رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب عن شاعر وديوان: عصير قصب

ليل الخميس الماضي..بدأتُ المسيرَ من ميدان "الشهداء-التحرير سابقاً" (مازال الدم يستصرخنا ثأرَ "الحسين").."محمد محمود" (لتذكاراتِ الموت رائحة مازالت لصيقة بجدران بنايات الشارع الذي مازال حزيناً).."لاظوغلي" (مبني الداخلية العتيد العنيد).."المبتديان" ("دار الهلال" بكل هيبتها و مكانتها في قلوب و عقول أبناء جيلي)..ثم مدرسة "السنية". كان الوقت مبكر، فالميعاد يحين بعد نصف الساعة.. قررت زيارتها.. وقفت ببابها.. قرأت الفاتحة طالباً المدد من عقيلةِ بني هاشم، أُمُ العواجز، صاحبة القنديل و رئيسة الديوان.
تَلوتُ فاتِحةَ الكتاب، لا علي روحِ أحدٍ بذاته لكنها كانت من القلب للبشر جميعاً في حضرة زينة آل البيت. تَذكرتُ إحدي مسيراتنا أيام حُكمِ الإخوان و التي بدأناها من هناك.. من قُبالةِ بابها الذي يجاورُ -ياللمفارقة- أسوأ أماكن الإحتجاز غير الآدمي، حين هتفنا من الأعماق وراء عمنا الكبير "كمال خليل" أن يسقط حكم المرشد، و قد سقط.
عبرتُ الشارع، ثم بدأت أتلمسُ طريقي وسط فوضي المتاجر و زحام السيارات نحو بقعة النور الأخضر. شَعُرتُ حين خَطوتُ الخطوة الأولي "بالبيتِ" أنني قد إنفصلت تماماً عن المكان و الزمان، فلم يُعِدْني إليه سوي الصحبةُ الطيبة و ما تيسر من الشِعرِ و الموسيقي اللذين بَلَغا أعلي درجاتِ الإبداع وقت أن تماهت الخطوطُ الفاصلة بين صاحبِ العودِ و جمهوره لينصهر الجميع مُندمجينَ في وحدةٍ واحدةٍ بين مشربياتٍ و سقوفٍ عاليةٍ و جدرانٍ نُحِتت عليها تجاعيدُ وجهِ الزمن..إنه بيت "إبراهيم كَتخُدا السناري".
ما العبدُ الفقير لله بشاعرٍ و لا ناقد.. لا أعرف أسرارَ كتابةِ الشعر و لا قواعدَ نقدِهِ و لا أرغب في ذلك حتي لا أفقدُ القدرة علي ممارسةِ الإنبهار البسيط أو تنسابُ من بين ثنايا الروحِ متعةُ الدهشةِ الطفولية.. لستُ سوي درويشٍ من دراويشِ العامية المصرية.. أسير وراء حاملي لوائها كالمسحور من وكالة "الغوري" إلي الأوبرا و بالعكس مروراً بساقية "الصاوي" و بيت "السحيمي" و بيت "السناري".
كان صاحب الليلة في الإنتظار حاملاً بضاعته هناك.. علي المنصة جَلَس و أحاط به اللامِعَين "محمد عبد الرحمن" يساراً و "هاني شمس" إلي اليمين. أينما تُولِ وجهك بالقاعة تجدُ مُبدعين.. أدباءٌ و شعراءٌ و ممثلون و تشكيليون و صحافييون. تقدِمَةٌ، ثم حوارٌ رائع بين فرسان المنصة الثلاث لا يخلُ من خفةِ ظلٍ لاذعةٍ لا تجد لها مثيلاً علي وجه الأرض، فتشعر كما لو كنت جالساً علي مقهيٍ بين أصدقائك و إن كنت غريباً.. روحٌ إيجابيةٌ مُبهِجةٌ تسري في عُمقِ العُمق.. تُظللنا أرواحُ أُمراءِ شعراءِ العاميةِ المصريةِ الصعاليك.. نعم، لن يصل إلي مرتبةِ إمارة الشعر الرفيعة إلا من "تَصعلَكَ" في أَزِقَتِها فخَبِرَ أهلها و حكاياتهم، و إستنشقَ هواءها ممزوجاً برائحة شِواءِ الكباب و دَقْة الكُشري و دخان المعسل، ثم شَرِبَ حتي الثمالة من "عصير قصبها"..
يُخلي إثنين من الفرسان المنصة لصاحبِ العود المُبدع البديع "أحمد إسماعيل" ليتناوب مع الفارس الأخير سقايتنا فلا نرتوي، ثم يُعيدا سقايتنا فنطلب المزيد. حين تستمع إليه يتلو قصائده تستحضر علي الفور روح "النديم" و "بيرم" و "حداد" و "جاهين" و "الفاجومي" و "قاعود" ، لكنك -و هنا تكمن عبقريته- لا تشعر مُطلقاً أنه يُقلد أحداً منهم.
لصاحب الليلة شخصية ذات ملامح مُتميزة إنعكست علي لغة شعره. هادئ هو، علي وجهه إبتسامة واثقٍ، و له صوتٌ خفيض.. مُجاملٌ لدرجة لا إفراط فيها و لا تفريط. يشبه بحر مدينته المُدهشة.. هادرٌ في بعض قصائده، و هادئٌ في البعض الآخر.. لَخَصَ بنفسه حكايته حين قال في القاهرة: "إسكندراني و جايلك..مدد يا محروسة".
رُويَ عن مولانا "فؤاد حداد" رضي الله عنه أنه قال ذات مرة لأحد مريديه: "ما تِتْعِبْش المُلحن لكن إديله القصيدة متلحنة جاهزة"، و كان يقصد أن تكون الموسيقي المطمورة بالقصيدة محسوسة، فتشعر - وأنت تُلقيها - بطابعِ و شخصيةِ لحنها الداخلي يتردد بعفويةِ، فتخرج الألحان مُتسقة مع مقاصد الشاعر.
أحسب أن صاحب الليلةِ قد سار علي هَدْيِّ مولانا، فجائت قصائده جميعاً تحمل موسيقي تجعلك تغنيها معه دون كَبدٍ أو معاناة.

"يا اللي قمت بثورة علشان ناقصة دين
ثورتك فشلت تماماً
يا اللي قمت بثورة علشان تبقى حر
إن للثورة إماماً
إسمه شعب
محترف صبر و طَيابة
بس صعب
إن حد يغصبه ع الصبر تاني
إن حد يغيّبُه بكلام أغاني
إن حد يرجعه محبوس ف قمقم
ربع حرية كفاية عليه و دمتم
و اللي هيحاول يقرر
اللي هيحاول يكرر
هو حر
هو حر
هو حر"
هكذا تحدث صاحب ديوان "عصير قصب" السكندري المُبدع "أحمد شبكة".

التعليقات
press-day.png