بتلك المرحلةِ الدامية لتتخلص فيها من كل ما عَلِقَ بعقلها من شوائبِ تعصبٍ مريضٍ و طائفيةٍ بغيضةٍ، فيما يشبه عملية فَتحَ الدُمَّل الذي يخرج صديده ليُطهِرَ جسد الإنسانِ من سُمومٍ قاتلة حتي يستطيع أن يمارس حياته بعد ذلك بمنتهي الصحة و العافية. أؤمن بأن هناك قوي دولية تعمل علي تحويل الصراع بمنطقتنا المنكوبةِ من صراع قومي "عربي-صهيوني" إلي صراعٍ ديني "مسلم-مسيحي" و مذهبي "سني-شيعي"، إلا أن تلك المحاولات لم تَكُن لتؤتي ثمارها إلا لو كانت تُربتنا جاهزة لتُلْقَي بها بذرةُ الفتنة، فتنمو و تزدهر مُخلفةً دماءَ غزيرة، فنحن ببساطة و صراحة متناهيتين لم نتجاوز بعد مرحلة الطائفية، إذ مازالَ خطابنا مُفعَمٌ بكراهية الآخر مما أنتجَ "طائفية" و "طائفية مضادة" علي الصعيد المجتمعي. علي صعيدٍ آخر، كانت معظم الأنظمة العربية -في مسار الإستبداد و القمع- تتعامي عن مجرد الإعتراف بأن هناك أزمات كامنة في الأعماق. لم تشتبك الأنظمة العربية مع ظاهرة "الأصولية " -بمفهومها العام و ليس الديني فقط- بإعتبارها ظاهرة ثقافية ينبغي التعامل معها في سياقها التاريخي، فلم تخلق مناخاً يستوعب إختلاف الطروحات إما خوفاً من الإختلاف في ذاته ،إذ لا مساحة لديها للإختلاف، أو مزايدةً منها علي بعض فرق الدين السياسي في منافسةٍ رخيصةٍ مع تلك الفرق رغبةً منها في بناء شعبيةٍ زائفةٍ أو إستغلالاً لها في إطار صفقات مُنحطة لترسيخ دعائم حكمها أو هكذا ظنت.
ستظل الأصولية قائمة في مجتمعاتنا العربية بما يحول دون ديمقراطية حقيقية، ما لم تحدث ثورة ثقافية تضع حداً للإقصاء و التمييز و كراهية الآخر ثم ترسخ للمواطنة و حقوق الإنسان كما حدث في فرنسا علي أيدي "فولتير" و "جان جاك روسو" و "كانت" و هو ما مهد الطريق للثورة الفرنسية التي رفعت شعارات الحرية و الإخاء و المساواة. لا ترتبط تلك الثورة بقرارٍ فوقيٍ يتوقف علي مدي إستنارة الحاكم، و إنما تتأتي من خلال ممارسةٍ تسري في عمقِ التاريخ يقودها المؤمنون بقيمِ الحريةِ و المساواةِ و الإخاءِ و العدلِ من المثقفين و الأحزاب و القوي السياسية و الإجتماعية و مؤسسات العمل المدني. كان هذا هو درس التاريخ الذي أنار طريقه لنا صاحبنا الذي ظهر في ميدان التحرير.....المُعلم "جورج فيلهلم فريدرش هيجل".

التعليقات
press-day.png