رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب عن رحيل أبو العز : كُلُ الذينَ أُحِبهُمْ نَهَبوا رُقَاديَ و إستَرَاحْوا

لا أكره يوماً بعينه أو شهراً بذاته، فَكُلُها أيامُ و شهورُ الله و ما أنا بمُتطيرٍ، لكني أتوجسُ من بداياتِ بعضِ الأيام..كان ذلك اليوم واحداً منها..الجو في الصباحِ المبكرِ خانق و الرطوبة تجعلُ الهواء ثقيلاً و تَردُدُ النَفَسِ صعباً..تَزامنَ ألمُ إلتهاب الجيوبِ الأنفية مع صداعٍ نتجَ من النوم القليلِ المتقطع فتسببَ في ألمٍ لا يُحتمل.. ليبدأ "سبتمبر" الحزين.
إختلفت معه قليلاً في الآونة الأخيرة، إلا أن صورةَ البطلِ الأسطوري التي رسمتها عنه منذ سنينَ طِوالٍ لم تبرح خيالي و لم تتبدل، فظلَ كما هو..شبيه "سبارتاكوس" (من يقول "لا"، لا يرتوي إلا من الدموع- عن "أمل دنقل"). كان عمري خمسة عشر عاماً، و كان أول عهدي بإستنشاق الغاز المُسيل للدموع، حين فَجَّر الرئيس "السادات" قنبلته المدوية التي مازال دُخانها يملأ سماءنا حتي الآن..زيارة القدس المحتلة في نوفمبر 1977..لم يستطع عقلي حينها إستيعابَ ما يحدث، فخمسة عشر عاماً تربينا فيها علي كراهة الصهيونية لا يمكن أن تنمحي بهذه البساطة و لمجرد أن الرئيس يريد "كسر الحاجز النفسي" علي حد قوله. لم تمر سنتانِ علي هذا الحادث، إلا و قد وَقَّعَ الرئيس "المؤمن" معاهدة السلام مع الصهاينة لتنقلب الدنيا رأساً علي عقب و ينتفض عدد من أعضاء مجلس الشعب ضد المعاهدة، ليقوم الرئيس بعدها بِحَلِ مجلس الشعب بأكمله لأجل الخلاص من أصواتِ من إنتفضوا.."خالد محي الدين و علوي حافظ و الشيخ عاشور و عادل عيد و كمال أحمد و محمود القاضي و ممتاز نصار و الشيخ صلاح أبو إسماعيل و إبراهيم شكري و كمال الدين حسين و..صاحبنا النبيل". لا يمكنك أن تَقِفَ أمام محطةِ دون أخري من محطاتِ قطارِ حياته علي إمتدادِ مسافةِ الزمن بين 1946 و 2014، فكلها مُتميزٌ بجدارة حتي و إن إختلفت معه في أيٍ منها..عارضَ سياسات "السادات" ثم "مبارك" ثم المجلس العسكري ثم الإخوان و لم يُمهله القدر ليكون معارضاً "للسيسي". لم يكن صاحبنا ظاهرةً كلاميةً أو نخبوية يتحدث للناس عبر التلفزيون أو الراديو أو في ندوة بأحد الصالونات أو حتي من وراء ستارِ الكلمات، لكنك -حتماً- كنت ستجده وسط البشر قائداً لتظاهرةِ بمصنعٍ للمطالبة بحقوق العمال، أو مُحتداً في نقاشٍ سياسيٍ مع الناس علي مقهي بحي "كرموز"، أو مُعتقلاً بين المُعَاقَبين بسبب مواقفهم السياسية. في نهاية حكم "مبارك" راعي الفساد و المفسدين، إعتُقِلَ صاجبنا النبيل بسبب قيادته لتظاهرة ضد التوريث، أعلن خلالها عن قيامه برفع دعوي قضائية لإبطال عقد بيع أراضي حديد الدخيلة للفتي المعجزة "أحمد عز"، فكان القبض عليه بتهمة بيع الكتب في مكتبة السيدة زوجته فيالها من تهمة ( هل يمكن لمكتبة أن يُباع بها سوي ال...كتب!). رَفَضَ المساومات و الصفقات، فترك حزبه الذي شارك بتأسيسه منذ اليوم الأول و خَاضَ تحت لِوَاءِهِ معارك التاريخ، ليتركه شيخاً في ريعان شبوبيته و يؤسِسَ مع بعض رفاق المسيرة العسيرة -أطال الله في أعمارهم و متعهم بالعافية و الصحة- حزباً جديداً يقع بحقٍ علي يسار الثورة.
غَادَرَنَا "أبو العز" في بدايات "سبتمبر" الحزين ليلحق "بسيف الإسلام" بينما ظل "مبارك" جاثم علي صدورنا، فاللهُمَ لا رادَ لقضائِكَ. تناولتُ قُرصَينِ من الدواء و ذَهَبتُ إلي فراشي مُردداً ما نَظَمَهُ "سعيد عقل": "كُلُ الذينَ أُحِبهُمْ نَهَبوا رُقَادِيَ و إستَرَاحْوا"...........و لم أَنم.

التعليقات
press-day.png